نقد سينمائي

"خط ساخن" وجه آخر لإسرائيل من الداخل

أمير العمري

من الأفلام الوثائقية المثيرة للجدل التي عُرضت في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي، الفيلم الإسرائيلي "خط ساخن" Hotline (وهو من الإنتاج المشترك مع فرنسا) للمخرجة سيلفانا لاندسمان Silvina Landsmann. يتعلق المدخل الأساسي للفيلم بتصوير الظروف الشاقة التي تعمل فيها منظمة "خط ساخن" لرعاية المهاجرين واللاجئين، وهي منظمة غير حكومية، مقرها تل أبيب، تعتمد في تمويلها على الدعم الذي تتلقاه من منظمات خارجية.
ورغم تركيز الفيلم على عمل المنظمة التي تبذل جهودا غير عادية في مجتمع ينظر إلى المهاجرين من غير اليهود، نظرة عنصرية مقيتة، خاصة وأننا هنا تحديدا، بصدد اللاجئين الذين يأتون إلى إسرائيل من بلدان إفريقية مثل إثيوبيا والسودان وكوت ديفوار وأوغندا وغانا وغيرها. وبالتالي تصبح المشكلة أكثر تعقيدا، فهؤلاء من غير اليهود، وثانيا هم من السود الذين ينظر إليهم المجتمع، كما نرى في الفيلم، نظرة عنصرية أدنى بالضرورة.

في أحد أهم مشاهد الفيلم تناقش سيجال روزين، منسقة مجموعة "خط ساخن"، وهي أيضا ناشطة سياسية، مع مجموعة من النساء والرجال من جنوب تل أبيب في ندوة عامة، موضوع المهاجرين الذين أصبحوا يتركزون في تلك المنطقة بوجه خاص، ونرى كيف يعبر السكان بأشد الألفاظ قسوة، رفضهم التام لوجود المهاجرين الأفارقة بينهم وفي إسرائيل عموما، بدعوى أنهم يخشون على بناتهم من الاغتصاب، وعلى بيوتهم من السرقة، وعلى أنفسهم من التعرض للقتل في الشوارع. تحاول روزين مناقشتهم بعقلانية وإقناعهم بأن هؤلاء القادمين من الخارج لهم أيضا حقوق إنسانية، وأنهم يبحثون عن فرصة للعمل، وتتساءل كيف تكون إسرائيل مجتمعا يقول أنه قام لإنقاذ المضطهدين من اليهود بينما يمارس التفرقة على الآخرين ويتجاهل مأساتهم الإنسانية!
تترك المخرجة الكاميرا تتجول بشكل حر، تتوقف أحيانا أمام الموظفات اللاتي تعملن لحساب "خط ساخن" وتراقب وتسجل كيف يتعاملن مع المهاجرين للبحث في قضاياهم ومشاكلهم وهي تتلخص أساسا في ثلاثة محاور: العمل والسجن وتحويل الأموال.

المشكلة الأولى ترتبط بالقانون الإسرائيلي الذي يحظر تشغيل من يسميهم "المتسللين". ورغم أن إسرائيل كما تقول روزين في الفيلم، من الدول التي وقعت على اتفاقية حماية اللاجئين وضمان حقوقهم الانسانية، إلا أنها ترفض الاعتراف بهم بل تعتبرهم متسللين. ويذكر التعليق الصوتي في الفيلم، أن هناك نحو 60 ألف حالة من الذين دخلوا إسرائيل عن طريق التسلل عبر الحدود، كلهم جاءوا من إفريقيا عبر سيناء المصرية. ويروي بعضهم في الفيلم كيف يتعرض الكثيرون منهم للاختطاف من جانب قبائل البدو في سيناء، ويُطلب منهم دفع فدية مالية ضخمة ويتعرضون للتعذيب بأشكال مختلفة مثل الصعق بالكهرباء، والحرمان من الطعام والشراب. بعضم يموت من التعذيب والتجويع، والبعض الآخر يُقتل على أيدي حراس الحدود على الجانب المصري، والبعض الثالث ينجح في الفرار والتسلل إلى داخل إسرائيل. وهم في معظمهم قد فرّوا من جحيم الحروب الأهلية والصراعات العرقية. ورغم ذلك وبدلا من منحهم حق اللجوء والعمل، إلا أن السلطات الإسرائيلية تعتقلهم وتحكم عليهم بالسجن لمدة تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات.
هنا يأتي دور "خط ساخن" التي تُعتبر منظمة حقوقية، توكل محامين للدفاع عنهم، والعمل على إطلاق سراحهم، وتمارس الضغوط على السلطات من أجل الحصول لهم على تصاريح مؤقتة بالعمل.

ونتوقف أمام حالة محددة لشاب من كوت ديفوار، يروي كيف أنه تسلل مع زوجته إلى إسرائيل، واعتقلا في سجنين مختلفين، وقيل له إن زوجته ماتت جراء الجروح التي أصيبت بها أثناء مطاردة مع حراس الحدود الإسرائيليين، وهو لم يرها منذ أن اعتقلا أثناء التسلل، وها هو الآن قد أطلق سراحه، ويريد أن يتسلم من السلطات الاسرائيلية شهادة وفاة زوجته وجثتها، ويقول أنه يرغب في العودة إلى كوت ديفوار، ولكن يتعين عليه أن يُطلع عائلة زوجته على ما يفيد بوفاتها كما يجب أن يُسلمهم جثتها، لأنهم ينتمون إلى قبيلة أخرى تعادي لقبيلته، وسوف يفتكون به إذا لم يتمكن من إثبات وفاة زوجته !
السلطات الإسرائيلية لا يمكنها قانونا ترحيل الذين دخلوا إلى البلاد، كما أنها تغمض عيونها أحيانا عمن يعملون بشكل غير قانوني (كنوع من استغلال العمالة الرخيصة)، لكنها تشجع كل من يبدي رغبته في العودة. أما من لايزال يعمل ولو بموجب تصريح للعمل (يصدر مؤقتا في ظروف صعبة للغاية ولعدد محدود لم يتجاوز 6 حالات في ثلاث سنوات) فإن البنك المركزي الإسرائيلي يرفض السماح لهؤلاء بتحويل أي أموال إلى ذويهم. وهي مشكلة أخرى يتوقف أمامها الفيلم في إطار رصد المشاكل التي تواجهها منظمة "خط ساخن".

كاميرا لانجسمان تراقب، تتحرك وسط الشخصيات الضائعة الضالة التي تصل في يأسها من إمكانية أن يقبلها مجتمع عنصري يرفض غيراليهودي ويخشاه ويعتبره شرا مستطيرا كما نرى، وكما يتضح من خلال المناقشة الساخنة مع روزين، إلى حد تفضيل العودة من حيث أتوا، رغم كل ما يكتنف تلك العودة من مخاطر تهدد حياتهم كما يقولون.
لا تركز المخرجة على خط قصصي تتناول منه موضوع الهجرة، ويبدو الفيلم في أجزاء منه وقد خرج عن السيطرة من ناحية الإيقاع، بسبب رغبة المخرجة في ضم كل ما قامت بتصويره في سياق الفيلم، وبالتالي يشوب الفيلم بعض التكرار والإسهاب في الوصف، والتداخل في المعلومات. لكن ثلاثة مشاهد رئيسية فيه ترفعه إلى مصاف الأعمال الوثائقية المؤثرة.
المشهد الأول سبق أن تطرقنا له وهو مشهد المواجهة بين الناشطة الشجاعة روزين، وبين عدد كبير من سكان جنوب تل أبيب، حيث تصل المواجهة إلى اتهامها بخيانة الشعب اليهودي، فهي تتعاطف مع الغرباء أكثر مما تريد أن تتفهم مشاكل أقرانها اليهود، وتقول لها إحدى النساء أنها إذا كانت تحب هؤلاء المهاجرين الأفارقة فلماذا لا تأخذهم في بيتها، وأنها تتكلم هكذا لأنها تقيم في أحد الأحياء الراقية بالمدينة.

والمشهد الثاني لمناقشة حامية تدور في الكنيسيت الإسرائيلي (البرلمان) بين مجموعة من النشطاء التابعين لـ "خط ساخن" وممثل عن الاتحاد الأوروبي وبعض المحامين المتخصصين في قضايا حقوق الإنسان من جهة، وأعضاء اللجنة المكلفة بوضع تعديلات على القانون الذي ينظم قضايا الهجرة ودخول البلاد، ويرغب أعضاء اللجنة في ادخال تعديل يشجع على خروج اللاجئين من البلاد، عن طريق السماح لمن يرغب في العودة بالخروج بما ادخّره من مال أو تحويله قبيل سفره مباشرة إلى بلده، وتصل المواجهة الساخنة إلى حد اتهام أعضاء في الكنيست بإهدار حقوق الإنسان، رغم كل ما تدعيه الدولة من اختلافها عن الدول المحيطة بها في مجال الحريات الأساسية.
والمشهد الثالث نرى فيه أحد المحامين وهو يحاول جاهدا إقناع السلطات بتنفيذ حكم محكمة إسرائيلية بإطلاق سراح سجينة إفريقية بكفالة، لكن المسؤولين يرفضون قبول الكفالة، ويتطلب الأمر الكثير من اللغط ثم الاتصالات الكثيرة ببعض المسؤولين والقضاة، والمشهد مقصود لكشف تعنت البيروقراطية الإسرائيلية وكيف يمكنها أن تضرب عرض الحائط بقرارات المحاكم.
الفيلم مزيج من القصص الفردية التي تقدم بانوراما شاملة من جوانب متعددة لمعاناة المهاجرين أو اللاجئين في إسرائيل، وخصوصا الجانب المتعلق بعنصرية الإسرائيليين في التعامل معهم، وصعوبة عمل المنظمات غير الحكومية في إسرائيل والقيود التي تغلّ يدها عن تقديم مساعدة حقيقة لهؤلاء المهاجرين وإلا اعتبرت مخالفة للقانون وتعرضت للإغلاق، وأيضا الكشف عن الجانب الغامض من المعاناة الهائلة التي يواجهها المهاجرون الفارّون من بلادهم في سيناء، فنرى كيف أصبح أحد هؤلاء الشباب عاجزا عن السير بسبب ما تعرض له من تعذيب أدى إلى عجز في قدمه وساقه !

قد ينال إعجابكم