نقد سينمائي

"أجورا ": اليونان كما لم يرها الناس من قبل

طاهر علوان

ليست اليونان الحضارة والتاريخ والناس إلا ايقونة من أيقونات العالم ومسار الحضارة وها هي أقوام شتى تؤم ساحة " سينداجما " التاريخية العريقة في وسط العاصمة اليونانية أثينا وحيث من هناك تلوح ظلال حضارة الإغريق الباذخة ، تلوح أطلال اكروبولوس والبانثيون وليس بعيدا باتجاه سونيون و ديلفي ورامنوس وصولا إلى بقايا حضارة الأتلانتس في جزيرة سانتوريني الساحرة ...أقوام شتى ، سياح وباحثون ودارسون كانوا بالأمس يكتظون في هذه البلاد ويتوافدون عليها من كل أرض من أجل مزيد من التعمُّق في تاريخها وفيما ساحة سينداجما علامة شاخصة لذلك الازدهار في الحياة والسياحة ، وما تلك في الواقع إلا لقطات بالأبيض والأسود يبدأ بها فيلم " أجورا " للمخرج " يورغوس أفغيروبولوس "  ليقدم تقريرا وثائقيا عن اليونان السياحية ومن خلال تلك الساحة لينتقل إليها بعد ذلك بسنوات وقد تلونّت الأماكن فيها وتلوّن كل شيء وفيما الناس يحتشدون في الساحة ذاتها مجددا ولكن بعد عقود وتحديدا في العام 2012  ليشهدوا أول انتحار لمواطن يوناني قرر مغادرة الحياة نهائيا احتجاجا على المعاناة المعيشية والاقتصادية وظروف التقشف والفقر التي صارت تضرب اليونان مثل عاصفة عاتية وها هو يرثي اليونان التي عرفها ويرثي نفسه ، إن " ديميتريس خريستوس "  وقد تجاوز السبعين عاما من العمر وإذا به على قارعة الطريق بلا معاش تقاعد ولا رعاية صحية وهو الوطني الغيور كما تروي ابنته وتتلو رسالته إلى اليونانيين بأن الأيام الصعبة آتية لامحالة .

في كثافة تعبيرية ملحوظة  نشهد تدفقا صوريا يظهر العاصمة أثينا من أعلى وقد سيطرت عليها أقدارها ، لقطات ليلية  أو نهارية ، لا فرق فالأزمة واحدة وهناك في الأفق وعبر اكتظاظ البنايات الواجمة تُظهر الإحصائيات الصادمة أن مليونين ونصف المليون يوناني أصبحوا تحت خط الفقر في ظل الأزمة الاقتصادية أي بما نسبته 22% من السكان وأن من المتوقع ارتفاع  عدد الفقراء إلى ثلاثة ملايين إنسان لاحقا .
1 من 2 من اليونانيين يعانون من شبح الفقر ومشهد الباحثين في أكوام القمامة عن لقمة تسد الجوع صار مشهدا مألوفا كما في الفيلم وفي جنح الليل تراقب الكاميرا أولئك المشردين لتصحبهم صرخة من مكان ما : " لقد كذبت الحكومة عليكم ، لقد ظلّت تكذب طويلا على الشعب وعلى اوروبا كلها وتقدم بيانات غير صحيحة عن التضخم وأعباء الدين والوضع الاقتصادي والخزينة حتى انهار كل شيء وأعلنت الدولة إفلاسها لتستجدي أوروبا " .

تحت هذا الكابوس هنالك مزج تعبيري أخّاذ بين أطفال المدارس الذين ينتظرهم مستقبل مجهول بل إن مسألة تغذيتهم تتحول إلى جزء من الأزمة ثم صور المظاهرات والهتافات المتواصلة ضد الحكومة تتردّد أصداؤها في أرجاء المدينة وحيث لم تعد ساحة سينداجما إلا ميدانا للمصادمات بين المتظاهرين والشرطة.
نماذج وعينات شتى يكتظ بها المشهد الراهن وكل فرد هو مُعبِّر عن وجه من وجوه الأزمة : الفتاة التي تقف أمام بناية البرلمان تُقدِّم مشهدا تعبيريا صامتا فتهيل على رأسها التراب ، وكأنها تعيش ذلك الطقس وحدها ، صورة البلاد التي تهيل التراب على نفسها فيما الجمهور غائب ومغيَّب ولا يكاد يرى، بموازاتها يظهر ذلك الرجل الذي بلغ خريف العمر حاملا صحيفته وأرقام التليفونات للشركات التي لديها وظائف شاغرة فيتصل بها من الهاتف العمومي الواحدة بعد الأخرى ولكن المشكلة ، ما إن يسمعوا عن سنه وأنه قد تجاوز الستين حتى يغلقوا الهاتف في وجهه دون رد .. العالم لا ينتظر من مشرّد أن تكون له أهمية، هكذا يهمهم بعدما فقد عمله وتشردّت أسرته وانتهى به المطاف في مأوى للصليب الأحمر مُخصّص للمشردّين .

في المقابل ، ظلّت اليونان حتى الآن معبرا مهما للمهاجرين غير الشرعيين خاصة القادمين من الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا ، أعدادهم تتضخّم ومعلوم لدى منظمات حقوق الإنسان الإهمال المتراكم لقضايا وملفات هؤلاء وعدم وجود سياسة واضحة لمعالجة حالاتهم وفق القانون الدولي  هذا في أوقات الرخاء فكيف واليونان اليوم تعيش هذه السنوات العجاف القاسية ؟
" حسن راشد" ليس إلا نموذج ، مواطن سوداني من ضحايا حرب دارفور تمزقّت أسرته واضطّر للهجرة وعبر الصحراء والبحر وصولا إلى اليونان وإذا به أمام آمال محطمة  ومستقبل ضائع حاله حال مئات أو آلاف المهاجرين الذين تقطعّت بهم السبل وضاقت عليهم الحياة ولهذا ليس مستغربا أن نشهد تلك اللقطات الليلية التي يهجم فيها أفراد يونانيون متأزمون وحتى عنصريون على أولئك المهاجرين ليصبّوا عليهم جام سخطهم وإحباطهم فيطردونهم ويشتمونهم ويعتدون عليهم .

خبراء كُثر يعلقّون على المشهد الراهن ابتداءا من مدير البنك الأوروبي ورئيس البرلمان الأوروبي ووزراء المال اليونانيين المتعاقبين وكلٌ يسلط الضوء على الأزمة بطريقته، وفي الجانب الآخر مزيد من اليونانيين الساخطين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة أقدارهم ومصيرهم بعد فقد وظائفهم فيما تعلو أصوات أوروبية لاسيما من ألمانيا الرسمية وغير الرسمية : "إنهم اليونانيون الكسالى يشهرون إفلاسهم وعلينا أن ننقذهم من أزماتهم" وذلك تعليقا على منح عشرات المليارات من القروض الأوروبية لإسناد الاقتصاد اليوناني المتهاوي ، فمثلا يذكر "ريتشارد باركر"
الأستاذ في جامعة هارفارد للاقتصاد ، أن أزمة اليونان ماهي إلا جزئية صغيرة من أزمات أكبر ، بل إنها في الواقع أزمة النظام الاقتصادي العالمي برمته وكانت اليونان أحد ضحاياه المبكرين .


مخرج الفيلم

مزيد من الضرائب ، مزيد من خدمة الديون والقروض يرافقها مزيد من فقدان الوظائف والسكن وفقدان الأمل في الحياة ، ذلك هو المشهد الذي يُعبِّر عنه المتظاهرون ضد الحكومة وضد الطبقة السياسية التي طالما تستّرت على مظاهر الفساد، هذا ما يُعلنه المتظاهرون الذين سرعان ما سيشتبكون مع قوات الشرطة في مصادمات عنيفة تظل الكاميرا ترصدها لتكشف عن حجم الإحباط واللاجدوى التي يُعبّر عنها أولئك المحتجون القانطون اليائسون .
ترتفع نسبة الانتحار فوق معدلاتها إلى ما يزيد عن 27% في وقت قياسي ورسائل المنتحرين وقصصهم ماهي إلا قصص مشتركة لألوف اليونانيين الذين فقدوا الحياة التي كانوا يعيشونها ولهذا إما صاروا يموتون كمدا وقهرا أو انتحارا وبعضهم في سن مبكرة ..

صور شتى لتلك السطور الحزينة وهي ترثي أوضاع اليونان في ظل أزماتها الطاحنة فيما الشكوى مستمرة وساحة سينداجما شاهدة على الأزمة المستفحلة بل إنها الحيّز المكاني الذي يفصح عن يونان مختلفة بين زمانين، قبلة السياح والباحثين عن عمق الفلسفة والفكر، وساحة اليائسين والمنتحرين والمتظاهرين  وأيام الإضراب الطويلة التي تشلّ الحياة تعبيرا عن السخط ضد إجراءات التقشف الصارمة التي تضرب البلاد .
الوثيقة المكتنزة بالمعلومات وقصص الناس تصدق على هذا الفيلم المصنوع بعناية والذي يؤرشف للأحداث المتصاعدة طيلة أربعة سنوات، أي من العام 2010 وحتى العام 2014 ودون أن تتوقف الأزمات التي تعصف بتلك البلاد وماتزال.

قد ينال إعجابكم