نقد سينمائي

"صنع في الصين" .. العزف على أوتار الرأسمالية

عدنان حسين أحمد

من بين الأفلام المتميزة التي احتفى بها برنامج "علامات فارقة" في الدورة الرابعة والأربعين لمهرجان روتردام السينمائي الدولي فيلم "صُنع في الصين" للمخرج الكوري الجنوبي كيم دونغ-هو الذي أسند دور البطولة مناصفة إلى النجم بارك كي-وونغ الذي تألق في "قناع العروس" و "صديقي المعلم" والفنانة هان تشي - يا التي عرفناها في مسلسلات وأفلام مهمة أبرزها "أنا أؤمن بالحُب" و "أنت فقط حبيبي".

 
يندرج هذا الفيلم تحت محور "الدعاية اليومية" الموجهة ضد الصين من جهة بوصفها دولة منغلقة نأت بنفسها لعقود طويلة عن الدول المجاورة لها، وضد كوريا الجنوبية من جهة أخرى بوصفها دولة رأسمالية لا تحترم كثيراً منظومة القيم الأخلاقية حتى وإن كانت هذه الدولة تمثل واحة للديمقراطية التي تفتقر إليها كوريا الشمالية تحديداً وبعض الدول الأخرى المجاورة لها.

لم يلجأ كاتب السيناريو كيم كي-دوك ومخرج الفيلم كيم دونغ-هو إلى طرح القصة السينمائية بأسلوب مباشر وإنما اختارا عن قناعة تامة قصة واقعية لكنها لا تخلو من دلالات رمزية يمكن للمُشاهد الحصيف أن يستشفها من سياق الأحداث التي تُترى أمام عينيه. فثمة مربي صيني لأسماك الأنكليس "ثُعبان البحر" يتسلل بطريقة غير شرعية إلى كوريا الجنوبية التي صنّفت أسماكه بالملوثة ومنعت بيعها في الأسواق الكورية الجنوبية.
ليس غريباً أن يقدِّم لنا المخرج في مشهده الافتتاحي مجموعة من الشباب الصينين وهم محشورون في حوض سيارة شحن متوسطة الحجم يتعاركون على وجبات الطعام الضئيلة التي تُقذف لهم. وبما أن جوف السيارة يحتوي على فتاة شابة غيل ريم-سونغ "ليم هوا-يونغ" فإنها سوف تتعرض لبعض المضايقات حيث حاول أحدهم اغتصابها لكنّ تشين انبرى له بالمرصاد وأشبعه ضرباً حتى تركه ملطخاً بدمائه، الأمر الذي سيوحي لنا منذ البداية بأن تشين هو أنموذج للشخص القوي الذي يحافظ على حرمة النساء، ويبعد عنهنّ الأذى ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وقبل أن يجتاز الحدود يتعرف على شخص صيني آخر هربت زوجته إلى كوريا الجنوبية ويريد الانتقام منها ومن زوجها وقد كلّف تشين، في حال موته أثناء العبور، أن يقوم بمهمة البحث عن زوجته الهاربة وقتلها هي وزوجها بعد أن زوّده بالعنوان وصورتيهما معا. وبالفعل يصاب هذا الشخص الصيني بطلق ناري ويموت في الحال بينما ينجو تشين الذي يحمل صندوقاً خشبياً يحتوي على ثلاث سمكات أنكليس حيّة ويريد فحصها في وزارة الصحة الكورية لكن أحد سواق التاكسي يأخذه إلى مديرية "الغذاء والدواء" فيمنعه الحارس من الدخول غير مرة وحينما تنتبه إليه مِي "هان تشي-يا" المفتشة في تلك المديرية تقرر فحص واحدة من سمكات الأنكليس التي لا يزال يحتفظ بها في صندوقه المحكم ولسوء الحظ تظهر الفحوصات أن السمكة ملوثة، وهذا يعني أنه هو الآخر مصاب بالتلوث طالما أن السمكة ملوثة فيعطيها عيّنة من ذراعه فتكتشف أنه مصاب بالتلوث ثم تأخذ عيّنة من يدها لتكتشف أنها مصابة هي الأخرى بنفس نسبة التلوث!
لم تقف القصة عند هذا الحدّ بل تأخذ منحىً آخر حينما تقع مِي في حُب تشين ثم تتعرف عليه تدريجياً وتكتشتف أنه قوي بدنياً حينما تدعوه إلى العشاء حيث يشتبك مع مجموعة من الشباب في عراك شرس ينتهي بانتصاره الواضح على الجميع. كما يُصادف أن تتواجد في المطعم ذاته "غيل" التي نجحت في التسلل إلى كوريا الجنوبية وبدأت العمل في هذا المطعم الذي يقدّم سمك الأنكليس إلى زبائنه.
لقد أحبت مِي أشياء كثيرة في تشين من بينها استقامته، ونزاهته، وحبه للعدالة، هذه الصفات التي يفتقر إليها الرجال في بلد رأسمالي مثل كوريا الجنوبية حيث تمّ استنساخ كل شيئ على الطريقة الأميركية.

وحينما تترسخ قصة حبهما تجد له عملاً  كحارس أمني في مكان ما حيث يعلّمه أحد أقرانه الحراس كل الكلمات البذيئة إضافة إلى بعض المفردات البسيطة الكثيرة الاستعمال بالنسبة إليه على الأقل لكنه يكتشف بالمصادفة أن هذا المكان هو مفقس لأسماك الأنكليس حيث انزلقت إحداهن خارج الباب فأعادها إلى الداخل لكن صاحب المفقس وبّخه وأخرجه في الحال. يتابع تشين خيوط هذه اللعبة فيكتشف أن حاويات الأسماك تحمل علامة مفقسه الذي يُفترض أن يكون ملوثاً كما أظهرت الفحوصات، وهذا يعني أن صديقته مِي قد خانتهُ أو خدعته في أقل تقدير.

يتطور المسار الثاني في قصة الفيلم حينما يبدأ تشين رحلة بحثه عن الزوجة الصينية التي هربت وتزوجت من رجل كوري جنوبي كي ينفذ وصية القتل التي أخذها على عاتقه حيث يصل بالنتيجة إلى الزوجة الخائنة ويطلق النار على زوجها في مشهد مرعب جداً.
يحصل تشين على مبلغ مادي كبير من صديقته مِي لكنه يتوجه في الحال إلى غيل ويطلب منها أن تعود معه إلى الصين لكنها ترفض فيعطيها كمية كبيرة من النقود طالباً منها أن تفتح مطعماً حيث يزودها بالسمك من الصين بينما تقوم هي بتقديمه إلى الزبائن في كوريا الجنوبية.
لم يدعه أصحاب المفقس غير القانوني وشأنه حيث هاجموه وأشبعوه ركلاً وضرباً بالهراوات ثم بدؤوا يساومون مِي على تسليمه حياً إن هي وقعت لهم عقداً يؤكد خلو أسماكهم الثعبانية من التلوث، فلم تجد بُداً من التوقيع على هذا العقد غير القانوني لكنها استردت منْ تُحب لكي يجد طريقه إلى مفقسه الخالي من التلوث.
على الرغم من أهمية هذه القصة السينمائية وأحداثها المتشابكة إلاّ أن ثيماتها الفرعية لا تقل أهمية عن ثيماتها الرئيسة ولكي نؤكد صحة ما نذهب إليه نقول إن هذا الفيلم يتمحور أيضاً على طبيعة العلاقة الشائكة بين كوريا الجنوبية والصين من جهة، وبقية البلدان المجاورة من جهة أخرى مثل كوريا الشمالية واليابان وسواهما من بلدان المنطقة حيث ينظر الكوريون الجنوبيون بتعالٍ إلى أقرانهم الصينيين أو الكوريين الشماليين، ولقد رأينا العديد من لقطات الفيلم ومشاهده كيف أن النساء الكوريات يرفضن شراء أية سلعة صينية، بل أنهم يتقززون من كل المأكولات المنتجة في الصين ويروجون عنها الإشاعات بأنها قذرة ومليئة بالديدان والحشرات.

كما رأينا بأم أعيننا كيف قامت مِي برمي كل الأطعمة الصينية التي اشتراها تشين من متجر قريب من المنزل لكنها تتراجع عن فكرتها التي كرستها الدعاية الرأسمالية وأخذت تلتهم بعض الفواكة والأطعمة الصينية لتثبت لتشين حسن نيتها وأنها قد انقلبت على قناعاتها السابقة كلياً ولم تعد ضحية للدعاية الرأسمالية اليومية.
يرفض كاتب الفيلم، ومخرجه أيضاً التقسيمات الطبقية للمجتمع فالمفتشة "مِي" تنتمي إلى طبقة رأسمالية مترفة لكنها لا تجد ضيراً في أن تحب مربي أسماك صيني ويقيم بشكل غير قانوني في كوريا الجنوبية.

كما أن نبرة الفيلم برمته هي نبرة إنسانية تتمثل بموقفها هي أولاً ثم بموقف تشين الذي جازف بحياته وعبر الحدود من أجل أن يثبت للعالم كله بأن أسماك مفقسه غير ملوثة وأنها صالحة للأكل وقد حافظ عليها في صندوقه المقفل كما يحافظ الإنسان على كنزٍ ثمين.
لا شك في قصة هذا الفيلم محبوكة بشكل جيداً لذلك جاء بناء الفيلم رصيناً دون أن يعتريه الخلل أو الارتباك. كما ساهم المونتاج في انسيابية اللقطات والمشاهد المتلاحقة دون أن تُثقل بالزوائد الكلامية والترهلات البصرية الفائضة عن الحاجة. أما الأداء فقد كان مثيراً ولافتاً للانتباه. فالممثل بارك كي-وونغ الذي شاهدناه في "ليلة إثر ليلة"، "السمكة الذهبية"و "قصة لا تنتهي" أمتعنا في أدائه الساحر وشخصيته الجذابة فلاغرابة أن يأسر المشاهدين ثانية في فيلم "صُنع في الصين" خصوصاً وأن ثيمة الفيلم تنطوي على قصة حب جميلة لكنها لا تخلو من بعض الانتكاسات هنا وهناك. أما شخصية "مِي" الأكثر جاذبية في أدائها وفي مواصفاتها الجسمانية فقد كانت محط إعجاب المشاهدين والنقاد على حد سواء خصوصاً وأن دورها ينطوي على انتقادات حادة للتطرف الرأسمالي الذي يجد نفسه في القمة بينما يرى الآخرين في الحضيض بينما يشير واقع الحال إلى أن البشرية برمتها تقف في مستوى واحد مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدرجة العلمية فقط هي التي تفرّق بين هذا وذاك.

قد ينال إعجابكم