نقد سينمائي

التحرير: غرافيتي وأحلام مُعَلقة

أمستردام – محمد موسى

لا تكاد كاميرات مخرجي الأفلام التسجيلية تغادر ميدان التحرير في القاهرة، كما إن هذا الأخير، لم يَنّعَم منذ الثورة المصرية قبل عامين، بأي هدوء او فرص طويلة لإلتقاط الأنفاس ومراجعة الأحداث الجسيمة والمتسارعة، التي كان شاهداً عليها، فمفجري ثورة الخامس والعشرين من يناير، عادوا بعد أسابيع قليلة فقط من  سقوط النظام المصري السابق الى الميدان بغضب مختلف، مع رغبة التغيير ذاتها، وإنضم إليهم مصريين جدد، فيما فَضَلَ مصريون عديدون، من الذين شاركوا في ثورة يناير، العودة الى بيوتهم، ولأسباب مختلفة، وتناوبت أحزاب وحركات دينية وإجتماعية قديمة وحديثة الهيمنة على "التحرير"، ويكاد التصادم المتواصل بين هذه القوى أن يحدث شروخاً عميقة في المجتمع المصري،كما  يُخشى أن يقود هذا الإنقسام الى عنف مسلح، وفشلت كل محاولات القوى الأمنية والجيش في العامين الأخيرين لإخلاء الميدان، فهو يعود ويمتليء بناس وخيّم وشعارات جديدة، كرد فعل عفويّ، وأحيانا وحيد، على خيبات الواقع المصري المريرة، وعدم الرضا الكبير على نتائج الثورة المصرية.

تعيش المراسلة التلفزيونية الهولندية إيسمرلدا دي بون على بعد أمتار قليلة فقط من ميدان التحرير، هي إنتقلت الى هناك بعد الثورة، لتكون قريبة على موقع ولادة الحدث المصري، وبعد أن غطته طوال الثورة المصرية لصالح التلفزيون الهولندي الرسمي، وهي المؤسسة الإعلامية ذاتها التي تقف وراء الثلاثية التسجيلية الجديدة "حريّة التحرير" للمراسلة الهولندية. تحاول إيسمرلدا دي بون في برنامجها التسجيلي الجديد هذا، أن ترافق الثورة المصرية وتأثيراتها في الحياة اليومية، عبر التركيز على شخصيات مصرية، كانت قد تعرفت عليها أثناء تغطياتها التلفزيونية للثورة المصرية قبل عامين، كما ستقدم شخصيات جديدة، بتجارب ورؤى مختلفة، بعضها تَشّكل ونضج في العامين الأخيرين فقط، وبسبب تأثيرات "الحريّة" التي شَرّعها "التحرير" عند المصريين، كما ستتجه إيسمرلدا دي بون الى سيناء، المنطقة المهملة إعلاميا، لتبحث في أثار الثورة المصرية على ناس المنطقة، والذين بدوا بهموم وتركيبة إجتماعية مختلفة عن تلك لأبناء المَدَنيّة المصرية.

يَنطلق الفيلم التسجيلي الأول من السلسلة، والتي عرضت على شاشة القناة الهولندية الرسمية الثانية، من قصص الحب التي نشأت في ميدان التحرير في زمن الثورة، مسجلاً أحوال البلد عبر تجارب اولئك الشباب والشابات. الفيلم الذي يحمل إسم " أمل وحب" يعود الى العشاق الذين تعرفت عليهم المراسلة أثناء عملها اليومي وقتها، هم الآن متزوجون، وبعضهم أنجب اطفالاً. سيستعيد هؤلاء قصص حبهم وقصص الثورة، وكيف تشابكت تفاصيل الحب والثورة في ذاكرتهم. واحدة من القصص عن حب وزواج بين مسلم ومسيحية، وكيف إن قصة الحب، والتي بدت وقتها كبشارة على تعايش وإندماج مصريين، تعاني اليوم من تَردي العلاقة وتوترها وتأزمها بين مسلمين وأقباط. لم يَنسحب أغلب أبطال الحلقة من الحياة العامة، بعضهم وجد في الفن الملآذ الذي يعوضه عن "وقفة" التحرير، وخاصة فن "الغرافيتي"، والذي شهد نضوجاً غير مسبوق في مصر، اذ تحولت عديد من شوراع وسط القاهرة الى متاحف عامة لهذا الفن. تتدرج أنواع التعبير ضمن لوحات الغرافيتي تلك، من الجمال الشديد الهشاشة، الى لوحات التمرد الغاضبة. الأعمال الفنية تلك، هي ساحة حروب جديدة بين التيارات المتصارعة، وبعضها تحول لكولاج للخطابات السياسية لهؤلاء، فعمل فني ينتقد الرئيس المصري السابق، جرى تحويره بجهد قليل ليتجه لنقد الرئيس المصري الجديد، وبجهد آخر تحولت بعض الرسوم الى شعارات للهزء من قوى المعارضة المصرية، مخالفة بذلك القصد الأصلي لأصحابها.

يَستكمل الفيلم الثالث من السلسلة، والذي يَحمل عنوان "ثورة الشباب "، في جزء منه، ما بدءه الجزء الأول، في التعريف بفنون الحياة المصرية الجديدة، فيُقدم تجارب غير شعبية للرقص والغناء الحديثين، إنتعشت بعد التغيير في مصر، لكن الفيلم الثالث هو في معظمه عن تجربة شابة هولندية من أصل مصري، ورحلتها في بلد والدها. تترك الصحفية الهولندية إيسمرلدا دي بون مواطنتها مونيك صموئيل لكي تحدد مسّار الفيلم الثالث من السلسلة. هاجر والد " مونيك " القبطي المصري منذ عقود الى هولندا، بالكاد تتحدث إبنته الشابة اللغة العربية، لكنها تحولت في السنين الأخيرة الى إحدى الوجوه الإعلامية المتخصصة في الشأن المصري في هولندا، وخاصة بعد ثورة يناير عام 2011. تُوليّ مونيك صموئيل في الفيلم الثالث موضوعة الأقباط إهتماماً شخصياً خاصاَ، هذا لا يبدو مستغرباً على الاطلاق، فجدتها وجزء كبير من عائلتها مازالت تعيش في مصر، البلد الذي يتجه الى الإنغلاق، كما يَصف بعض الذين تحدثوا للفيلم. الجدة المتقدمة بالعمر تُفضل أن تتذكر أيام اللحمّة الإجتماعية المؤثرة وقت الثورة، " شَكّل المسلمون والمسيحيون لِجّان مُشتركة للدفاع عن الحي ضد البلطجية" تتذكر الجدة المسنة، "كانت أيام جميلة" تُكمل بإبتسامة حنونة.

مصر التي تظهر في السلسلة التسجيلية الهولندية في لحظة تَرقب جديدة، لِحدث كبير قادم، فالثورة التي هزت بنيّة المجتمع المصري، كانت بداية فقط، لتغييرات جوهريّة قادمة، البرنامج التسجيلي يَقبض على ما يمكن تسميته سُكون ما قبل العاصفة القادمة، والذي أكده المصريين الذين تحدثوا للكاميرا الهولندية، البرنامج يُسجل في مشاهد ملفوفة بالحزن شوارع مصرية في لحظات هدوءها. شوارع يرتفع على جدرانها صور شهداء، من اؤلئك الذين قتلوا في الثورة المصرية الأخيرة، او الذين ذهبوا ضحية الأهمال الحكومي والأمني.

البرنامج التسجيلي "حرية التحرير"، هو جزء من خطة التلفزيون الهولندي في تسجيل الحياة في مصر في لحظاتهاً الأقل صخباً، وتكريس لتقليد جديد لعمل المراسل التلفزيوني في سنوات الثورة الإعلامية التكنولوجية، في البحث عن زوايا مقاربة مختلفة، لتميز عمله، عن فيضان المعلومات المتدفق علينا من كل إتجاه، عبر وسائط الإعلام المختلفة والمتعددة. فإيسمرلدا دي بون، والتي درست اللغة العربية في مصر، لا تريد أن تكتفي بالقصص الإخبارية الكبيرة، هي مثلاً وبإتجاها لمنطقة سيناء في الحلقة الثانية، التي حملت عنوان "خارج القاهرة"، تسعى الى تسجيل صدى أحداث العاصمة على الأطراف. في سيناء ستواصل المراسلة الهولندية إسلوبها نفسه، بمزج المقابلات المباشرة مع حركة متواصلة للكاميرا، الباحثة عن صور غير شائعة من اليومي المصري، والتي ستتدرج في الأفلام من الفاحشة الجمال الى الشديدة القسوة، كالمشاهد الطويلة المّفصلة لرعاة من سيناء وهم يفتشون في النفايات التي ترميها فنادق السياح الفخمة، عن طعام وبلاستيك لبيعه.

وكانت إيسمرلدا دي بون، قد عادت الى بلدان الربيع العربي ، في برنامجها التسجيلي "ماراء الربيع العربي" ، والذي عرض العام الماضي، والذي تتبعت فيه بعض القصص والشخصيات، التي غطتها وتعرفت عليها أثناء عملها الميداني لصالح التلفزيون الهولندي، أثناء الثورات العربية، فزارت مرة اخرى بلدان: تونس، ليبيا، اليمن بالاضافة الى مصر، التي تستقر فيها منذ أعوام. اما زميلتها الصحفية والكاتبة والناشطة السياسية مونيك صموئيل، فهي تحولت خلال بضعة أعوام قليلة الى أكثر خبراء مصر والشرق الأوسط شعبية، اذ تحضر بشكل دوري في برامج الحوار التلفزيونية الهولندية، كما تكتب أعمدة ومقالات لأهم الصحف الهولندية. أصدرت مونيك صموئيل قبل عامين كتابها " فسيفساء من الثورة" عن تجربتها مع الثورة المصرية، والذي ركزت فيه على دور الشباب المصري فيها.

قد ينال إعجابكم