نقد سينمائي

دعاء...عزيزة

الوطـــــــــــــــــــن خــــــــــــــــارج الحــــــــــــــــــــــدود

بقلم: أحمد حسونة

 من أنا ؟ سؤال يردده كلا منا في لحظة من اللحظات لأسباب مختلفة، و ينساه مع مرور الوقت و أستمرار صعوبات الحياة بوصفه سؤالا وجوديا من العسير الوصول الى إجابه عليه. و أحد الأسباب التي تجعلنا نطرح هذا التساؤل هو  البحث عن هويتنا و  أرتباطنا بأوطاننا  و ما الدافع وراء  هذا الأرتباط ،و ما الذى يشكله فى وجداننا. الفيلم التسجيلي الطويل"دعاء.. عزيزة"، للمخرج السينمائي سعد هنداوي، و الذي  بدأ تصويره في عام  2005 و أستمر الى ما بعد ثورة يناير 2011, يناقش قضية الهوية و الأنتماء لدي فتاتين مصريتين أخذت كلا منهما مسارا معاكسا ومغايرا عن الأخري. دعاء،  فتاة مصرية تعيش مع عائلتها بفرنسا ،لا تقرأ اللغة العربية،  تقرر العودة إلي مصر و العمل في مجال الأعلام بدون سابق خبرة، و ذلك بتشجيع من عائلتها. فالأم تتخيل أنها ستجد أبن الحلال في مصر،  و الأب يري أنه وضع طبيعي أن تعود إلي جذورها . أما دعاء كما تقول، "كان الأمر يشبه النداهة"، مصر تنادي عليها و هي لا تستطيع أن تحدد سبب واضح لعودتها إلي  مصر
علي الجانب الأخر من البحر المتوسط،  تعيش عزيزة مع والديها بإحدي الأحياء الراقية في القاهرة. تحاول عزيزة التأقلم مع الحياة في مصر، و مع المتغيريات العنيفة التي حدثت للمجتمع من ضعف في مستوي الدخول، و إنحصار للحريات يزيد يوما بعد يوم، يجعلها لا تستطيع الأستمرار في هذا المناخ. الأم، وهي مجرية الأصل و تتحدث العربية بصعوبة، لم تريد لأبنتها السفر و حاولت مرارا أن تثنيها عن ذلك، و لكنها في النهاية قالت لأبنتها ذات الحس الوطني المسئول " لقد فعلتي كل ما بوسعك، و لم يصبح أمامك إلا السفر". و الأب متفهم لدوافع الأبنة التي قام بتربيتها علي الأستقلال الأقتصادي  و التحرر، و لم يمانع هو الأخر سفرها .
يتابع الفيلم كلا من دعاء و عزيزة في حياتهما الجديدة، و تداعيات أفكارهما و ذكرياتهما حول الأماكن و الأشخاص و حول ذواتهما و لماذا أتخذ تا هذا القرار و ما أثر القرار عليهما، وما شكل الحياة لكل منهما  في وطنهما و مسكنهما الجديد.
من أحداث الفيلم، نكتشف أن عزيزة تعرفت علي دعاء في باريس عام 2005  قبل سفرها إلي مصر ، و أن دعاء سافرت إلي مصر لتعمل بالتلفزيون بدون خبرة في الأعلام، و عزيزة تركت عملها بالتلفزيون لتذهب إلي باريس لتعمل في عمل تطوعي بعيدا عن الميديا. هذه الحالة في تبديل الأماكن و الوظائف و التغيرات التي حدثت لكل شخصية، و التي صاغها المخرج في بنائه السردي ببراعة، وظفت لصالح إيقاع الفيلم. فنحن ننتقل بين القاهرة و باريس أكثر من مرة و نراهما في علاقة مع أصدقائهن في مصر و فرنسا مما أعطي حيوية و تدفق للأحداث في الفيلم.

الأختلاف و التطابق في المواقف و في الشخصيتان  كان مثيرا للأهتمام، قدمه المخرج بأكثر من طريقة.  فقد تقابلت البطلتان بعد فترة في القاهرة من خلال زيارة عزيزة لمصر في نفس العام 2005 و معهم صديقتهم الأعلامية المعروفة ريم ماجد و يدور حديث بينهن يكشف عن الحيرة التي تعيشها الفتاتين لننتقل إلي لقطتين يتحولان إلي كادر مقسم بينهما لدعاء و هي تسير علي نهر النيل و عزيزة علي نهر السين.
ويحملنا المخرج معه الى عام 2010 بعدما عاشت عزيزة فى فرنسا وعملت كقارئة  فى التليفزيون لنشرة 24 ساعة الناطقة باللغة العربية . وهنا تحول فكر عزيزة. 
لتصبح متقبلة مصر بشكل أرحب من ذي قبل و مشتاقة لتصرفات كانت تعتبرها تدخلا في شئونها. وعلى صعيد آخر نجد دعاء غير سعيدة و محبطة، و تشعر أنها غير متحققة، و أضاعت وقتا كثيرا في مصر. فأحد المعاني التي نجح المخرج سعد هنداوى أن يترجمهأ بإقتدار  فى فيلمه أن الأنسان قد يجد وطنه خارج الحدود سواء كمكان, أو أرتباطه بالوطن الأم يزداد و هو في الغربة. وتللك الرسالة ترجمها صانع الفيلم بيسر ولمسها جمهور عبر إشارت الفيلم المتنوعة . و هنا وظف المخرج مقولة "فكتور هوجو التي أستهل بها الفيلم"(أن المصير لا يفتح بابا بدون أن يغلق آخر) فى تبادل الشخصيتان لموقع كل منهما لآخرى.
تكشف لنا الطريقة التي ينطق بها أسم دعاء حالة التذبذب و الإنقسام التى تعيشها . فأسمها في شهادة الميلاد الفرنسية "درا" وليس "دعاء" ، فالفرنسيون ينادوها "درا"  و  المصريون ينادوها  دعاء. و تظهر  حيرة دعاء علي شكلها و تسريحتها التي نراها تتغير بين الحين و الأخر، كأنها لا تعرف ما الصورة التي تريد أن تكون عليها،  بينما عزيزة لم تغير شىء فى نفسها  غير تسريحة شعرها فقط بعد 2010 . فالأمور عند عزيزة أوضح بكثير، وتعمق لديها أنتمائها لوطنها أكثر، بينما تضاربت أحاسيس دعاء و لم ينقذها إلا ثورة 25 يناير التي قالت عنها أنها أفضل شيئا حدث لها . وهنا نجد ان قضية الأنتماء  التى تشغل فكر ووجدان المخرج وحرص على تأكيدها فى بعض مشاهد التحرير من خلال تحويلها إلي أبيض و أسود مع الأحتفاظ بألوان العلم ليؤكد علي قضية الأنتماء..
لكن هذا الأحساس والشعور  بعودة الروح  التى دبت فى أوصال دعاء  أثناء الثورة مالبثت أن  تلاشت سريعا حين شعرت بأن الأثار المترتبة عن الثورة لن تلمسها هي، و سيحياها الأجيال القادمة........... ولاننكر على المخرج أنه لمس الحقيقة هنا لدى العديد من أبناء مصر خاصة أصحاب العقود الثلاثينية وما فوقها .وهو ذات الشعور الذى توصلت اليه البطلة. 
 ينتهي الفيلم بكلمات مكتوبة علي الشاشة بأن عزيزة أستقرت في فرنسا، و تزوجت من فرنسي، و أنجبت منه ابنها الأول، و مستمرة في عملها كمذيعة أخبارباللغة العربية، بينما دعاء مازالت تقدم الأخبار باللغة الفرنسية في التلفزيون المصري..
قضية الهجرة و البحث عن وطن مناسب هي قضية لا تقتصر علي المصريين فقط، فدعاء تستقبل صديقتين، أحداهن لبنانية و الأخري فلسطينية، لنجد الحيرة بين الأوطان هي لعنة أصابت الوطن العربي و دول العالم الثالث نتيجة الفروق في المستوي الأقتصادي، و أحتلال الأرض، و مشروع حداثي قد بدأ في الكثير من البلدان العربية، و لم يستطيع أن يتعامل مع القيم و العادات القديمة، فظل مشروعا منقوصا مهدد بالأنهيار في أي لحظة لندخل في دائرة لا يعلم أحد عواقبها الوخيمة.

نجح المخرج السينمائي سعد هنداوي في رسم الشخصيتين، فكان أختياره لفتاتين يثير الأهتمام ويعد عامل جذب للمشاهد أفضل  من إختياره لشابين نظرا للقيودة المفروضة علي الأنثي فى مجتمعنا العربى. و "دعاء ...عزيزة "كان لهما حضور ووعى جيد علي الشاشة،  ساعد علي تحليل أنفسهما، و ما يمران به من مواقف و أعطي للفيلم ثراء و عمق في الموضوعات التي يطرحونها ، و ذلك من خلال قيادة المخرج  ووعيه للقضية التى يناقشها . و رغم ان المخرج أستخدم الأسلوب الكلاسيكى فى السرد و التصوير ، نجح هنداوى فى إضفاء  جوا من الحميمية و التشويق   بين –عزيزة ودعاء- و المشاهد لمعرفة المزيد عنهما وذلك عبر ايقاع الفيلم  المناسب،  و التعامل مع الشخصيتين في معظم الأوقات من خلال حديثهما المباشر لنا و هما جالستان .
و تلك القضايا التي يطرحها الفيلم  تبدو أهتمام شخصي و فني لدي المخرج  وشغله الشاغل بفكرة العائلة و الفراق و الغربة، و مدى تأثير قرارات الأهل و أسلوب التربية علي الأبناء فيما بعد،- بالأضافة إلي غرام سعد هنداوي بباريس كبلد و ثقافة يشتاق أي فنان للمكوث بها-. ففيلمه الأول الروائي الطويل "حالة حب"  يتحدث عن أب هجر عائلته مما يترك أثرا سيئا علي أولاده و زوجته، و يذهب إلي باريس ليحقق نفسه فنيا كمصور، و ينتهي الأمر به إلي رسم اللوحات للسياح. و قد صور الفيلم  بين مصر و باريس، و كان البوستر الخاص بفيلم حالة حب، يصور إحدي لقطات الفيلم و هي لقطة لكنيسة نوتردام من خلال جسر على نهر السين ، و هي لقطة تكررت في هذا الفيلم  أيضا-دعاء..عزيزة. مما يجعلنا نتسأل هل هو حنين دائم لباريس لدى المخرج ؟ .

كان التسلسل السردي لفيلم"دعاء ..عزيزة" جيدا حيث تفادي المخرج أعطاء المعلومات دفعة واحدة حتي لا نفقد أهتمامنا، بل جعلنا نكتشف مع الوقت أبعادا جديدة. فعلي سبيل المثال، تحدثت  عزيزة عن أحساسها القوي بمصريتها و أنتمائها للأقباط الموجودين منذ زمن سحيق في مصر و هم المصريين الأصليين ،  فأضاف المخرج معلومة جديدة لنا عن عزيزة (قد يلاحظ البعض من البداية أن عزيزة قبطية من الأسم، و لكنني في الحقيقة  أتفادي معرفة ديانة الأشخاص من أسمائهم) و عن رؤيتها لنفسها كمصرية قبطية ذات أفق واسع و متسامح كأي مصري أصيل منتمي لهذه الأرض بعيدا عن أشكالية الدين. و لكن لا يمنع هذا قلقها من  التطرف في مصر و تناميه مع الوقت.
برع المخرج فى أستخدام اللقطات ذات الزوايا المنخفضة، وهو ما يحسب للمبدع هنداوى حيث قام بالتصوير بنفسه  لأحداث الفيلم ، بالأضافة إلي تسجيل الصوت و كتابة السيناريو و أخراجه، و أنتاجه أيضا، مما يؤكد مرة أخري علي أهمية الموضوع بالنسبة للمخرج، و رغبته في تنفيذه بشكل معين لا تفسده المشاكل الأنتاجية.
كانت معظم اللقطات منسجمة مع نسيج الفيلم، فمع نزول دعاء إلي مصر نجد لقطة للأهرامات ، رمز مصر و أيقونة حضارتها، ثم عدة لقطات للتوك توك و الميكروباصات تظهر ضجيج و زحام و عشوائية الحياةالتى آلت اليها القاهر ، ثم دعاء   و هي في الزمالك ، إحدي الأحياء الراقية ، التي ترتبط بالحداثة المصرية وأغترابها في نفس الوقت عن الكثير من الواقع المصري، بالرغم من مجاورة الحي لأحياء شعبية مثل بولاق و أمبابة. و أستوقفني فقط لقطات لشباب علي إحدي المراكب يرقصون معا، و دعاء تتحدث عن الحميمية الموجودة لدي المصريين و أفتقادها لها. فبالرغم من أن اللقطة معبرة عن الفكرة، إلا أنها جاءت كلقطة غريبة عن الفيلم خاصة أنهم جميعا من الشباب الذكور.

موسيقي تامر كروان ذات اللحن  الشجي البسيط عبرت و أكدت برقة علي المشاعر الداخلية التي تعتمر داخل الشخصيتين
و أخيرا ..إعتمد الفيلم التسجيلي كثيرا علي قدرة المخرج في تقديم الواقع و شخصياته التي تمر بأزمات ومشاكل و كيف أنها تمثل جزءا من حياة المتفرج، وقد نجح سعد هنداوي في شد أنتباهنا لشخصياته و لنفكر في ذواتنا بأقتدار شديد .وتلك هى الرسالة الحقيقة للفيلم التسجيلى .

قد ينال إعجابكم