نقد سينمائي

جدلية الصحافة والفيلم الوثائقي

هاني بشر

رغم أن الأفلام الوثائقية ارتبطت بالتجربة السينمائية في دول العالم المختلفة، إلا أن انتشار التليفزيونات وثقافة الفيديو والانترنت نقلت الأفلام الوثائقية نقلة أخرى أصبحت من خلالها أكثر التصاقا بالعمل الصحفي من حيث المفهوم والمضمون. يتجلّى هذا في عدة مناح منها ما يبدأ من مواد الفيلم الوثائقية الدراسية في كليات الصحافة والإعلام التي اعتمدت منذ فترة طويلة تدريسه في الجامعات الغربية والعربية، ومرورا بمراكز التدريب الصحفي والإعلامي وصولا لكونه أصبح أحد القوالب الصحفية الهامة التي يستخدمها الصحفيون التلفزيونيون في أعمالهم. ولهذا بدأت الحدود الفاصلة بين العمل الصحفي والعمل الوثائقي في التلاشي شيئا فشيئا.

هناك من يرى أن التلاقي بين الصحافة والأفلام الوثائقية محصور في البحث والتوثيق فقط، وأن الاختلاف قائم فيما عدا ذلك. ومن هؤلاء المخرج المغربي عز الدين العلوي الذي يرى أن صانع الفيلم الوثائقي ملتزم فقط برؤيته الفكرية للوجود وبالعمل على إخراج أفكاره وانحيازه للطبقات التي لا صوت لها، في مقابل الصحفي الملتزم بخط تحريري معين وفق رؤية يحدها زمان ومكان. غير أن مثل هذه الآراء تغفل من ناحية الاستقلال الفكري المفترض للصحفي والذي يطبع معالجته للقصص الخبرية، ومن ناحية أخرى تغفل أن هناك تأثيرا متبادلا استفادت منه الصحافة في وجود قالب جديد أكثر جاذبية للمتلقي وهو الفيلم الوثائقي الذي يعيد صياغة المعلومات والأخبار في قالب درامي أكثر تشويقا، واستفاد منه الفيلم الوثائقي عبر ارتباطه بالأحداث الجارية بأن حقق مزيدا من الانتشار كقالب فني وثقافة إنتاج وإخراج. كما دخل الفيلم الوثائقي إلى مساحة أخرى وهي التحقيق والاستقصاء التي هي جوهر العمل الصحفي في الأساس، وأصبحنا أمام تجارب مغامرات بوليسية شيقة في الفيلم الوثائقي.

 أوجه الاستفادة لا تقف عند هذا الحد، فالطريق المهني بين الصحفي ومخرج الفيلم الوثائقي أصبح ذي اتجاهين، ينتقل فيه الصحفي من العمل الإخباري الصرف إلى مساحة الإنتاج والإخراج الوثائقي المتخصص من خلال شركات فنية تجارية أو داخل قنوات تليفزيونية وأحيانا داخل مؤسسات أهلية كالجمعيات الخيرية. وينتقل في المقابل المخرج أو المنتج أو المصور للأفلام الوثائقية من الإنتاج الفني الوثائقي الصرف إلى العمل الصحفي الإخباري بسبب قلة التمويل وزيادة الطلب على هذه الوظائف في القنوات الإخبارية.

هذه الاستفادة المتبادلة بين كلا المجالين يقابلها عدة إشكاليات تحتاج إلى حل وربما حسم. أولى هذه الإشكاليات هي أسر الفيلم الوثائقي داخل منظومة العمل الصحفي واشتراطاتها المتعلقة مثلا بتنويع المصادر المعبرة عن الاتجاهات السياسية المختلفة في الفيلم الواحد لتحقيق التوازن في عرض الرؤى، مما يزيد من فرصة الإقحام الدرامي لشخصيات داخل القصة تحقق غرضا تحريريا وقد تخلق مشكلة فنية جمالية في السياق الدرامي. وثاني هذه الإشكاليات هي التغاضي عن النسق البصري المرئي الجمالي للفيلم الوثائقي وتسلسله لصالح الأهمية الخبرية لصور بعينها، فنتيجة المقارنة بين جمالية الصورة وأهميتها الخبرية محسومة سلفا لصالح هذه الأخيرة حين يتعلق الأمر بالعمل الصحفي. وهذا يعني أن المسألة تحولت إلى وظيفة صحفية للفيلم الوثائقي قد يتخلى فيها هذا الفيلم عن هويته الفنية الجمالية لصالح مجال آخر.

مثل هذه الإشكاليات ليست بالضرورة ضريبة لازمة للتزاوج بين الفيلم الوثائقي والعمل الصحفي، لكنها تحتاج إلى متخصص متعمق في آليات إخراج الفيلم الوثائقي وذي دراية واسعة باشتراطات العمل الصحفي ومتطلباته. وهذا المتخصص إن وجد كمشرف على مشاريع الإنتاج الوثائقية، التي تنتج لأغراض صحفية، لا يكون غالبا متوفرا على مستوى المخرجين الذين يقومون بتنفيذ العمل.  فآليات الإشراف والمراقبة قد تداري وتعالج بعض العيوب ولكنها لا تستطيع أن تنزع ذاتية المخرج التي تطبع العمل.


جون بيلجر

في الوقت نفسه هناك صعوبة تعتري احتفاظ المخرج بذاتيته، التي قد تكون صحفية، وهو يخطو بأعماله نحو مرحلة أخرى يحلّ بها مثل هذه الإشكاليات كي يحافظ على شخصية الفيلم الوثائقي المستقلة. لكن هناك من حقق هذه المعادلة الصعبة وإن بقيت تجربته في إطار الاستثناء وليس الأصل، وهو الصحفي والمخرج الأسترالي البريطاني جون بيلجر John Pilger  والذي بدأ حياته الصحفية في بلده الأم استراليا قبل أن ينتقل منها إلى بريطانيا في السيتينات، وكان مراسلا حربيا أثناء حرب فيتنام وأول مراسل أجنبي يصل لمصر لتغطية حرب أكتوبر 1973. أنتج أول فيلم بعنوان "التمرُّد الصامت" عن تمرد المجندين الأمريكيين في الجيش الأميركي في فيتنام عام 1970 ويرى بيلجر أن الفيلم كان أحد الأسباب القوية التي أخرجت الولايات المتحدة من فيتنام لكونه يتحدث عن تفكك الجيش الأميركي من الداخل.
يمثل بيلجر تجربة صحفية فريدة على مدار أكثر من نصف قرن في الجمع بين العمل الصحفي والعمل الوثائقي. فاستقلاليته المهنية وحرصه على إنتاج أفلام وثائقية تعرض على شاشات السينما وهو يحمل بوضوح أفكاره وآراءه شديدة القسوة ضد قوى الهيمنة الدولية وخاصة سياسة الولايات المتحدة الخارجية جعلت منه ظاهرة تستحق التوقف عندها. وأهم ملامح هذه الظاهرة هي القفز بالفيلم الوثائقي الذي يلعب فيه الصحفي دورا رئيسيا من شاشات المهرجانات السينمائية وربما بعض القنوات التليفزيونية إلى شاشات السينما في العالم. حيث احتفظ جون بيلجر بذاتيته كصحفي  في العمل الفني لكنه، وبمساعدة فريق عمل بالطبع، لم يتنازل عن جماليات ونسق الفيلم الوثائقي. ويسوق بيجلر تعريفا للصحافة، يصلح لأن يكون أحد القواسم المشتركة الهامة بين العمل الصحفي والعمل الوثائقي من حيث المضمون، إذ يرى أن "الصحافة في الأساس تتمحور حول الإنسانية وحول الذاكرة وتُعدّ ضمانة ألا ننسى" أي أن للصحافة دورا توثيقيا لا يقل أهمية عن دور الفيلم الوثائقي.

ولاشك أن التفاعل لا يزال قائما بين الصحافة والفيلم الوثائقي ليس فقط لأوجه الاستفادة المتبادلة بين كلا المجالين ولكن لأن التقدم التقني أيضا يلعب دورا هاما في إزالة الحواجز شيئا فشيئا بينهما، حيث أصبحت أدوات التصوير فائق الجودة متاحة في أيدي الجميع فضلا عن برامج المونتاج المبسطة. لكن هذا التفاعل يستدعي لمواكبة ضبط فني على مستوى نشر ثقافة معايير الأداء لا يتخلى فيها الفيلم الوثائقي عن شخصيته وجمالياته ولا تتنازل فيها الصحافة عن قواعدها المهنية. وقد يحتاج الفيلم الوثائقي للجانب الأكبر من العناية في ظل الانتشار المتسارع للوسائط الصحفية.

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...