نقد سينمائي

"العودة إلى البيت": الصين ترفض مواجهة ماضيها!

أمير العمري

كان من المدهش أن تصدر عن المخرج الأمريكي الشهير، أوليفر ستون، أثناء مشاركته في مؤتمر صحفي بمهرجان بكين السينمائي (أبريل الماضي) تلك التصريحات المثيرة التي طالب خلالها السينمائيين الصينيين بأن يواجهوا مرحلة الشعارات "الديماجوجية" الفارغة-على حد تعبيره-التي كان ينتهجها نظام ماوتسي تونج الشيوعي في الصين، وأن يقوموا بنقد ما عرف بـ "الثورة الثقافية" في الستينيات. وكان من ضمن ما قاله ستون: "لقد تم تمجيد ماوتسي تونج في عشرات من الأفلام الصينية لكنه لم يتعرض قط للنقد، وقد آن الأوان لأن تنتجوا فيلما عن ماو وعن الثورة الثقافية. عليكم أن تفعلوا ذلك، وأن تنفتحوا وتحركوا المياه، وأن تسمحوا بحرية التعبير، وعندئذ يمكن الحديث عن انتاج مشترك حقيقي".


جانج ييمو

كان من المدهش أيضا أن الصينيين الحاضرين الذين صدمتهم هذه التصريحات، لاذوا بالصمت. ومصدر الدهشة أن أوليفر ستون ربما لا يعرف، أو ربما يتجاهل، أن السينما الصينية قدمت الكثير من الأفلام في نقد الثورة الثقافية ونقد فترة القمع الماوية التي صبغت المجتمع الصيني في ستينيات القرن الماضي، وكانت موجة النقد السياسي لهذه المرحلة وللماوية عموما، قد ظهرت مع ظهور الأفلام الأولى لما يعرف بـ"الجيل الخامس" من المخرجين السينمائيين في الصين، وهم أبناء الدفعة الخامسة التي تخرجت من أكاديمية بكين (خريجو دفعة 1982 تحديدا)، وقد صنع هذا الجيل موجة جديدة من الأفلام أطلق عليها "السينما الصينية الجديدة"، أثارت الكثير من النقاش والجدل وحظيت باهتمام كبير في مهرجانات السينما العالمية كما حصلت على الكثير من الجوائز مما أتاح لها فرصة ذهبية للعرض لأول مرة، على شاشات أوروبا وأمريكا.
كان من أبرز أبناء "الجيل الخامس" جانج ييمو وتشين كايجي وتيان جوانج جوانج وجانج جونزهاو وغيرهم. ولعل تقاعس الحاضرين من الصينيين عن الرد على انتقادات أوليفر ستون، يرجع إلى أن معظم الأفلام الصينية من تيار النقد السياسي، واجهت الكثير من المشاكل في الصين، ومنع الكثير منها من العرض، حتى أصبحت هذه الأفلام معروفة خارج الصين، أكثر مما هي معروفة لدى الجمهور العريض في الداخل. ومن أشهر تلك الأفلام التي تناولت من خلال رؤية نقدية التجاوزات التي وقعت إبان فترة "الثورة الثقافية" في الستينيات، فيلم "العيش" To Live للمخرج جانج ييمو Zhang Yimou الذي عرض عام 1994. وفي الوقت نفسه كانت أفلام بارزة تنتمي لنفس التيار مثل "الوداع ياخليلتي" لتشين كايجي و"الطائرة الورقية الزرقاء" لتيان جوانج جوانج، تفتح بمنتهى الجرأة والوضوح، ملف تلك الفترة القاسية.
وبعد سنوات من الانقطاع عن الاشتباك مع الماضي السياسي، يعود أشهر أبناء "الجيل الخامس"، جانج ييمو، بفيلم جديد هو فيلم "العودة إلى البيت" Coming Home بطولة الممثلة الأثيرة لديه، جونج لي Gong Lee، في أول تعاون بينهما منذ عام 2006، وكانت قد قامت ببطولة ثمانية أفلام سابقة مع المخرج نفسه وحققت معه نجاحا عالميا كبيرا. ويشاركها بطول الفيلم الجديد الذي عرض خارج المسابقة في مهرجان كان السينمائي الأخير، الممثل الصيني الكبير تشين داومنج.

عودة إلى الأدب


ملصق الفيلم

يعود جانج ييمو في فيلمه الجديد إلى الأدب (الذي سبق ان استمد منه معظم أفلامه السابقة) فهو يستند هنا إلى رواية من تأليف يان جيلنج بعنوان "المجرم لو يانشي"، ولكنه قام بإدخال الكثير من التعديلات في السيناريو فجعل الشخصية الرئيسية ومحور الأحداث هي شخصية المرأة-الأم-الزوجة والمعلمة السابقة (تقوم بدورها جونج لي) التي فقدت زوجها-أستاذ الجامعة الذي تعتقله السلطات إبان الثورة الثقافية بتهمة الانحراف الأيديولوجي واعتناق أفكار يمينية تنحرف عن الخط الرسمي للحزب الشيوعي وهي التهمة الشائعة حينذاك. ولكن الرجل ينجح في الفرار من المعتقل، وعندما تذهب الزوجة لكي تقابله في محطة القطارات، وقبل أن يحدث اللقاء المنتظر بينهما، يعتقلونه مجددا، ونعرف بعد ذلك أن ابنته الشابة الصغيرة هي التي وشت به بعد أن أقنعها رجال الأمن بضرورة الإبلاغ عنه في حالة حدوث أي اتصال بينه وبين الأسرة مقابل وعد بدعمها لكي تصبح الراقصة الأولى في فرقة الباليه.
بعد مرور سنوات، ومع بدء سياسة جديدة، يطلق سراح الرجل، ويعود إلى البيت لكن الزوجة تكون قد فقدت ذاكرتها تماما، فهي لا تتعرف عليه، بل وتنكره وتستنكر وجوده وتطرده من البيت، وتقول لابنتها المشدوهة من سلوكها، إنه ليس زوجها بل الرجل الذي وشى بع في البداية لدى السلطات!
بمساعدة الابنة، التي تريد الآن التكفير عن ذنبها بعد أن تركت فرقة الباليه والتحقت بالعمل في أحد المصانع، يسعى الرجل بشتى الطرق لتنشيط ذاكرة زوجته التي لاتزال تحلم بعودته، فهو حينا يعزف لها اللحن المفضل الذي كانت تحبه على البيانو، وتارة أخرى يأتيها بصورة أم تجمعهما معا أيام حبهما في الماضي، وتارة ثالثة يضع أمامها كومة كبيرة من الخطابات التي كان يرسلها إليها طيلة سنوات ولكنها لم تصلها أبدا، ويقوم بدور قارئ الرسائل لها بعد أن تضاءل بصرها وتقدم بها العمر. لكن كل محاولاته لدفعها للتعرف عليه تبوء بالفشل. تمنحه السلطات مسكنا مجاورا لسكن الأسرة، لكن الفيلم ينتهي وقد تكيف الجميع أي الثلاثة، مع الأمر الواقع، وأصبحوا يكتفون بهذه العلاقة الغريبة التي يلعب فيها الزوج دورا آخر غير دوره الحقيقي.

مشاكل الفيلم
المشكلة الأولى في الفيلم تنبع من فشل السيناريو في تحويل الصورة الأدبية في الرواية لمعاناة تلك الأسرة، إلى "حبكة" لها تداعياتها المقنعة. ربما تبدو الفكرة على الورق جيدة، لكنها في التنفيذ جاءت ضعيفة باهتة، فالفيلم لا يخرج عمليا عن ثلاثة أماكن هي مسكن المرأة ومسكن الزوج ومحطة القطارات، سوى مرة واحدة عندما يذهب الزوج في رحلة الى الريف بحثا عن الرجل الذي كان السبب في الوشاية به واعتقاله فيعرف هناك من زوجته أنه قد أصبح رهن الاعتقال الآن. كما يعتمد الفيلم على الحوار، ويبدو في مشاهده، أقل أفلام جانج ييمو اهتماما بالجوانب التشكيلية في الصورة السينمائية، وفي استخدامه المتميز للألوان.

يعتمد الفيلم أيضا على المشاعر المتدفقة التي تأتينا عبر خلال الأداء التمثيلي أكثر من اعتماده على التعبير من خلال الصورة، بل تبدو الميلودراما التي يصورها تقليدية، تنضح أحيانا بالمباشرة وتدور أحداثها حول نفسها دون تطور واضح في مسار القصة، ودون أن يتمكن السيناريو من الكشف عن تفاصيل جديدة مثيرة لاهتمام المتفرج، خلال الانتقال من مشهد إلى مشهد آخر، بل يظل الفيلم يدور حول نفسه.
 تروى القصة من خلال بناء تتداخل فيه الأزمنة دون ضرورة درامية ودون أن يصبح الانتقال في الزمان انتقالا أيضا لكشف جوانب أخرى من الموضوع تثري الفيلم، فنحن مثلا لا نرى شيئا مما تعرض له الرجل خلال تجربة الاعتقال أو "إعادة التأهيل" كما كانت تسمى، كما لا نرى كيف كانت المرأة تفقد ذاكرتها تدريجيا، بل ويبدو فقدان الذاكرة نفسه حيلة (أدبية) رمزية تعبر عن رفض مواجهة الماضي بآلامه وذكرياته القاسية، أكثر منها حقيقة مقنعة، فليس من المقنع أن تطرد المرأة الزوج وترفض الاعتراف بأنه زوجها، لكنها تقبله في المشهد التالي مباشرة باعتباره شخصا آخر جاء لكي يقرأ لها الرسائل المرسلة من ووجها مثلا.

ويبدأ الفيلم بمشهد لعرض من عروض فتيات الباليه تشارك فيه الابنة، يوحي بأجواء تلك الفترة، حيث نرى الفتيات يرتدين زيا عسكريا ويحملن الأسلحة، كما لو كانت البلاد ستذهب للحرب، تأكيدا على تسخير الفن في خدمة العقيدة السياسية، ثم نشاهد كيف تعاني الأم بعد اعتقال الزوج، قبل أن تأتي أنباء عن فراره وتأهبه للعودة. ولكن السيناريو لا يؤسس على هذا المشهد، لكي يجسد طموح الفتاة وكيف يستبد بها ويدفعها فيما بعد إلى الوشاية بوالدها.
ويبدو أداء جونج لي في دور الزوجة، فاترا مشبعا بالمبالغات، كما لاحظنا أيضا انحصار الأداء في تعبير واحد ثابت على وجهها، لا يتغير طول الفيلم، كما يتكرر رد فعلها. إلا أنه تنبغي الإشادة بالأداء المؤثر للممثل تشين داومنج في دور الزوج.
أراد جانج ييمو أن يصنع ميلودراما عاطفية، يكون تركيزها الأساسي على فكرة التأثير النفسي للقمع، وعن قصة الحب العظيمة التي تتعرض للدمار بسبب أخطاء السياسة والساسة، وليس تصوير القمع السياسي في حد ذاته، وتجسيد كيف كان ممكنا أن يدفع الإنسان الثمن مضاعفا، جراء ذلك النزوع إلى المراهقة السياسية الذي كان سائدا حينذاك.  لكنه لم يوفق في استعادة رونق أفلامه السابقة وسحرها الذي كان يكمن أساسا، في جرأتها شكلا ومضمونا، وقدرتها على التعامل مع المادة الدرامية بحيث تقدم صورة للصين التي كانت، لا أن تنحصر في موضوع محدود الأثر، ربما كان يصلح أكثر لسهرة تليفزيونية.
ولكن ربما كان جانج ييمو يريد أيضا أن يقول لنا إن صمت المرأة ورفضها التعرف على زوجها الراغب في "العودة إلى البيت" هو رفض الصين مواجهة ماضيها القاسي، وتفضيلها التعايش معه!

Article Ad

قد ينال إعجابكم