نقد سينمائي

مهرجان أفلام الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ببلغاريا

وسيم القربي

تحتضن العاصمة البلغارية صوفيا في الفترة الفاصلة بين 15 يناير و2 فبراير فعاليات الدورة السادسة من مهرجان "مينار" السينمائي وهو مهرجان مخصص لأفلام الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يشرف على هذا المهرجان كل من "زدرافكو قريقوروف" و"أنجل هادزهيسكي"، وفي اتصال مع الجزيرة الوثائقية أكدّ "قريقوروف" أنّ هذا المهرجان جاء "بهدف تعريف الجمهور البلغاري لعادات وتقاليد العالم الإسلامي عبر عرض مجموعة من الأفلام المنتجة حديثا والتي تعكس صورها الحياة الاجتماعية في العالم العربي". يذكر أنّ هذا الحدث السينمائي يعتبر من أكبر المهرجانات التي تختصّ بسينما الشرق في منطقة البلقان التي تُعرف بتنوّعها الثقافي وتعدد الديانات حيث يحلّ المسلمون هناك في المرتبة الثانية من حيث العدد. كما أنّ موقع منطقة البلقان في جنوب شرق أوروبا وخضوعها في السابق للإمبراطورية العثمانية جعل منها وريثة للعديد من تقاليد الشرق التي مُحي البعض منها بفعل الزمن وترسّخ البعض الآخر في منطقة تشهد إلى اليوم نزاعات عرقية وصدامات الثقافات...
مهرجان "مينار"... الدورة السادسة
تعرض هذه الدورة أحدث الإنتاجات السينمائية من بلدان العالم الإسلامي حيث تُعرض الكثير من الأفلام للمرة الأولى على المستوى الدولي أو الأوروبي أو في المنطقة، ويشارك في هذه الدورة أكثر من سبعين فيلما تتوزع على ثلاثة أقسام منها الأفلام الطويلة والأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية من مختلف الدول على غرار أفغانستان وتركيا والعراق والكويت والأردن والإمارات وقطر وإيران وسوريا واليمن وعمان وفلسطين ولبنان ومصر وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وغينيا بيساو. وتحتضن هذه الدورة ستة قاعات بالعاصمة صوفيا وهي على التوالي "دار السينما" و"أورو سينما" و"الأديون" و"القاعة الحمراء" و"المقهى الثقافي" و"مركز العروض روكا"، كما تجدر الإشارة إلى أنّه موازاة مع السينما يحتضن المهرجان عروضا ثقافية أخرى تُعرّف بثقافات الشرق على غرار بعض العروض الموسيقية ومعرض للصور الفوتوغرافية عن فلسطين.


الافتتاح واللبناني جو بوعبد يقدم فيلمه

وقد افتتح المهرجان بالفيلم الفلسطيني "تراث" للمخرجة هيام عبّاس وذلك بحضور السفير الفلسطيني ببلغاريا "إبراهيم المذبوح"، ويروي الفيلم معاناة المرأة الفلسطينية في مجتمع تقليدي لم يخلو من مشاهد جنسية جريئة وقد تمّ عرض الفيلم سابقا في مهرجان فينيسيا... يأتي هذا العرض مع تخصيص هذه الدورة للمهرجان كتضامن ثقافي مع الشعب الفلسطيني ونصرة لقضيّته.
من جهة أخرى تنزل السينما المغربية ضيفة شرف على دورة هذه السنة من خلال مشاركة خمسة أفلام مغربية وهي على التوالي: "البايرة" لمحمد عبد الرحمان التازي و"أغرابو" لأحمد بايدو و"طنجاوي" لمومن السميحي و"كيس الطحين" لخديجة لكلير و"عودة الابن" لأحمد بولان.... وتأتي هذه الدعوة باعتبار أنّ المغرب تشهد في السنوات الأخيرة قفزة سينمائية نتيجة السياسة الثقافية المنتهجة وفاعلية المركز السينمائي وهو ما مكنّها من إنتاج يقارب العشرين فيلما طويلا في السنة لتحتل بذلك المرتبة الثالثة إفريقيا، كما ساهمت أصداء مهرجان مراكش السينمائي في اكتساب المغرب لصورة فنية مهمّة لدى الغرب.
ومن بين الأفلام القصيرة المشاركة الفيلم العراقي "ميسي بغداد" و"تاباتو" من غينيا بيساو للمخرج "جاو فيانا" ومن إيران "ترافلينغ" لمشاء الله محمدي ومن تونس "بوبي" و"يد اللوح" ومن موريتانيا "أزهار تيويليت"... أما في قسم الأفلام الطويلة فيشارك "بيكاس" لكرزان كادر" و"ليالي الصمت" من تركيا و"لما ضحكت الموناليزا" لفادي حداد ومن لبنان فيلم "تنورة ماكسي" لجو بو عيد الذي يحضر هذه الدورة...
أما في عروض الأفلام الوثائقية فنجد من بين الأفلام في البرنامج "خمس كاميرات محطمة" لعماد برناط من فلسطين الذي يروي من خلاله المقاومة الشعبية للجدار العازل في قرية فلسطينية، كما تشارك المخرجة أميرة مشهور بفيلمها "ليلة في الميدان" ويدوم الفيلم 100 دقيقة، ونجد فيلم "الدار البيضاء حبّي" لجون سلاتوري وهو إنتاج أمريكي مغربي وفيلم "أفغانستان: العيش في منطقة منسية"  لنجيب خاجا وهو من إنتاج أفغانستان والدنمارك....


من الحضور

وعن المهرجان يضيف "أنجل هادزهيسكي" أنّه "حريص على مواصلة تطوير هذا الحدث السينمائي الذي اعتاد عليه جمهور صوفيا وأصبح فرصة للتعرف على الثقافة الإسلامية سينمائيا بدعم من بعض المستشهرين والسفارات، وعاقد العزم على مزيد الإشعاع بالرغم من الصعوبات المادية التي تحول دون دعوة كلّ المخرجين إلى حدّ الآن".

سينمات الشرق... في الغرب
لطالما اعتدنا على مهرجانات أوروبية في بلداننا وذلك بدعم من المراكز الثقافية الأجنبية التي ترتكز في برامجها على نشر الأفلام السينمائية للآخر في بلداننا، لكنه في المقابل تغيب أحداثنا الثقافية والسينمائية خاصة على أرض الغرب لتصبح الكفة غير متعادلة في غالب الأحيان، بل إنها تتحوّل إلى نوع من الغزو الثقافي. قد تكون السينما في أوطاننا إلى حدود اليوم لم تبلغ مرحلة النضج الكافي، لكن سياستنا الثقافية عموما تحتاج إلى مراجعة كلّية وإرساء منهجية محلية وخارجية واضحة. ولعلّ من بين النقاط التي يمكن طرحها:
- مراجعة سيرورة السينما الوطنية ومحاولة نشر الثقافة السينمائية عبر تأسيس نوادي سينمائية لتكون الناشئة غاوية للفنّ السينمائي.
- إدراج التكوين السينمائي في المعاهد الثانوية والكليات والجامعات على غرار التجربة الفرنسية التي انطلقت في هذه الاستراتيجيا منذ الثمانينيات.
- دعم الإنتاجات السينمائية المحلية من طرف الدولة وتشجيع الخواص للاستثمار في القطاع السينمائي عبر تمويل الأفلام وإنشاء القاعات.
- إنشاء مراكز سينمائية تسطّر برامج سينمائية واضحة وتقطع مع المعاملات الإدارية البائدة.
- إنشاء صندوق عربي لتمويل الأفلام بحيث يقع منح الأفلام على حساب الكفاءة وليس على حساب المحاصصة.
- تبادل تنظيم المهرجانات بين الدول على غرار تجربة "أيام الأفلام الجزائرية في عمان – الأردن" و"أيام الفيلم الأردني في الجزائر العاصمة" برعاية الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي والهيئة الملكية للأفلام بالأردن.
- تفعيل اتفاقيات التعاون الدولي بين وزارات الثقافة على المستوى السينمائي والتي بقيت جلّها حبرا على ورق.

تبقى هذه المقترحات بعض نقاط لا غير باعتبار أنّنا يمكن أن نتطرّق إلى العديد من النقاط التي يمكن أن تساهم في تفعيل سينمانا للتطوّر مقارنة بركودها الحالي. مهرجان "مينار" في بلغاريا هو بادرة من طرف بلغاريين للتعريف بسينمانا في حين يمكن أن نذكر مهرجانات أخرى تهتمّ بسينمانا في الغرب على غرار "مهرجان السينما العربية بمالمو" الذي جاء ببادرة من عاشق السينما المستقرّ في السويد محمد القبلاوي و"مهرجان أفلام الشرق بجونيف" بإدارة الجزائري الطاهر حوشي و"مهرجان السينما العربية بزوريخ" وغيرها من المهرجانات الأخرى التي تهتم بالسينما العربية في فرنسا وبرلين بألمانيا وهولاندا... غير أنّ ما يمكن ملاحظته هو أنّ هذه المهرجانات هي في أغلبها مبادرات فردية لمهاجرين مهتمّين بالسينما وليست سياسة ثقافية دولية، كما أنّ العديد من هذه المهرجانات لا تموّلها دول عربية بل تموّلها الدول التي يقام على أرضها المهرجان. وبالتالي أصبح من الملحّ أن يتم مراجعة السياسات السينمائية قصد إرساء هياكل وبنيات إبداعية فاعلة تنهض بسينمانا أولا وتنشرها في أرض الآخر ثانيا لنعادل الكفة باعتبار أنّ أفلامنا تحضر في مهرجانات الغرب إلا إذا كانت فلكلورية أو تمسّ من قضايا محلية بطريقة تُعجب الآخر، ولعلّ المدخل الذي نقدر عليه اليوم هو بوابة الأفلام الوثائقية التي في تقديرنا الجنس الإبداعي الوحيد الذي يمكّننا من مقارعة الآخر.

قد ينال إعجابكم