نقد سينمائي

الأزيز الذي يَسبقُ النيران

محمد موسى

يُعَدّ فيلم "درون" للمخرجة النرويجية تونيا هيسن سيكي، والذي يُعرض حالياً ضمن مهرجان "Movies that Matter" الهولندي، الأول في مُقاربته المُوسعّة والمُعمقّة لقضية الطائرات الحربية الأمريكية المُسيرة عن بُعْد، والتي تحولت في السنوات الأخيرة، إلى أحد الأسلحة الفتاكة والأساسية في حروب الولايات المتحدة المُتواصلة ضد الإرهاب حول العالم، من اليمن إلى باكستان، مروراً بالعراق وأفغانستان. وإذا كانت طبيعية الموضوع العسكري الحساسّة تعني عادةً أن الأبواب الرسمية ستكون مُوصدة أمام السينما التسجيلية الإستقصائية التي يمثلها فيلم "درون"، والذي قاد هنا إلى غياب وجهات النظر الحكومية، إلا إن المخرجة عرفت كيف تَشُدّ الانتباه للقضية عبر مُعالجتها الذكية، التي ربطت فيها العسكري بالإنساني، والتكنولوجيا بالعنف، مُسلِّطة الضوء على الحروب الافتراضية الجديدة التي تدار عبر "الريموت كنترول"، وأثارها البشرية الفعليّة المُدمِّرة، مُركِّزة على باكستان، البلد الذي شهد في العامين الأخيرين عمليات عسكرية عديدة لهذه الطائرات، خلّفت مئات الضحايا من المدنيين.

يسعى الفيلم أن يُحلِّل الظاهرة العسكرية الجديدة نفسياً، ويربطها بظواهر أخرى مثل ثقافة الألعاب الإلكترونية في العالم، عبر لقاءات سيجريها مع خبراء نفسيين وعسكريين على حد سواء. فالطائرة ليست شعبية بسبب دقتها وأداءها، هي أيضاً تَحَجب الأنظار عن أثمان وأهوال الحروب على الجنود. فما دامت الحرب تُدار إلكترونياً ومن قاعدة عسكرية بعيدة عن مواقع الأحداث، فلا خطر عندها على سلامة الجنود الجسديّة والنفسيّة، وما يعنيه هذا من أن ينسى الناس في الولايات المتحدة ما تُخلِّفه الحروب الخارجية لبلدهم من ضحايا مدنيين، على حسب تعبير أحد الخبراء النفسيين الذين تحدثوا في الفيلم.

الحَرْبُ لعبة الرجال". سيرد هذا المثل الإنكليزي المعروف في مواقع عديدة في سياق الفيلم، الذي يحقق في علاقة ألعاب الفيديو الشعبية العنيفة بما يجري في واقعنا، ليس من مدخل أثر هذه الألعاب في تنامي العنف بين اللاعبين، بل عن علاقتها الفعلية بالصناعة العسكرية الأمريكية، إذ تحاول الأخيرة أن تجذب صانعي هذه الألعاب أو حتى اللاعبيين البارعين فيها إلى الخدمة العسكرية. فتكنولوجيا الطائرات التي تسير عن بُعْد وبلا طيارين، لا تحتاج إلى جنود مُدربّين مُتمرسّين، بل يمكن أن يديرها لاعبون متوحدون، من الذين يقضون ساعات طويلة يومياً يقتلون ويدمرون أعداء وبنايات خيالية في ألعاب فيديو عنيفة. وفي إطار التكنولوجيا، يصل الفيلم إلى شركات مدنية أمريكية صنعت طائرات مشابهه لأغراض ليست قتالية، إذ كشف أصحابها، إن التكنولوجيا المُستخدمة في هذه الطائرات ليست بالتعقيد الذي يظنُّه المرء، وإن هناك ما يقارب الثمانِ دول حول العالم صارت تملك هذه التقنية، الأمر الذي يزيد من احتمالات وقوع حروب مُستقبلية يقوم بالمهمات القتالية فيها طائرات تُحرَّك عن بُعْد.

يخصص الفيلم أوقاتاً مُهمة لجندي أمريكي سابق كان ضمن الفريق الذي يُشرف على تشغيل هذه الطائرات، وترك الخدمة بعد أن ساءت حالته النفسيه لفداحة ما رأى. وإذا كان الفيلم ليس الأول في تقديم هذا الجندي، الذي ظهر إعلامياً بكثرة، إلا أن العمل اجتهد لكي يوظف قصة هذا الجندي في تركيبته، ومنحه مكانة مهمة ضمن اتجاهه التحقيقي الناقد، ليسير الفيلم بذكاء على النقيض مما حاولت السلطات العسكرية الأمريكية فعله، بإبعاد هؤلاء الجنود عن التماسّ مع الواقع أو الإعلام. فهو سيقدم شهادة مؤثرة جريئة صادمة عن المدنيين الذين يُقدّر أنهم قتلوا بفعل الأوامر التي كان يرسلها هو نفسه إلى طائرات الأشباح، كاشفاً عن شعور الذنب الذي يهيمن على حياته، والذي أوصله إلى حافات الجنون. وكاشفاً أيضاً عن التهديدات التي يتلقّاها من مجهولين، والإهانات من زملائه السابقين.

وفي خطٍ موازٍ، يتوجه الفيلم إلى باكستان، حيث يقابل بعضاً من عائلات ضحايا الطائرات الأمريكية المُسيرَّة عن بُعْد، والذي نجى بعضهم من الموت بأعجوبة. فالطائرات تلك قتلت أحياناً عوائل بأكملها كانت تحتفل بمناسبات زواج وعزاء، مُتوهمة أنها كانت مجتمعة لأغراض أخرى. تحدّث كثير من الباكستانين الذين ظهروا في الفيلم التسجيلي عن الأزيز الذي كانوا يسمعونه في السماء، قبل أن يبدأ ما وصفوه بالجحيم الأرضي. سيمرُّ بعض الوقت قبل أن يربط هؤلاء بين ذلك الأزيز والانفجارات التي كانت تحدث في قراهم الصغيرة. فالأصوات التي تشبه الصفير هي للطائرات الأمريكية المُسيرَّة عن بُعْد. كما يرافق الفيلم محاولات مدنيين وبمساعدة نشطاء أوروبيين جمع أدلة كافية لإدانة الحكومة الأمريكية قضائياً، ليُقدِّم الفيلم في هذا السياق مشاهد مؤثرة لمدنيين قُتلوا بوحشية كبيرة، ومنهم أطفال ونساء.

يُثبت الفيلم التسجيلي هذا، أن لاحدود تقف اليوم بوجه السينما التسجيلية وخاصة في شقها الاستقصائي. إذ تبدو هذه الأخيرة وكأنها تقف مُتيقظة لما يحدث في العالم من أحداث، وعندما تعثر على القضية المناسبة، لا تتردد عن الخوض في تفاصيلها وكشفها عبر معالجات بعضها غير متوقعة، رغم أن هذا ليس بالأمر الهيّن دائماً. فالمخرجة عرفت كيف تحوِّل الموضوع السريّ والمُغلَّف بالألغاز إلى شأناً إنسانياً مُلحَّاً، مانحة في ذلك فرصة لأهل ضحايا الطائرات لكي يرووا قصصهم، كما لم تنسَ أيضاً أن تمرّ على ما تفعل هذه الحروب في عقول وأرواح الجنود الأمريكيين. في كل ذلك، قَرّبَ الفيلم الحرب البعيدة والمجردة وحولّها إلى شيء ملموس مُؤلم وحشي، أي كما هي في الواقع، وكما يجب أن تُجَسَّد على الشاشة.

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...