نقد سينمائي

المنتجون الجدد في المغرب


محمد اشويكة

في سياق التحولات العميقة والعابرة التي لحقت البنيات التحتية والفوقية للمجتمع المغربي، والتي شملت جل الميادين الاجتماعية والسياسية والدينية والثقافية.. برزت في المغرب فئاتٌ بدأت تقتحم ميادين من المعهود أنها تحصن ذاتها بذاتها بفعل الحد الأدنى من المعرفة والعلم التي يجب أن يتوفر في أصحابها.. فإذا كان المغاربة قد ألفوا، رغما عنهم، ظهور برلمانيين كانوا إلى حد قريب لا يمتلكون الشهادة الابتدائية، فاستأنسوا بذلك نتيجة امتدادات وتشابكات العلاقات القَبَلِيَّة والعائلية، والولاءات الحزبية غير الديمقراطية.. فإنه من اللافت، سوسيولوجيا ومهنيا، اقتحامُ أسماء لا تمتلك الحد الأدنى من المعرفة في مجال الإنتاج السينمائي والتلفزيوني لتمر بعد ذلك إلى الإخراج مستغلة ثغرات القانون الذي يُساوي إدارةَ وامتلاكَ شركةٍ للإنتاج الفني مع مثيلاتها في أي مجال آخر لا يتطلب إلا خبرة بسيطة أو حدا أدنى من المعرفة كإدارة بعض المحلات التي تخص بعض القضايا البيولوجية الضرورية للإنسان كالمأكل والملبس والمشرب...

فهل الإنتاج عملية بسيطة لا تتطلب إلا خبرة ببلاتوهات التصوير ومعرفة بأثمنة كراء واقتناء المعدات وامتلاك مفكرة بأسماء المهنيين؟ ألا يستدعي أمر إنتاج فيلم أو وثيقة سمعية بصرية تكوينا على مستوى الدراسة الجامعية أو ما يعادلها؟ ألا يتعلق الأمر برسم ملامح الوجدان العام وإشاعة الحس الفني والثقافة الوطنية بين الناس؟ ألا ينتمي المنتج إلى النخبة التي تضطلع بإدارة إيديولوجيا الأمم والشعوب والوعي بالمنافسة القائمة على هذا المستوى؟
سقنا هذه الإشكالات للإشارة إلى الخطر المحدق بمجالنا السمعي البصري الذي بدأ الجمهور المغربي يجني ثماره المتعفنة منذ ما يزيد عن عقد من الزمن تقريبا، فقد أصبحنا أمام "شركات إنتاج" و"منتجين" لا يمتلكون الحد الأدنى من التكوين الذي يمنحهم الكفايات والقدرات المطلوبة لإدارة وتسيير مقاولة فنية تتأسس على قراءة واختيار المشاريع التي تتساوق وذوق المخرج، وتوجهاته الرامية إلى التأثير في الجمهور، ومسايرة طموحات البلاد إقليميا ودوليا.. فعلى المنتج أن يمتلك من المؤهلات التواصلية واللغوية ما يقوده لربط الصلات الاحترافية مع شبكات الداعمين والموزعين الدوليين، وأن يكون مطلعا على سياساتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية، وارتباطاتهم السياسية.. كي يسهل عليه التفاوض والإقناع، وتطوير خطة إنتاجية وطنية وإقليمية ودولية مناسبة للمناخ الثقافي السائد في البلاد...
لا يُعْتَبَرُ المنتج مجردَ مُمَوِّلٍ للفيلم أو مُدَبِّرٍ لموازنته المالية، وإنما الضَّامنُ الفعليُّ لتحققه الفني، وذلك باستيعابه لفلسفة المنتوج قصد مساعدة المخرج على بلورة رؤاه الفنية، والتمكن من مواجهة مشاكل الإنجاز عبر التخطيط المحكم، والدخول في مناقشة العقود مع كافة الفاعلين الذين سيساهمون في إنجازه.. وبالتالي، تتطلب هذه المهنة من صاحبها مؤهلات فكرية وفنية ومالية وإدارية.. فهي ليست مجرد بطاقة مهنية، أو طابع (Cachet) يحمله صاحبه في محفظة جلدية، أو لباس وقبعة وسيجارة كوبية، أو عنوان وهمي (عندما ترغب التحقق منه تجده محلا للسكن)، أو صداقات وعلاقات ملتبسة تقوم على تبادل المنافع بين الفاعلين في القطاع السمعي البصري، أو انتماء إلى هيئة معينة.. إنها أم المهن السينمائية والتلفزيونية والفنية...

من المفروض أن يكون المنتج صاحب حس تجريبي في الصناعة السينمائية، وألا يعكس عمله روحا تقشفية تؤثر على جودة الفيلم، وتحد من الخبرات المتراكمة لفريق العمل؛ إذ غالبا ما يشتكي الفنانون والتقنيون المغاربة من تصرفات بعض "المنتجين" المغاربة الذين يظهر جشعهم من خلال عدم توفير بعض الضروريات البسيطة داخل بلاتوهات التصوير كقنينات الماء المعدني مثلا، وضعف جودة الوجبات الغذائية، والتخلي عن بعض آليات التصوير، ولوازم الديكور والأكسسوارات، وعدم توفير الملابس الضرورية (جل الممثلين يصورون بملابسهم الخاصة!)، وبتر بعض المَشَاهِد المهمة من الفيلم، أو التلاعب بالفاتورات.. وذلك ما يسقط عنهم صفة المنتج الفعلي ويجعلهم مجرد مسترزقين، نستخسر وصفهم حتى بالـ"منفذين للإنتاج" مع العلم أن بعضهم لا يحسن تدبير ذلك التنفيذ ويحوله إلى مأساة حقيقية، والدليل على ذلك عدم استكمال التصوير، والاكتفاء بتوضيب ما تَمَّ إنجازه، ولائحة الأفلام غير المكتملة معروفة لدى المهنيين كما أن طرق التحايل في التنفيذ يعرفها الجميع، ويسكت عنها الجميع، وقد يثور الجميع ضد من ينبش في أسرارها الملتبسة! بل قد تحميها المؤسسات وتتستر عنها بطرق شتى!
ظهر في الآونة الأخيرة منتجون مستعدون للقيام بأدوار خالية من أي حس مهني، ولا تمت إلى أخلاقيات المهنة بصلة، ولا علاقة لها بالشفافية وحسن التدبير.. فهناك فئة من "المنتجين المنفذين" الذين ثبتت أميتهم (لا يجيدون القراءة والكتابة!)، قد أنجزوا لصالح بعض القنوات التلفزيونية المغربية "برامج" و"سلسلات فكاهية" و"درامية" بميزانيات مرتفعة لا تعكسها جودة المنتوجات حين نقوم بتحليل المَشَاهِد واللقطات من الناحية الإنتاجية: فحص العقود، كلفة الديكورات، إحصاء الإمكانيات التقنية، جرد عدد المِهَنِيين المشتغلين في إنجاز تلك الأعمال، عدد أيام التصوير، البنية التحتية لـ"الشركة" المُنَفِّذَة للإنتاج... فغالبا ما يلجأ هؤلاء إلى "نفخ" الموازنات، والتخلي عن جزء منها لصالح بعض الأطراف - "الظاهرة" و"الخفية"، "المعروفة" و"المجهولة" - ذات الصلة بعقد "صفقات الإنتاج". مثلا، كيف نفسر أن بعض المنتجين ينجزون "سلعا تلفزيونية" بلغات لا يفهمون سياقاتها الثقافية كأولئك الذين يسهرون على تدبير بعض البرامج الأمازيغية أو الفنية أو الترفيهية.. في ظروف تقع تحت الدرجة الصفر من الاحترافية؟!

ساهم السباق غير المهني على الفوز بالصفقات، في تشتيت المجهودات، وتحويل "الغرف المهنية" إلى لوبيات ضاغطة للدفاع عن النصيب من الكعكة، فضلا عن استقواء بعض أرباب "الشركات" بفعل جسارة علاقاتهم مع المتحكمين المباشرين أو غير المباشرين في دواليب توزيع أموال الإنتاج التلفزيوني التي لم تكن تحتكم إلى المزايدات أو المناقصات أو طلبات العروض ولا تحترم بنود دفاتر التحملات القديمة (نأمل أن يتحقق ذلك مع الجديدة منها)؛ أما في السينما فالأمر يمر تحت يافطة القانون رغم أن لجان الدعم يصعب الحكم على موضوعية نتائجها نظرا لعدم انسجام أعضائها، والتحكم عن بعد في مداولاتها سيما وأن فحوى أشغالها تتسرب بالتفاصيل بعد كل اجتماع...
لذلك يستعصي إصلاح القطاع السمعي البصري في البلاد دون تفعيل المراقبة والحرص على تطبيق القانون لقطع الطرق على المتطفلين، وتفكيك لوبيات المتنفعين، ومواجهة المتهربين من دفع مستحقات التقنيين والممثلين وذوي الحقوق، وتطهير منابع الفساد في القطاع... وهي خطوات ضرورية للإصلاح خاصة وأن تنفيذ القوانين أمر صعب للغاية إذا لم يقترن بأفعال ملموسة على مستوى المراقبة والمحاسبة...

قد ينال إعجابكم