نقد سينمائي

"ملِكة الصمت".. إدهاش غجري

 

قيس قاسم

إدهاش الوثائقي لن يتوقف ما دامه شديد الالتصاق بالحياة نفسها والتي تنتج يومياً قصصاً وحكايات لا حصر لها، وما على صانع الوثائقي إلا أخذ ما يحبه ويناسب ذائقته وموقفه الفكري منها. حكايات بسعة العالم كلما شاهدنا فيلماً شديد الجمال إلى درجة "الكمال"  تصورنا أن سقف الإبداع سيتوقف عند تخومه، ولكن وبعد فترة وجيزة سرعان ما تأتي حكاية جديدة تُنسينا ما فكرنا به في السابق، وهكذا تستمر القصص المدهشة تروى في السينما الوثائقية ما دامها نابعة من حياتنا التي لا تعرف التوقف أو الصمت.

 هذه المقدمة أوحت لنا بها مشاهدة فيلم البولندية أجنيزكا سويفكا "ملكة الصمت" The Queen Of Silence 2014 والذي أخذت فيه فصل من حياة صبية غجرية، تُقيم في معسكر بائس على أطراف حي سكني بولندي حديث، فيها الكثير من التميُّز الشخصي الذي شجعها على ملاحقة تفاصيل حياتها في هذا الركن المنبوذ من العالم. 

الطفلة الغجرية  دينيسا جابور تعاني من مشكلة الصم والبكم ومع ذلك فهي تعيش حياتها وفق نمط برِّي لا يعرف الحدود والأعراف "الحضارية" وتعشق رغم عدم قدرتها على السمع؛ الرقص!. خصلة عجيبة وغير مفهومة علمياً كونها لا تستطيع سماع النغمات وبالتالي يستحيل التفاعل معها.  هذا المنطق الطبي العقلاني لا معنى له عند دينيسا التي تجلس الساعات أمام التلفاز لتشاهد و"تسمع" الأغنيات والرقصات الهندية. لقد أحبّت العروض البوليوودية وظلّت تقلدها في الساحات الخربة المحيطة ببيوت الصفيح.

قوة الإدهاش في صنيع أجنيزكا يكمن في إمساكها بتفاصيل حياة الصبية وظروف عيشها التي هي انعكاساً موضوعياً لظروف حياة الغجر الأوروبيين عامة، ومصاعبهم الجدية التي برزت بقوة بعد التغييرات السياسية في المعسكر الاشتراكي السابق، وامتدّت ذيولها إلى بقية أوروبا التي وجدت نفسها أمام معضلة حقيقية ومأزق أخلاقي كشف ثغرات واسعة في بنيتها الفكرية والاجتماعية حين عجزت عن حلها وتراخَت في كبح جماح القوى العنصرية التي تعاملت مع الغجر كمجموعة عرقية أدني من مستوى البشرـ أدنى منهم ومن قيمهم، فسمحوا لأنفسهم وبحماية اجتماعية وسياسية بانتهاك وجودهم بينهم ـ في تجاوز صريح لقوانينهم ووحدتهم التي تعطي الحق لمواطنيها بالإقامة والتنقل دون قيود بين دولها الموقعة على معاهدة شينغن، أو المنضوية إلى معاهدات أخرى تعطي الحق للغجر في التنقل والعيش في المكان الذي يريدونه، هذا إذا تناسينا أنهم أصلاً لا يعترفون بالحدود الجغرافة ولا بالقوانين المكبِّلة لحريتهم الثمينة.

إمساكها بتفاصيل وجزئيات الحياة اليومية للأطفال وتركيزها على عالم دينيسا الصامت والمتحرك سيُكمل محاولتها رسم مشهد دقيق لحياة الغجر في بولندا. أما الإدهاش في شغلها فيكمن في قدرتها على ربط التفاصيل الصغيرة، العابرة بالعام المؤطِّر لها ثم القيام بعرضها عبر مرآة "سينمائية" عاكسة، تعكس وجودهم القلِق.
فالإقامة غير القانونية في المخيم والاستقلال فيه يعد بالنسبة للحاضنة الاجتماعية سلوكاً غير مقبول واختلافاً غير مفهوم، ومن جانب ثانٍ هو بالنسبة للغجر انسجام تام مع دواخلهم وقوانينهم الخاصة بالحياة والتي تختلف عن قوانينا وأعرافنا الأخلاقية، ويتجلى ذلك بشكل صارخ في مفهوم الملكية المشاعة والتي تجسدها حركة البحث المستمرة للصبيان والأطفال في مزابل المدينة للحصول على أشياء يلعبون بها ويتقاسمونها بينهم كما لو كانت غنائم ثمينة. يكرس الوثائقي بعض اهتمامه لتفسير علاقة الأطفال بالدُمى المستخدمة والمرمية في مزابل المدينة وبشكل خاص عند الصبية دينيسا التي تحرص على امتلاكها والعناية بها وسط ظروف حياتية لا تعتني بها ولا بأهلها وكأنها بذلك تعوِّض النقص العاطفي عندها.

ويعاين "ملكة الصمت" مفهوم "التواصل" بين الغجر والمجتمع الذي يحيطهم. فهم معنيون به بمقدار عناية الناس بوجودهم وخوفهم منهم. يلعب التلفزيون دوراً لافتاً في معرفة ما يجري في المكان المعادي وكيف يفكر الآخر بهم ويلعب في نفس الوقت دور الوسيط الناقل للفن والجمال، فالعالم بالنسبة إليهم ليس كله أخباراً عنهم وعن مشاكلهم، هكذا بدا لنا على الأقل عند الصبية المتعاملة مع التلفاز بوصفه الوسيلة التي تقربها من هوايتها؛ الرقص وحبها للأفلام الهندية.

لكن وأنت في غمرة متابعتك لتلك التفاصيل الصغيرة يخطر على بالك سؤال: من أين أتوا بالتلفاز أو جهاز الـ "دي في دي"؟ هل سرقوه أم وجدوه في المزابل. أسئلة كثيرة تخطر على البال تظن في أول الأمر أنها عفوية مستوحاة من المشاهد التي تراها أمامك، ولكن وبعد تمعن وتكرار سيظهر دور المخرجة في  تعمُّد طرحها بتلك الطريقة وتعمُّد دفعك للتفكير بها لأن قسماً منها سيقود إلى أسئلة أكبر وأوسع من مساحة بيوت صفيح في معسكر خاوٍ خرب.
العلائق المحيطة بالصبية الغجرية هي نفسها السائدة في المجتمع البولندي وأكثر تجلياتها؛ الأنانية وعدم قبول الآخر المختلف. في السؤال الذي ستطرحه الطبيبة البولندية على المترجم الذي حضر مع عائلة دينيسا لإجراء فحوصات على طفلتهم يكمن الاستغراب والاحتجاج في آن: كيف تتدبرون أموركم بدون أوراق رسمية ولا ضمان اجتماعي؟!. كيف يتدبرون أمورهم  بدون عمل ولا اعتراف ولا تعاطف ناهيك عن التضامن.

سيشحَذون حتماً في الشوارع وربما يسرقون أشياء صغيرة ليتدبروا أمورهم ويحصلوا على طعامهم هكذا ستكون الإجابة بصرياً. علائق مختلّة، إشكالية بين الطرفين يجد الأطفال أنفسهم وسطها بل وطرفاً ثابتاً وواعياً فيها. فهم طرف بارز في المنازعات والخلافات مع الشرطة وهم المتصدُّون للكارهين وجودهم بين ظهرانيهم.
هم طرف ضعيف لكنه أساسي ومكمن الآسى الذي يمس قلبك وأنت تتابع حياتهم البائسة. هم وسيلة المخرجة أجنيزكا لنقل واقعهم والمجتمع البولندي إلينا وهم مَن يُعينُها على تحقيق ما تريد بشكل مذهل.

وحدهم، وكلعبة يمارسونها في فراغهم الدائم، يقومون بإخراج مشاهد مسرحية شديدة الصلة بكل حدث يؤثر فيهم وعلى حياتهم في المعسكر، مثل: تنفيذهم لمشهد طردهم رجال الشرطة من ديارهم أو أداء مقطع راقص يعبر عن خوفهم من الترحيل الإجباري. كل أحاسيسهم يوظفونها مسرحياً بطريقة رائعة لدرجة فكرت صاحبة الشريط بتوسيع مساحة خيال وثائقيها عبر إعادة تمثيل تلك المشاهد بشكل احترافي مُصوَّر بنَفَس بوليوودي بطلته الصبية الخرساء والصماء وقد توجتّها ملكة.

مشاهد منفذة بطريقة جميلة فيها روح مرحة مع موسيقى راقصة تعكس مضموناً حزيناً يظهر في عيون الصبية ونظراتها الساهمة المعبرة بقوة عن دواخلها والمعوِّضة عن حرمانها السمع والنطق وعليها سيعتمد الوثائقي كثيراً ويألفها متابعه وسيفهم إشاراتها التعبيرية القوية كما يفهم لغتها البصرية. في "ملكة الصمت" إسهام غجري كبير على كافة المستويات وتسهيل مدهش لعمل سينمائي لم يألفوه من قبل ومع هذا يدرك المرء مقدار تعاونهم وصبرهم واندفاعهم ويُقدِّر تحركهم  العفوي اللافت، بخاصة الصبية الصماء والبكماء التي تميزّت بخصال طيبة ستدفع ثمنها، حين تقرر عائلتها إعادتها وحدها إلى رومانيا التي جاؤوا منها لأنها غير صالحة أن تكون شحاذة جيدة. كانت تكره دينيسا فعل الشحاذة ولهذا كانت تشاسك المارة والرافضين مساعدتها والحقيقة ليس هذا هو السبب الجوهري لردود فعلها بل حبها لأن تكون راقصة محترفة. 

ترقص لتعبر عما تكمن من مشاعر لكن وجودها في مكان لا يرغب بها يجبرها على فعل آخر كريه لا تحبه فترفضه ولكن بثمن غالٍ. في المشهد الأخير تظهر سيارة تقل الصبية وتسير على طريق طويل نهايته لا تبشر بالخير فهناك، في رومانيا، ربما ستواجه نفس المشاكل التي واجهتها في بولندا مع فارق أنها ستكون هناك وحيدة؛ غجرية تواجه مصيراً مجهولاً.

قد ينال إعجابكم