نقد سينمائي

"امرأة من ذهب" تعود لوريثتها الشرعية

عدنان حسين أحمد

يتمحور فيلم "امرأة من ذهب" Woman In Gold على ثيمة رئيسية مفادها استعادة لوحة "آديل بلوخ باور 1" التي رسمها الفنان النمساوي "غوستاف كليمت" عام 1907 وصادرها النازيّون قبل الحرب العالمية الثانية مع خمس لوحات أخر ظلّت بعيدة عن وريثتها الحقيقية لمدة 68 عاما قبل أن تُصدر محكمة نمساوية قرارًا بإعادتها إلى وريثتها الشرعية "ماريا ألتمان" التي هربت إلى أميركا واستقرّت هناك لتكون جزءًا من نسيج المجتمع الأميركي الذي يضمن للإنسان حقوقه، ويطالبه بتنفيذ الواجبات المُلقاة على عاتقه.
وعلى الرغم من هيمنة المعركة القانونية التي نشبت بين الوريثة الشرعية لهذا العمل الفني الأيقوني من جهة والمحكمة النمساوية من جهة أخرى، إلاّ أن الفيلم برمته، عنوانًا ومتنًا، يحيلنا إلى الجوانب الفنية المتألقة لغوستاف كليمت الذي ترك أثره الواضح على الفنانين النمساويين المعاصرين وعلى الأجيال الفنية اللاحقة التي تأثرت به، وحاولت أن تتبع تقنياته، وتستلهم رؤاه الفنية التي غيّرت ذائقة المجتمع النمساوي برمته.
تبدأ وقائع الفيلم في لوس أنجلوس عام 1998حيث نشاهد جثمان لويزا، شقيقة ماريا ألتمان، وهو يُوارى الثرى. فلا غرابة في أن تعبّر عن إحساسها بالخسارة، وتكشف عن شعورها الحادّ بالفقدان.

وفي أثناء الحديث مع صديقتها القديمة بربارا تسألها عن أوضاع ابنها "راندول شوينبرغ" فنفهم أنه محامٍ انتقل إلى "باسدينا" وأسّس شركته القانونية الخاصة به لكنه لم يتوفق في العمل الفردي، الأمر الذي دفعه للانخراط في العمل الجماعي في شركة استشارية كبيرة كي يتقاضى راتبًا مُجزيًا يؤمّن لأسرته لقمة العيش ويسدّد قروضه الدراسية التي تراكمت عليه لمدة سبع سنوات.
ينتمي راندول هو الآخر إلى أسرة فنية، فجدّه هو الملحن الموسيقي الشهير "آرنولد شوينبيرغ"، صاحب تقنية الاثنتي عشرة نغمة الذي "تفادى هيمنة الفكرة اللحنية المركزية" وهو معروف جدًا في الأوساط الفنية والثقافية الأوروبية والأميركية على حدٍ سواء.
لقد أُعجب شيرمان بحماسة راندول وقرّر إسناد أول قضية قانونية ترِد إلى شركتهم. وعلى الرغم من جهله المطبق بقضايا "الاسترداد الفني" فإن قضيته الأولى التي تسنُدها إليه السيدة ألتمان تتعلق بعملية استرداد لوحة "آديل بلوخ باور 1" لغوستاف كليمت التي يصفها نقاد الفن التشكيلي بأنها "امرأة من ذهب" أو "الموناليزا النمساوية" التي أصبحت رمزًا وطنيًا، وأيقونة فنية تشكّل جزءًا حيويًا من الهوية الثقافية النمساوية.

البنية المتماسكة

يرتكز فيلم "امرأة من ذهب" على بناء معماري رصين يستمد قوته الأساسية من القصة السينمائية المُتقنة التي أبدعها كاتب السيناريو اليوناني "ألكسي كاي كامبل" وعزّزها بالحوارات المثقلة بالأفكار المتوهجة والآراء الثاقبة التي لا تغادر ذاكرة المتلقين خصوصًا فيما يتعلق بالسيدة ماريا ألتمان التي جسّدت دورها بإتقان شديد الفنانة البريطانية "هيلين ميرين"، والفنان الكندي "رايان رينولدز" الذي تألّق هو الآخر في تأدية دور المحامي وتمكّن بعد صراع طويل من استرداد هذا العمل الفني الذي يُعدّ أنموذجًا للتراث النمساوي الذي لا يُقدّر بثمن، والممثل الألماني- الأسباني دانيال برول "هيوبرتوس تشرنين" الذي آزر المحامي وموكلته في الوصول إلى هذه النتيجة المشرِّفة التي أعادت الأمور إلى نصابها الصحيح، وأرجعت هذا الإرث الفني إلى أصحابه الحقيقيين.

إن التركيز على هذه الشخصيات الثلاث لا ينفي بالضرورة أهمية الأدوار التي جسدّها بقية الفنانين وهم كُثر ومن بلدان مختلفة. فالفيلم السينمائي هو عمل جماعي بامتياز، بل هو يُشبه الطاقم السيمفوني الذي يُكمِّل بعضه بعضا.
في اللقاء الأول الذي جمعَ السيدة ألتمان بالمحامي "راندي" كما تحب أن تسمّيه، أرتهُ بعض الصور العائلية كي تُحيطه علمًا بشقيقتها الراحلة لويزا ووالديها غوستاف وتيريزا، وعمّها المليونير فرديناند الذي جمع ثروته من تصنيع السكّر  والمتاجرة بالأعمال الفنية التي كانت تدرّ عليه أموالاً طائلة، هذا إضافة إلى زوجته آديل التي فارقت الحياة مبكرًا بسبب التهاب السحايا، وقد كُلِّف غوستاف كليمت برسمها مرتين خلّد فيهما وطنًا بكامله.
لا شك في أن الفيلم مُستمَّد من قصة حقيقية حدثت على أرض الواقع وقد التقط الكاتب خيوطها الرئيسية، وليس بالضرورة أن تتطابق الوقائع والأحداث حرفيًا فثمة مساحة للحذف والإضافة والتعديل بما يتناسب مع رؤية كاتب النص ومخرج الفيلم الذي ارتأى أن يقدّم خطابه البصري على وفق الصياغة السردية التي رآها مناسبة لاحتواء التيمة الرئيسية والأفكار المؤازرة لها.

عثرت ألتمان بين ممتلكات شقيقتها الراحلة لويزا على بعض الرسائل الموجهّة من محامي العائلة في فيينا "يوهان رينيش" تتعلق كلها باللوحات التي سرقها النازيون من أسرتها تحديدًا. وبغية تسهيل المهمة على "راندي" فقد ترجمت هذه الرسائل إلى الإنكليزية خصوصًا بعد أن قرأت أخبارًا عديدة في صحيفة النيويورك تايمز بأن الأمور بدأت تتغير في النمسا وأنهم يعيدون النظر في إصدار قوانين استراد الأعمال الفنية والممتلكات الثمينة التي نهبها النازيون من المواطنين اليهود خلال الحقبة المظلمة التي مرّت على الشعب النمساوي.
يقوم الفيلم في جانب منه على تقنية الاستعادة الذهنية "الفلاش باك" التي تصور لنا طبيعة الحياة التي عاشتها الأسر اليهودية في فيينا ومن بينها أسرة ألتمان ذاتها التي مرّ بمنزلها فنانون عظام، وموسيقيون كبار، وكتّاب لامعون بضمنهم الدكتور فرويد والملحن آرنولد شوينبيرغ، جد المحامي راندي. وتذهب ألتمان أبعد من ذلك حينما تقول بأن نصف سكّان فيينا قد حضروا ليلة زفافها!

حين بحثَ راندي في الإنترنت عن القيمة التخمينية للوحة المتنازع عليها وجد أنها أكثر من 100 مليون دولار أميركي الأمر الذي دفعه للقول بأن ألتمان سوف تُصبح ثرية، لكن هذه المقولة لم تجد صدىً طيبًا في نفسها فهي لم تبحث عن الثروة الفاحشة في يوم ما، فكل ما تملكه هو المتجر والقصر وبعض النقود التي ادّخرتها لشراء غسالة صحون جديدة. وإنما هي تبحث عن العدل وإحياء الذكريات القديمة لأن الناس، وخاصة الصغار منهم، ينسون ذكرياتهم بسرعة كبيرة.
لقد قررت ألتمان مواجهة الأشباح، فالنازيون دمّروا عائلتها، وقتلوا أصدقاءها، وأجبروها على التخلي عن الناس الذين تحبهم وتنتمي إليهم، واضطروها لأن تترك المكان الذي أحبته وعاشت فيه ردحًا طويلاً من الزمن. وهذا الأمر لا يقتصر عليها وحدها وإنما على آلاف مؤلفة من اليهود النمساويين الذين كانوا ينتمون إلى النمسا قبل انتمائهم إلى أميركا أو البلدان الأخرى التي استقبلت الشتات اليهودي. ونتيجة للاحساس العميق بالاضطهاد، ومصادرة الكرامة البشرية، فقد قررت أن تتعلم اللغة الإنكليزية وتتحدث بها بوصفها لغة مستقبلها، ولسان مواطنيها الذين استقرّوا في أميركا وإنكلترا على وجه التحديد. وقد تحدثت بالإنكليزية حينما زارت النمسا غير مرة كنوع من الاحتجاج على اللغة الألمانية الأم، وعلى النازية قبل كل شيء. كانت ألتمان تفضل العيش في مدينة فيينا الجميلة التي اضطرّت للهروب منها خشية من انتهاكات النازيين وهي لن تسامحهم على منعها من العيش في المكان الذي أحبّته وتعلقت به حدّ الوله.


لوحة "آديل بلوخ باور"

يشترك راندي في نفس التاريخ فأجداده انحدروا من هناك، بل أن شهرة جدّه الموسيقية قد تحققت في فيينا قبل أن تعبر شهرته المحيط الأطلسي وتصل إلى أميركا. وعلى الرغم من أن راندي منهمك في عمله اليومي إلاّ أن ذلك لم يمنعه من الانغماس في هواجسه الجديدة التي أيقظتها ألتمان فلقد بات يعرف أهمية الأعمال الفنية التي أنجزها كليمت وصار يفكر بأهمية التراث النمساوي الأمر الذي سيدفعه لاحقًا للتخصص في عملية "الاسترداد الفني"، وسوف يساهم في إنشاء بناية جديدة لمتحف لوس أنجليس للهولوكوست.
لم يكن فوزه بالقضية أمرًا سهلاً فلقد استمرت المرافعات أكثر من عقد، كما أن ألتمان نفسها قد تخلت عن القضية بسبب سنها المتقدم، وشعورها بالتعب واليأس، وافتقارها للنقود اللازمة، لكنها عادت إلى تبني قضيتها من جديد بعد إلحاح راندي الذي كان يعاني هو الآخر من مشكلات مادية أوشكت أن تضيّع منه فرصة العمر الذهبية.
أما الشخصية الثالثة التي لعبت دورًا مهمًا في استعادة هذا الأثر الفني فهو هوبيرتوس تشرنين "دانيال برول" الصحفي الاستقصائي الذي قدّم مساعدة منقطعة النظير إلى المحامي راندي وموكلته السيدة ألتمان ورافقهم في زياراتهم إلى المتاحف والجاليريهات ودوائر الدولة الرسمية بحثًا عن الوثائق والمستندات الرسمية. وكان يعرف جيدًا أن النازيين كانوا يريدون إقصاء اليهود من التاريخ النمساوي على الرغم من دورهم الحيوي في بناء المجتمع النمساوي وترسيخ حضارته العلمية والأدبية والفنية على حد سواء.

لقد اعتبرت النمسا أن قضية اللوحة التي تطالب بها السيدة ألتمان هي قضية محلية ويجب أن تُحل ضمن حدود الوطن النمساوي لكن المحامي راندي قد جعل منها قضية دولية حينما نقلها إلى المحكمة العليا للولايات الأميركية وجعل موكلته تقف بالضد من جمهورية النمسا بوصفها بلدًا مُدعى عليه. ونظرًا لتوفر الأدلة القاطعة التي تُثبت أحقيتها بهذا العمل على وجه التحديد فقد قضت المحكمة النمساوية بعودة لوحة "آديل بلوخ باور 1" إلى وريثتها الشرعية السيدة ألتمان التي قررت أن تأخذ هذه اللوحة إلى أميركا وكان شرطها الوحيد أن تُعرض بشكل دائم في "نيو جاليري" في نيويورك. وقد اقتناها "رونالد لودر" بقيمة 135 مليون دولار أميركي. أما السيدة ألتمان فقد بقيت تعيش في البيت ذاته، وتعمل في المتجر نفسه، وقد تبرعت بعائدات اللوحات والرسومات الأخرى إلى عدد من المؤسسات والجمعيات الخيرية وعلى رأسها أوبرا لوس أنجلوس. وقد وافتها المنية عن عمر يناهز الرابعة والتسعين عاما.

الإحساس الفني
إن مَنْ يشاهد فيلم "امرأة من ذهب" يشعر بأن الإحساس الفني خاصة والثقافي بصورة عامة يكاد يكون مهيمنًا على شرائح واسعة من المجتمعين النمساوي والألماني. وعلى الرغم من أنّ عائلة كليمت كانت فقيرة وفق المقاييس النمساوية إلا أن ثلاثة من أبنائها كانوا يتعلمون في مدرسة فيينا للفنون والحرف. وأن الضابط الألماني النازي الذي صادر بعض اللوحات الفنية والممتلكات الثمينة كان يعرف أعمال الفنان هانس هولباين الصغير، ويُدرك أهمية العِقد الألماسي الثمين، ويتحسس أهمية آلة التشيللو ليُدرجها ضمن الأعمال المُصادَرة. فلا غرابة أن تكون لوحة "آديل بلوخ باور 1" هي الفكرة المهيمنة على مدار الفيلم الدرامي الذي بلغت مدته  109 دقائق.
يعرف المجتمع النمساوي خاصة والأوروبي بصورة عامة أهمية غوستاف كليمت كفنان رمزي جريء وأبرز أعضاء "حركة فيينا الانفصالية الفنية" التي رفضت منجزات الفن التقليدي، وتبنّت تقنيات الفن الحديث الذي لا يجد حرجًا في تناول الموضوعات الإيروسية الصريحة كما فعل كليمت والكثير من الفنانين الأوروبيين الذين تأثروا به وساروا على نهجه لاحقًا.

وقفت آديل بلوخ باور، وهي للمناسبة سيدة مُحبة للفن التشكيلي، ومشجّعة للفنان غوستاف كليمت، وصديقة قريبه له. وهي الشخصية الوحيدة التي رسمها مرتين بتكليف من زوجها فرديناند بلوخ باور الذي كان يحبها بشكل منقطع النظير. وعلى الرغم من حرفية الفنان كليمت إلا أن إنجاز هذه اللوحة تحديدًا قد استغرقه ثلاث سنوات. وقد نفذّها الفنان بالزيت والذهب والفضة على القماش. توحي الزخرفة المعقدة والمتطورة بحرفيته التي استقاها من العمل مع والده النقاش وصائغ الذهب الذي زوّده بالكثير من خبراته العملية في هذا المضمار المقتصر على أشخاص محدودين في المجتمع النمساوي. ومن يدقق في تفاصيل هذا العمل الفني المذهل سيكتشف أسلوب "اليوغندستيل" الألماني، أو أسلوب الفن الحديث الذي دهم الأوساط الفنية في تلك الحقبة وكان كليمت أحد الأسماء اللامعة في هذا الاتجاه الجديد. كما أنجز كليمت لوحة "آديل بلوخ باور 2" عام 1912 وقد صادرها النازيون أيضًا وأودعوها في متحف بلفيدير إضافة إلى أربع لوحات فنية لمناظر طبيعية مستوحاة من مدينة فيينا وضواحيها.

أُنجِزت العديد من الأفلام الوثائقية حول تجربة كليمت الفنية، وأساليبه الجديدة، وتوجهاته الفكرية، وعزلته الموحشة لكن يظل فيلم "امرأة من ذهب" نوعًا من التخليد لعمل فني ارتقى إلى مستوى الأسطورة التي أذهلت الناس وجعلتهم يتطلعون إليه بعيون ملآى بالدهشة والمحبة والتبجيل.
لم يبالغ المخرج سايمون كيرتس بإظهار الفظائع والجرائم الوحشية التي ارتكبها النازيون بحق اليهود النمساويين لكنه اكتفى ببعض المشاهد المختصرة التي تكشف عن سلوكية الشخصية النازية التي تذل الآخر، وتمسخه، وتدفع به إلى السجون والمعتقلات بعد أن تجرّده من كل شيء.

تشير خاتمة الفيلم إلى أن عدد الأعمال الفنية التي تمّ إعادتها إلى ورثتها الحقيقيين قد بلغ نحو  100.000عمل فني وأن الدولة ماضية في عملية "الاسترداد الفني" التي لا تطفئ غلواء الضحايا ولكنها تخفف في الأقل من محنهم ومآسيهم الكبيرة التي هزّت الضمير البشري في كل مكان من أرض المعمورة.
وفي الختام لابد من الإشارة إلى أن فيلم "امرأة من ذهب" يُشكِّل علامة فارقة في حياة المخرج البريطاني سايمون كيرتس الذي سبق له أن أنجز ثلاثة أفلام طويلة وهي "ديفيد كوبرفيلد"، "إقامة قصيرة في سويسرا" و"أسبوعي مع مارلين"، هذا إضافة إلى عمله كمساعد مخرج مع المُخرجَين البريطانيين المعروفَين داني بويل و ماكس ستافورد - كلارك اللذين أنجزا العديد من الأعمال المسرحية المهمة.

قد ينال إعجابكم