نقد سينمائي

اللبناني "هادي زكاك".. السينما مؤرّخاً

حوار:  ضاوية خليفة


المخرج "هادي زكاك"

يحاول المخرج اللبناني "هادي زكاك" من خلال أعماله السينمائية الجمع بين السينما والتاريخ منعا لأي مغالطة وحفاظا على هوية البلد وذاكرة الشعب، فبمجرد الاستقرار على موضوع ما أو فكرة معينة يبدأ مؤرخا باحثا في دهاليز التاريخ ومُدقّقا في ثناياه عن الحقيقة ليتحول بعدها وينتهي مخرجا محاولا بذلك تقديم قراءته السينمائية لأحداث أو لمراحل متفرقة من تاريخ وطن يزخر ببطولات رجالات ساهمت في كتابة ماضي أمة، صنعت حاضره وتؤسّس لمستقبله، راصدا بذلك تحولات مجتمعه، مرورا ببعض الشخصيات التي تمسكّت رغم انتماءها السياسي والفكري بمبدأ الإنسانية، وبين السينما والتاريخ سيأخذنا المخرج اللبناني "هادي زكاك" الذي يملك لمسة خاصة في طريقة تفكيره وتعامله مع المواضيع وطرحها على الشاشة في هذا الحوار الذي أجري على هامش عرض فيلمه "مارسيدس" بمهرجان الجزيرة العاشر للأفلام التسجيلية.

سيدي اخترتم العمل على تيمة صعبة ومهمة في نفس الوقت وهي الهوية والتاريخ، كيف تحدد هذا التوجه ؟
أنا أنتمي إلى بلد ومنطقة لديها مشكلة وحكاية طويلة مع الهوية والتاريخ، ونحن اليوم وأكثر من أي وقت مضى يجب أن نتصالح معهما وتحديدا بلبنان، شخصيا أنجزت عدة أفلام في هذا الإطار منها فيلم "درس في التاريخ" المنتج سنة 2012 والذي يتناول موضوع تعليم تاريخ لبنان في المدارس، وكيف أن هذا التاريخ يتوقف عند الاستقلال سنة 1943 والأصح هو أن يبدأ بعد الاستقلال، إذن من الخطأ أن يتوقف تناول وتدريس التاريخ حيث يجب أن يبدأ والسبب في ذلك أنه لا يوجد اتفاق على كيفية كتابته وهنا تكمن أهمية السينما التي بإمكانها احتواء التاريخ والتوثيق له بطريقة سليمة، بدل التعامل مع تلك الأحداث والوقائع التاريخية كصنم أو تمثال نكتفي بالتفرج عليه وتقديسه في الوقت نفسه، بل المطلوب والأصح أن نحسن التعامل والتفاعل معه باستمرار كأن نعيش من خلاله الماضي ونستحضر المستقبل، والمؤسف أنه يحكمنا الحنين إلى ذاك الماضي البعيد -وهو حالة عربية- ولا نملك معرفة بالحاضر ولا ندري إلى أين نتجّه أو ماذا نريد، ووحدها السينما من تجعلني أُعبّر عن هذه الهموم والهواجس، وهكذا يحدث تزاوج جميل بين السينما والتاريخ، بعد بحث وتدقيق فيه حتى يتجسّد هذا التكامل والتناسق في الوثيقة المكتوبة والبصرية ويصل بشكل صحيح للمشاهد.


ملصق "درس في التاريخ"

وهل لغياب الوثيقة التاريخية والأرشيف واستحواذ المستعمر عليه سبب وراء ذلك التوجه أيضا خاصة في بعض الدول العربية التي عاشت حروب وصراعات امتدّت لسنوات ؟
ما دفعني إلى العمل على التاريخ هو خوفي على الذاكرة، الكثير من الأشياء اليوم تتبخّر من أمامنا حتى المدن تاريخيا وتراثيا وعمرانيا فقدت بريقها وهذا أمر خطير، وإن لم يكن لدينا تاريخ واستمرارية فهذا يعني أننا انمحينا وفقدنا ذاكراتنا ومجدنا في الوقت نفسه وبذا سنعيد كل أخطاء الماضي، فيكون التاريخ في هذه الحالة مجرد مادة علمية تشبه إلى حد كبير القصيدة التي تحفظ وتردد في بعض المجالس مثلها مثل الامتحان الرسمي، ولذا أعتبر السينما خاصة السينما الوثائقية مختبر أجري فيه البحث التاريخي، والكتابة باستعمال الصورة والصوت بهدف سينمائي خالص للوصول إلى معلومة جديدة تمثل جزءا كبيرا من الحقيقة انطلاقا من ماضينا.

لو نتحدث عن واقع السينما اللبنانية اليوم لأن انتاجاتها لا تصل بالشكل الكافي إلى المشاهد المغاربي مثلا فيقتصر حضورها على المهرجانات، وهل مازالت وفيّة لتاريخها وتستمد منه القصص والحكايا ؟
صاحب اهتمامي بتاريخ لبنان اهتمام مماثل بسينما البلد أيضا، وأول عمل لي كان مؤلف عن تاريخ السينما اللبنانية وهذا الشيء سمح لي بمعرفة الكثير من التفاصيل التي ساعدتني فيما بعد على اختيار السينما التي سأشتغل ضمنها مستقبلا، يمكن القول باختصار أننا عرفنا في لبنان حرب أهلية دامت 15 سنة من 1975 – 1990 وكان لهذه الحرب كما حدث في الجزائر وثورتها التحريرية انعكاس ايجابي على السينما لأنها أفرزت سينما لبنانية بهوية واضحة المعالم وبالتالي الحروب والتغييرات لها انعكاساتها الايجابية على السينما، فالحرب الأهلية اللبنانية أسسّت لوعي وقامت بدور المؤرخ لكل ما حدث في تلك الفترة سواء سينما روائية أو وثائقية، تلك الظروف أنجبت جيل من المخرجين المتمكنين الذين نعود إليهم ونعتبرهم مرجعا ورموز السينما اللبنانية كـ"برهان علوية"، "مروان بغدادي" وغيرهم، وأنا أنتمي إلى جيل آخر جاء ليُتمّ ما بدأه هؤلاء، والأحداث التي عرفناها تدفعنا دائما لتقديم الكثير من المواضيع والأفلام من زوايا مختلفة، وتُشكّل التفافاً جميلاً حول تاريخنا وماضينا.

هل وُفق المخرج اللبناني في نقل تاريخ بلده بشكل صحيح ودقيق بعيدا عن أي مغالطة و تزوير للحقيقة ؟
أنا أؤمن بتعدُّد التجارب، بمعنى يجب أن يكون لدينا عدد كبير من الأفلام الوثائقية بأساليب متعددة وفي حال شاهدنا كل تلك الأعمال التي تحمل بصمات مخرجين ينتمون لمدراس مختلفة وبمواضيع كذلك يمكننا في هذه الحالة أن نصل إلى جزء معين من الحقيقة التي لا يمكن أن تختزل في فيلم واحد، وهنا تكمن أهمية السينما كونها تصنع وعيا يبقى في ذهن المتلقي على المدى البعيد، والمعارف التي تمنح لنا في المقررات العلمية والتي تعتمد أساسا على الحفظ من الأحسن أن تكتمل بالمتابعة الفيلمية المتواصلة، ولهذا سبق وطالبت بضرورة إدراج السينما في المنهج الدراسي، فمن الضروري أن يحضر الطالب أفلام حتى يرى التاريخ الذي درسه عبر تجارب إنسانية وتكتمل لديه الرؤية طبعا بوجود القصة والرواية، والصورة الوثائقية وباقي الفنون حتى لا يبقى التاريخ مجرد وثيقة جافة أو تصوُّر في ذهن الفرد يحتاج إلى الكثير من التوضيحات.

وماذا عن الإرادة السياسية بلبنان هل هناك هيئات أو مؤسسات حكومية تدعم الإنتاج السينمائي ؟
للأسف لا توجد إرادة سياسية لأن إمكانيات الدولة من الناحية الاقتصادية ضعيفة جدا، ومع مرور الوقت اكتشفنا واقتنعنا بأنه هناك أشياء أخرى غير متوفرة ويجب تأمينها للمواطن في حياته اليومية حتى نصل فيما بعد لمطالبة الدولة بدعم السينما مع العلم أن ذلك يُعدّ من الأولويات أيضا، هذا الشيء جعلنا نبحث عن حلول بديلة ومصادر تمويل أخرى وباعتقادي أن الثورة التكنولوجية التي نعيشها اليوم منحتنا الكثير من الحلول المؤقتة والبدائل، فأبسط الإمكانيات اليوم متوفرة ويمكن أن تُستعمل للتعبير وتكون عمل سينمائي ذا قيمة عالية، في الأخير كل شيء يتوقف على المخرج وعلى رغبته في العمل وتقديم شيء متميز للسينما والمشاهد ولرصيده كمخرج.

هذا يعني أن السينما اللبنانية تعتمد على المحاولات الفردية للأشخاص ؟
بالفعل هي محاولات فردية ومغامرات في نفس الوقت ولا تتعدى تلك الحدود، وهنا لا يمكن أن نتحدث عن السينما كصناعة متكاملة لأنها عبارة عن صناعة وجهود أفراد، وكل مخرج يحاول أن يسعى لتقديم أعمال متميزة وبالتالي الاتكّال في لبنان يكون على المبادرات الفردية.


لقطة من فيلم "مارسيدس"

على ذكر التكنولوجيات الحديثة ما مدى استفادة المخرج اللبناني منها اليوم ؟
 بالطبع هناك شباب أحسن استغلال هذا المكسب، فجيل اليوم ساعدته كثيرا التكنولوجيا على تطوير الخيال والإبداع، أنا مثلا حين بدأت العمل على أول أفلامي تطلّب الأمر مني الكثير من الإمكانيات كمختبر خارج لبنان وفريق عمل متخصص وغيرها، لكن اليوم مع هذا التراكم والاجتياح التكنولوجي الهائل أصبح الأمر سهلا خاصة بالنسبة للفيلم الوثائقي الذي يتمتّع بمساحة تصوير وحرية أكبر ولكن هذا لا يعني أن يفقد العمل قيمته بل يجب أن تكون للمخرج نظرة فنية عالية قبل الشروع في أي عمل، تلك النظرة لفكرة الوثائقي هي التي تُحدّد الوسيلة التي يجب أن يصوّر بها الفيلم ومن هنا نعرف إن كان الأمر يتطلب كاميرا أو يمكن الاكتفاء فقط بكاميرا الموبايل، والأهم أن يكون لديك مشروع جميل والتقنية في هذه الحالة موجودة فقط لتساعد على تجسيد المشروع وهنا تتدخل الفكرة والإبداع كعناصر محددة لقيمة العمل.

هل ستواصلون العمل على الهوية، الذاكرة والتاريخ بالاعتماد على البحث طبعا، وأي المواضيع ستقترحون هذه المرة على المشاهد ؟
التاريخ هاجس كبير وإلى الآن لم أشبع ولم أتشبّع منه بالشكل الذي أريده وأتمناه، حاليا أعمل على وثائقي جديد حول شخصية "كمال جنبلاط" زعيم ومفكر لبناني، ما شدني إلى هذه الشخصية أنه نادرا ما نجد مفكرين وكتاب يمتلكون نظرة واضحة المعالم إلى جانب تواجدهم في السياسة فلم يكن صاحب شعارات على غرار بعض السياسيين، لذا ركزت في العمل على الجانب الإنساني الذي باعتقادي يغطي جزء كبير من التاريخ المعاصر من زاوية معينة.

وماذا عن معرفتكم بالسينما الجزائرية ؟
معرفتي بالسينما الجزائرية مرهونة بالفترة الذهبية التي عرفتها هذه الأخيرة بأعمال أرخّت للثورة الجزائرية وروجت لها كأفلام محمد لخضر حمينة "ريح الأوراس" امتدادا الى "معركة الجزائر" لجيلو بونتيكورفو وصوولا إلى "عمر قاتلاتو" لمرزاق علواش وأفلام أخرى عملت على نفس الموضوع ولم تؤسّس للسينما الجزائرية فحسب بل أثرت رصيد السينما العربية بشكل كبير، كما أني أعتبر أن السينما الجزائرية قريبة من السينما اللبنانية لأنها قادمة من تاريخ شعوب وبيئة حكمتها الحروب، بالمقابل كانت لنا تجربة مع مخرج جزائري "فاروق بلوفة" صاحب فيلم "نهلة" الذي كان من المخرجين الجزائريين القلائل الذين صوروا أفلامهم بلبنان أثناء الحرب، كانت فعلا تجربة جميلة مع العلم أن فيلمه عُرض لأول مرة بلبنان سنة 2009 رغم أنه أُنجز سنة 1979، فكانت تجربة جيدة لفيلم صُوّر بلبنان من قبل جزائري تمكن من الوصول إلى خصوصيات الوضع اللبناني آنذاك، وهذا يدل على التواصل والعمل الثنائي الذي كان في سنوات مضت بين الجزائر ولبنان، أما بالفترة الأخيرة فالأفلام التي تصلنا هي أفلام جزائرية فرنسية يعني انتاجات مشتركة، وهنا أتساءل إن كانت هذه الأعمال تحمل فعلا بصمة ونظرة جزائرية أو فرنسية للواقع والمجتمع، أو ربما هي مرتبطة فقط بالبلد الذي يقيم به المخرج الجزائري وأكثرهم يقيم بفرنسا.

قد ينال إعجابكم