نقد سينمائي

سوزان يوسف:في غزة صار لفيلمي بعد جديد

غزة – تامر فتحي
وأخيرًا عُرض في المركز الثقافي الفرنسي بغزة فيلم "حبيبي رأسك خربان" الذي يقدم معالجة عصرية لقصة قيس وليلي على الطريقة الغزاوية! وهو الحدث الأهم بالنسبة لسوزان يوسف مخرجة الفيلم التي قالت للجزيرة الوثائقية "كنت انتظر هذا بفارغ الصبر. فلقد حذرني الكثير من الفلسطينين الذين قابلتهم في الخارج من عرض الفيلم في غزة لجرأته ومساسه بمحاذير المجتمع هنا. لكن في غزة صار لفيلمي بعدًا جديدًا. فالناس تفاعلت مع الفيلم وضحكت أكثر في مشاهد لا يفهمها غيرهم."
لكن لماذا غزة تحديدًا؟ تجيب سوزان لبنانية الأصل، أمريكية الجنسية "جئت أول الأمر إلى لبنان كصحفية وهناك دخلت إلى المخيمات الفلسطينية هناك، وتعرفت على القضية الفلسطينية عن كثب، إلى أن دعتني صديقة لي من تكساس وكانت وقتها في رام الله إلى الذهاب إليها هناك، وبالفعل ذهبت إلى رام الله وزرت بيت لحم وجنين والقدس وفي عام 2002 زرت غزة لأول مرة وقضيتُ حينها أسبوعًا، وبعد هذه الزيارة إنتابتني رغبة شديدة في عمل فيلم عن فلسطين. لم أكن أعرف تحديدًا ما الموضوع، لكن الأمر كان كالهاجس المُلح. وبعد ذلك عدتُ إلى غزة ثانيًا في عام 2005 وقضيت شهرين في خان يونس، تعرفتُ في ذلك الوقت على قصة مجنون ليلي، فقررت أن يكون هذا موضوع فيلمي، ثم بدأت التصوير."

إلا أن مراحل التصوير لم تتم بيسر، فالفيلم الذي أنجزت مخرجته 25 % من مشاهده في غزة عام 2005 لم تنتهِ منه إلا في عام 2009 بالضفة الغربية، ففي عام 2007 حاولت سوزان دخول القطاع إلا أنها لم تفلح في ذلك، كما أنها لم تتمكن من الحصول على تصريح بالتصوير من سلطات الاحتلال، ومع ذلك استكملت تصوير المشاهد بعيدًا عن أعين السلطات الإسرائيلية. "في 17 ديسمبر 2009، إنتهيت من تصوير الفيلم. واستكملت على مدار 2010 مراحل المونتاج والمكساج, وفي عام 2011 كان الفيلم جاهزًا للعرض."
يشبه الفيلم كثيرًا في معالجته، معالجة باز لورمان السينمائية لقصة روميو وجوليت التي قام ببطولتها ليوناردو دي كابريو وكلير دينس، فقد ظهر ديكابريو باسم روميو ابن عائلة مونتياجو وكلير باسم جولييت ابنة عائلة كابوليت كما تدور أحداث الفيلم في مدينة فيرونا الإيطالية تماما كما في مسرحية شكسبير، كذلك حمل البطل في فيلم سوزان اسم قيس بن الملوح وكذلك حملت البطلة اسم ليلي المهدية التي يتقدم لخطبتها طبيبًا يسمى ورد، وكما كان يردد أبطال فيلم لورمان أشعار شكسبير بلغتها الإنجليزية الفصيحة المقعرة وهم يرتدون ملابس عصرية، كان قيس الذي يرتدي ملابس عصرية، مُشعث الرأس يردد أشعار مجنون ليلي وهو هائم على وجهه في شوارع خان يونس. تبتسم سوزان وهي تقول "بالفعل هناك ثمة تشابه، لكن يقال أيضا أن شكسبير تأثر بقصة قيس وليلى قبل كتابته لروميو وجوليت!"
أيضًا تلقي مدرسة الدوجما، التي أسسها المخرج الدانماركي لارس فون ترير، بظلالها، فنجد الفيلم يتكأ فقط على القصة وأداء الممثلين – سواء كان جيدًا أم لا- دون أي بذخ تقني في التصوير. "ربما حدث تأثر ما.  ففي وقت تصوير الفيلم كانت مدرسة الدوغما قد ذاع صيتها." تقول سوزان التي أخرجت خمسة أفلام قصيرة، وفيلمًا وثائقيًا بعنوان "ممنوع التجول" ويرصد رحلتها الشخصية في الضفة والقطاع، بجانب فيلمها الروائي " حبيبي راسك خربان"، أنها تأثرت سينمائيًا بعباس كياروستامي وسميرة مخملباف وخاصة فيلمها "التفاحة" الذي ألهم سوزان في تحضيرها لفيلم "مارجون والشال الطائر" الذي أخرجته كفيلم قصير في عام 2006 وتعمل حاليا على تحويله لفيلم روائي طويل، ويحكي عن فتاة أمريكية من أصول عربية وأزمتها بين ثقافتين مختلفتين.

وعلى الرغم من أن الفيلم يدور في قطاع غزة وتم تصوير جزءًا منه في خان يونس، إلا أن ثمة نظرة استشراقية تطغي على الفيلم، فنحن نرى غزة لكنها ليست غزة الأصلية إنها غزة المخرجة الأمريكية ذات الجذور العربية، حتى مع تسليطها الضوء على تعدد الفصائل واختلافات توجهها وصعود حماس، حيث تنتمي ليلي إلى الجبهة الشعبية وخطيبها ورد إلى حماس، نجد قيس ذو الرأس المشعث غير عابئ بفلسطين، ولا يبدو كأبناء خان يونس أصلًا، بل أقرب إلى مخيلة المخرجة، التي عرّفته بالعاشق الصوفي على موقع الفيلم، منه إلى الواقع، مع أن الذي أدى دوره هو الممثل الفلسطيني قيس ناشف الذي قام ببطولة فيلم "الجنة الآن". تقول المخرجة "أعرف أنني غريبة. ولقد حاولت كثيرًا أن أنقل صورة واقعية أقرب إلى غزة التي عشقتها. فلقد عرضت نص السيناريو على أصدقائي في غزة، وأخذت مشورتهم في كل خطوة قمت بها. كنت أخشى أن اسقط في تلك المنطقة خاصة وأنني درست كتاب "الاستشراق" لإدوار سعيد. لذا أردتُ أن أنقل غزة كما هي."
هل اختلفت غزة عن آخر مرة كنتِ فيها هنا؟ "بالتأكيد. في 2005 كان فيها مستوطنون اسرائيليون، وهذا الأمر كان مشكلة كبيرة، أما الآن فهم غير موجودين. كذلك صار لغزة حكومة. أيضا أختلف معبر إيريز كثيرًا. في السابق كان أصغر مساحة، وتحيط به البيوت، الآن صار أكبر بعد إزالة هذه البيوت.".
 ومن أجل عرض الفيلم في غزة حذفت سوزان مشهدًا يقوم فيه قيس بصب الماء على جسم ليلي. "نعم حذفت مشهدًا أو اثنين، كي يلائم العرض في غزة. فلقد نصحني بعض الأصدقاء بذلك، عند علمهم بعرض الفيلم في غزة، كي لا يُصدم الجمهور." واختتمت قائلة "فيلمي رسالة حب إلى غزة. واليوم شعرت أن أهل غزة بادلوني هذا الحب بحب."       
يذكر أن الفيلم قد عُرض في عدة مهرجانات من بينها مهرجان فينيسيا وتورنتو، كما فاز بجائزة المهر الذهبي في مهرجان دبي السينمائي خلال دورته الثامنة، كما حصل الفيلم على جائزة أفضل ممثلة، وأفضل مونتاج، وجائزة فيبريسي الخاصة للأفلام.           

قد ينال إعجابكم