نقد سينمائي

فيلم "بروباجندا": التخفِّي في معطف الآخر !

 

أمير العمري

سبق لي أن ناقشت في هذا الموقع، قدرة الفيلم الوثائقي على الكذب أحيانا، وأنه ليس كل ما نراه في الفيلم "الوثائقي"، صادق وحقيقي بالضرورة، بل يمكن التلاعب بالصورة وبالوثيقة وتحميلها معنى غير المعنى الأصلي الذي صُوِّرت من أجله. والتلاعب بالصورة موجود منذ أن بدأت فكرة "الدعاية" باستخدام الصور، في الصحافة أولاً ثم بعد ذلك في التليفزيون والأفلام الوثائقية الدعائية.
إلا أن "الكذب" يمكن أن يأتي في سياق آخر مختلف عن سياق التضليل بالصورة، وهذا السياق الجديد هو تحديدا ما يثيره فيلم "بروباجندا" Propaganda أو "دعاية" – أحد أشهر الأفلام الوثائقية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا الفيلم قصة طريفة تعكس أسلوب "التضليل" المؤقت الذي استخدمه صانعوه. قبل عامين كانت "سابين" تقوم بزيارة إلى أهلها في سيول عاصمة كوريا الجنوبية عندما أوقفها في الطريق رجلان زعما أنهما من المنشقيّن على النظام في كوريا الشمالية. وقد سلمّاها اسطوانة مدمجة DVD طلبا منها ترجمة الفيلم الموجود عليها إلى الإنجليزية، على أن تقوم بتحميله على قناة يوتيوب لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من الناس في العالم لمشاهدته. وقد قالا لها أنهما قصداها تحديدا بسبب براعتها في الترجمة من الكورية إلى الإنجليزية كمترجمة محترفة. وتقول "سابين" أنها وافقت على القيام بالمهمة، كما اتفقت على الإبقاء على هوية الرجلين طي الكتمان، وأن يبقى دورها في ترجمة الفيلم وبثه مجهولا.

بدأت سابين ترجمة الفيلم على أجزاء، وكانت كلما انتهت من ترجمة جزء منه تقوم ببثه على يوتيوب. وتوصّلت سابين إلى قناعة - بعد أن شاهدت محتوى الفيلم - بأن الرجلين اللذين سلماها الاسطوانة عميلان من عملاء جهاز الاستخبارات في كوريا الشمالية. ورغم ذلك تقول أنها احترمت رغبتهما في التعبير عن أفكارهما السياسية. وبعد أن بدأ الفيلم يظهر على أجزاء على يوتيوب (عشرة أجزاء)، أقبل الكثيرون على مشاهدته باعتباره فيلما من كوريا الشمالية بل وأخذوا يتساءلون: أين باقي الأجزاء؟ وما هذا.. ولماذا لا يظهر الفيلم مرة واحدة؟ وكانت سابين تجيب باسم مستعار بالقول أن السبب أنها تترجم الفيلم تدريجيا وكلما أنهت جزءا منه قامت ببثه !
وقد تجاوز عدد من شاهد الفيلم أكثر من مليون مشاهد خلال أسابيع. وسرعان ما أعلن مهرجان أمستردام للأفلام الوثائقية، أحد أكبر وأهم تلك المهرجانات المتخصصة في العالم - عن عرض فيلم "بروباجندا" في برنامجه. وقبيل العرض ظهر منتجه ومخرجه، واتضح أنهما ليسا من كوريا الشمالية، بل من نيوزيلندا، وأن الفيلم الذي يُقدِّم نقدا قاسيا للمجتمعات الرأسمالية، يتستر تحت راية كوريا الشمالية، لكي يسمح لنفسه بتقديم نوع من "الدعاية" المضادة التي تشمل المجتمع الرأسمالي بقيمه الاستهلاكية وتكشف دوافعه لاستغلال الشعوب الأخرى، وشنّ الحروب واختلاق الذرائع بل وتزييف الحقائق من أجل تبرير السياسات المعادية لقيم الحرية والديمقراطية التي يروِّج لها الإعلام الغربي ليلا ونهارا. كما يكشف الفيلم عن آليات الدعاية وكيفية التأثير على الرأي العام باستخدام نجوم السينما ومشاهير الرياضة، لدفع الناس إلى الجري وراء مزيداً من الاستهلاك، فهذا الفيلم الذي يقع في 95 دقيقة، يستخدم آليات الدعاية السينمائية لنقد مفهوم الدعاية !

الخدعة
الفيلم من إنتاج مايك كيلاند Mike Kelland وسلافكو مارتينوف Slavko Martinov ومن كتابة وإخراج

مارتينوف. ويستخدم المخرج الممثل الكوري يوجين تشانج الذي يجلس على مقعد يواجه الكاميرا مع تشويه وجهه، ويتم تقديمه باعتباره بروفيسورا في علم النفس، وهو الذي يُقدِّم الفيلم ويُعلِّق على لقطاته ويشرح للمشاهدين ويروي ما وراء الصور على طريقة أفلام الدعاية التعليمية المعروفة. والطريف - كما صرح مخرج الفيلم - أن الكثير من المشاهدين مازالوا يُصدقّون "أكذوبة" أن الفيلم ينتمي إلى كوريا الشمالية !
يعرض الفيلم مئات اللقطات التي تم جمعها من المواد الإخبارية وأفلام الدعاية والصور الفوتوغرافية وقصاصات الصحف والتسجيلات الصوتية وغيرها من المواد التي اقتضى الحصول عليها، جهدا هائلا، وتم توليفها مع من خلال المونتاج الذي يستخدم التناقض بين الصوت والصورة، وبين الصور بعضها البعض، لتحقيق التأثير المطلوب. ويستخدم المخرج العناوين المكتوبة التي تظهر على الشاشة كعناوين لفصوله مثل "إحذروا الـ 1%"، "إعادة كتابة التاريخ"، "مولد الدعاية"، "الإخفاء والاستبعاد"، "التستر على الجرائم"، "التليفزيون"، "الإعلانات التجارية".. وغير ذلك.
في هذا الفيلم توضع جميع مظاهر الحياة في المجتمعات الغربية تحت المجهر، من خلال الصور والتعليق. وهو يبدو مقنعا في معظم أجزائه خصوصا وأنه يلمس الجانب الإنساني لدى المشاهد، الذي يرفض العنف والقتل والاضطهاد وتبرير المذابح، إلا أن الفيلم يميل إلى التبسيط عندما يؤكد مثلا، على أن ما حدث في 11 سبتمبر 2001 كان مُعدّا له جيدا من جانب أجهزة الاستخبارات الأمريكية، التي كانت تريد إيجاد مبرر لغزو أفغانستان والعراق، تحت شعار "الحرب ضد الإرهاب". ويقارن الفيلم بين 11 سبتمبر وبين تحطيم الأسطول الأمريكي في قاعدة بيرل هاربر بواسطة الهجوم الجوي الياباني وهي الموقعة التي أدت إلى دخول أمريكا الحرب إلى جانب الحلفاء في أوروبا وآسيا، ويرى صناع الفيلم - طبقا لنظرية المؤامرة الشهيرة - أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس روزفلت، تلقّت مسبقا تحذيرات بالهجوم الياباني الوشيك على قاعدتها، من روسيا وبريطانيا بل (ومن بلادنا أيضا نحن الكوريون فقد حذّرنا واشنطن وزودنّاها بالمعلومات وقتها) لكن الإدارة الأمريكية لم تُحرِّك ساكنا عن عمد، حتى تصبح الموقعة مبررا أمام الرأي العام الأمريكي لدخول أمريكا الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء في أوروبا رغم معارضة الشعب الأمريكي وقتذاك، بدعوى أن الأراضي الأمريكية ليست عرضة للخطر (نرى في الفيلم نماذج من الأمريكيين يتحدثون عن رفضهم اشتراك أمريكا في الحرب).

يُحذِّر الفيلم مشاهديه من ذلك التحالف الذي يضم جماعة الـ 1 % من "الأغبياء والحمقى ومحدودي الذكاء الذين يُسيطرون على العالم رعاة المصالح الرأسمالية". ويسخر الفيلم من مفهوم الديمقراطية في الغرب ويطلق على الحزبين المتنافسين في الولايات المتحدة "الحزب الديموجمهوري"، وأنه لا فرق بين بوش وكلينتون وأوباما، وأن أوباما يخدم نفس الاحتكارات والمصالح، وأنه يفعل ما يملى عليه، وأن كل شيء يروج له في ثقافة الغرب يخدم نفس جماعات المصالح والاحتكارات: الحروب، السلع التجارية والترويج للتسوق، المنافسات، عروض الأزياء، الأفلام السينمائية التي تروِّج للعنف وتبرر إبادة الهنود الحمر والاعتداء على الشعوب الأخرى التي ترى أنها أدنى حضاريا، الكنيسة التي تبارك الغزو وكيف كانت تؤيد النازية والفاشية في أوروبا. هذه الأفكار كلها تتردد في الفيلم على خلفية من اللقطات والصور الوثائقية التي تتوالى في إيقاع سريع متدفق: الرئيس بوش الابن وهو يصف حملته على العراق بأنها "حملة صليبية" من أجل الدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية، لقطات لغزو فيتنام وضحايا الغزو من الأطفال النساء، جثث بالآلاف، تدمير البنى التحتية لبعض البلدان، لقطات من أفلام المخرج تارانتينو والممثل كلينت إيستوود المليئة بالعنف والقتل. ومن أخطر ما نراه في الفيلم كوثيقة مصوَّرة بالأبيض والأسود: طفلة أمريكية مع أسرتها وسط جمع من الأمريكيين في لقاء مع الرئيس هاري ترومان حيث توجِّه الطفلة السؤال التالي إلى ترومان بنبرة ملؤها الحزن: لماذا ألقيت بالقنبلة الذرية على هيروشيما ياسيدي الرئيس؟ يرتبك ترومان لبرهة ثم يجيب بالقول أن هذا كان أصعب قرار اتخذّه وأنه فعل ما يعتقد أنه الصواب. ثم نرى كيف يتحدث نيكسون عن "السلام المشرف" في فيتنام، وسط لقطات لأكوام من جثث الضحايا.

عن إسرائيل

يُخصِّص الفيلم جزءا لنشأة إسرائيل، ويشرح كيف أنها صنيعة التعاون بين الصهاينة والغرب، وكيف سيطرت على أراضي فلسطين ووظفّت الدعاية التي تُذكِّر العالم بما يُعرف بـ "الهولوكوست"، لتبرير احتلال أرض فلسطين وتشريد الفلسطينيين. ويشرح كيف تُبرّر إسرائيل ما تمارسه من عنف ونسف البيوت والتهجير القسري والقتل الجماعي تحت ستار "مكافحة الإرهاب، الدفاع عن النفس، حماية الحدود..إلخ". وكيف تلجأ لسلاح الدعاية لإقناع العالم بموقفها بل وكيف تمارس الرقابة على الإعلام لحجب ما لا ترضى عنه من مواد. ويُصوِّر الفيلم كيف أقامت إسرائيل جدار الفصل العنصري بدعم أمريكي بلغ مليار دولار. ويُعيد عرض اللقطة الشهيرة التي هزّت العالم في زمن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي نرى فيها جنود الجيش الإسرائيلي يُكسّرون باستخدام الأحجار ذراعي شاب فلسطيني.
ويُحلّل الفيلم أيضا نشأة الدعاية الإعلامية في العالم، ويعرض من خلال لقطات ومقاطع من أفلام وثائقية عديدة قديمة، كيف أن البريطانيين هم الذين بدأوها عام 1914 عندما صنعوا الكثير من الأفلام الوثائقية الدعائية التي كانت تُصوِّر قيصر ألمانيا مثلا باعتباره مصاصا للدماء يسعى لتدمير الشعوب الأخرى، وذلك من أجل إقناع الرأي العام الأمريكي بالضغط على حكومته لكي تدخل الحرب إلى جانب الحلفاء في أوروبا. وهو ما نجحت فيه الدعاية البريطانية بالفعل.

وينتقل الفيلم إلى إعلانات التليفزيون وكيف أنها تُستخدم للترويج لكل ما يُعدّ خطرا على صحة الإنسان: التدخين والشراب والاستهلاك المجنون والترويج لشراء الفراء مع التغاضي عن قتل الثعالب (نرى لقطات حقيقية لذبح الثعالب) وكيف تُستخدم العارضات للترويج لتلك السلع، وكيف استخدمت الشركات الأمريكية المنتجة للسجائر العارضات الحسناوات لإقناع نساء الطبقة الوسطى الأمريكية بأن التدخين "شيء مميز" لدى النساء، بعد أن كان يرتبط فقط بالعاهرات !
ويتوقف الفيلم أمام عدد من الشخصيات اللامعة اجتماعيا مثل مادونا ومايكل جاكسون وكيف استخدموا أطفال إفريقيا وغيرهم للدعاية لصورتهم متظاهرين بدعم قضية الفقر والمرض في بلدان العالم الثالث.
الفيلم شديد الحيوية ولاشك أنه يترك أثرا كبيرا على المشاهدين، ليس بالضرورة في إطار تبنّي كل ما يعرضه ويقوله، بل إن قوته الحقيقية تكمن أولا: في إعادة استخدامه للوثائق المصورة من الأرشيف في سياق انتقادي لاذع وكأنه صادر عن "العدو" أو "الآخر" الذي يناهض القيم الغربية، وثانيا: في قدرته على دفع المشاهدين إلى إعادة النظر في الكثير من المسلمات، والمقارنة بين النازية والسياسة الاسرائيلية في فلسطين على سبيل المثال، وهو موضوع شديد الحساسية في الغرب.
لقد نجحت "الحيلة"، وأصبحت الكذبة مدخلا مثيرا إلى فيلم سرعان ما تم الكشف عن حقيقته وحقيقة صانعيه وأنه قادم في الحقيقة، من "الغرب" وليس من كوريا!

قد ينال إعجابكم