نقد سينمائي

"المُتنبِّيء".. في محنته !

قيس قاسم

في فندق فخم وسط العاصمة التايلاندية بانكوك جلس المُحلِّل والاستشاري المالي ذائع الصيت "مارتن أرمسترونغ" أمام قاريء لعب الورق "كوتشينة" وأخذ يستمع إلى تكهنّاته وتخميناته للمستقبل القريب الذي ينتظره، يوافق على بعضها بهزات خفيفة من رأسه فيما الابتسامة المتحفظة لا تفارق وجهه. بهذا المشهد الافتتاحي أراد المخرج "ماركوس فيتر" تجسيد رؤيته للمفارقة الحادة التي وسمت حياة رجل اقترنت شهرته بقوة تنبؤاته الاقتصادية المستندة على التحليلات العلمية والتاريخية والشديدة الأهمية في عالم المال لدرجة أُطلق عليه لقب "المتنبىء"  The Forecaster والذي اتخذّه الوثائقي النمساوي عنواناً لنفسه، ليجاري به من سبقه في التعريف برجل أعمال قوة تنبؤاته الاقتصادية وخطورتها قادته إلى السجن وأفلسته، لكنه عاد ثانية من تحت الركام وسط ذهول الوسط والجهات التي ساهمت في إبعاده عن مواقع التأثير في أسواق المال العالمية وظنونهم بانتهاءه.

بين المرحلتين ـ قبل السجن وبعده ـ تجري أحداث شريط، عمل ما بوسعه لرسم بورتريه عن أرمسترونغ مع حرص شديد على قراءة أفكاره ونظرياته الاقتصادية التي أرعبت قادة دول وبنوك عملاقة لما فيها من كشف جريء لسياساتها المالية وعلاقتها المباشرة بفكرة  التبعية السياسية والهيمنة على مقدرات دول العالم عبر "لعبة" أطلق عليها اسم "الهرم" وفيها كما يثبت الوثائقي، قبل الشروع برسم تفاصيل شخصيته الاستثنائية: إن رأس المال وعبر تاريخه الطويل توصل إلى بناء هرم اقتصادي عملاق أساسه القوي الديون وبشكل خاص المقدمَّة إلى البلدان الأجنبية.. وأن هذا النظام الهرمي "المخادع" خاضع في عمله لنظام استثمارات مزيف يدّعي أن الأرباح المستوفية منها تدعم الاستثمارات الجديدة، والحقيقة أنه وبدون هذه "الديون" وليس الأرباح ،  لا يمكن للنظام السياسي والاقتصادي أن يستمر.

هذا على المستوى النظري، أما على مستوى قراءة معطياتها التفصيلية والتوقُّع المدروس بمسار وتقلُّبات حركة رؤوس الأموال في أسواق البورصة العالمية، فيقدم تحليلات مدهشة في طياتها تخمينات بالمتغيرات السياسية المستقبلية، وغالباً صحيحة، ما أخاف أجهزة المخابرات الأمريكية فعملت للحصول على المعلومات والمفاتيح السرية "الكودات" التي بحوزته وهي كلها من بناة أفكاره.
يعود الوثائقي النمساوي إلى صاحب "لعبة الهرم" في نيويورك 2011 ليسجل محاضرته الأولى بعد إطلاق سراحه، وقد حضرها حشد من رجال الأعمال والخبراء الاقتصاديين من كافة أنحاء العالم. جاؤوا للاستماع إلى تحليلاته وتصوراته للقادم من أيامنا وأيضاً لرؤيته.

فالرجل لم يفقد شعبيته طيلة السنوات التي غاب فيها عن الأنظار وما زال يتمتع بشعبية كبيرة وعنده أصدقاء مخلصين. على شهادات بعضهم بحقه بنى الوثائقي متنه الحكائي فيما ترك له وللتسجيلات القديمة والوثائق والرسومات التوضيحية مهمة إكمال نصّه البصري وهكذا ظهر الشريط واغتنى بالشهادات وبالحقائق.
وككل رسم وثائقي لشخصية إشكالية لابد لصانعه من الإلمام بجوانب متعددة من حياته، لذا عاد إلى طفولته حيث نشأ وسط عائلة متوسطة رعت اهتمامه ونبوغه المالي حين لاحظت ميله إلى جمع العملات المعدنية القديمة وبيعها فشجعته ومنعت إيقاف حماسته العالية  للربح من إكمال دراسته في علوم الكومبيوتر، الاختصاص النادر وقتها، والذي وجد أرمسترونغ ميله الربحي يتناسب مع ما يوفِّره له من إمكانيات لحفظ الأرقام والتواريخ. لقد صنع ولعه في التاريخ ودراسته للكومبيوتر وحبه للمال شخصاً متفرداً توصل إلى نتائج لم يسبقه إليها أحد.

يراجع الوثائقي ما توصل إليه عبر مقابلات وآراء علماء اقتصاد ورجال أعمال أجمعوا على أن دراسته لتاريخ العملات أوصلته إلى نتائج قابلة للتطبيق في وقتنا الحالي، وبالتالي تمَّكن من ربط التاريخ بالحاضر بإحكام وهذا ما أعطاه قوة حضور كبيرة في سوق البورصة، لأنه وبسهولة كان يعرف على وجه التقريب متى سترتفع قيَّم الأسهم ومتى سينهار السوق وذلك وفق تحليله لملايين الأرقام ودراسته لمراحل طويلة من حركة الأموال تعود إلى ما قبل 6000 سنة قبل الميلاد. نظريته تقول ببساطة: أن الأزمات الأقتصادية وعلى طول التاريخ البشري، منتظمة ودورية، وأن السوق يؤشر إليها ويعرفها قبل بقية الناس لهذا السبب اكتسبت توقعاته قوة الحقيقة فزاد الطلب عليه كمستشار لكثير من البنوك، لكنه أراد أن تكون أكثر ثمار عمله لنفسه فأسّس شركة "برينستون إيكونوميك" وقد بلغت أرباحها المليارات وصار اسمه "المتنبىء" على كل لسان في حقل المتاجرة بالعملات والبورصة، وقادته دون أن يدري تنبؤاته السياسية المَبنيّة على مراقبة وتحليل حركة رؤوس الأموال إلى المصير المشؤوم الذي واجهه.

يقدم في محاضرة له أمثلة، واحدة منها لها علاقة بلبنان والحرب الإسرائيلية العربية التي تنبأ بنشوبها في الثمانينات حين لاحظ حركة تحويل سريعة وكبيرة تقوم بها البنوك اللبنانية إلى الخارج، وبعد دراسة معطيات الحاسوب وتاريخ الأزمات الاقتصادية في المنطقة، توقع الحرب وبالفعل وقعت.
 نفس الشيء حين قامت الجارتان العراق وإيران بقصف السفن التجارية في الخليج العربي، توقع بداية صراع عسكري طويل هناك وبالفعل وقع! ومثله مثل كل عالم فقد أحال تنبؤاته إلى الوقائع لا إلى حاسوبه وحصافته فحسب، وكان يكرر على طول الخط "الحاسوب لا يشعل الحروب ولكن العارفين باحتمال نشوبها سرعان ما يبدأون بنقل أموالهم إلى أماكن أخرى".

يتوقف الوثائقي وأرمسترونغ طويلاً عند التجربة الروسية لأنها في نهاية المطاف ما قاده إلى السجن ويقدم شهادة نادرة عن توقعاته السياسية لما حدث في ذلك البلد. لقد سجل الحاسوب الخاص به حركة نقل ما يقارب 150 مليار دولار أمريكي من البنك المركزي الروسي إلى الخارج في بداية عام 1998 وعلى ضوئها أعلن احتمال تغيير مرتقب في البلد الاشتراكي الأكبر. قناعة عزّزها إعلان البنك الدولي طلب روسيا لقرض كبير منه.
يتوقف الوثائقي ليفهم ما يقوله أرمسترونغ عن الدول والقروض فهو كثيراً ما يردد كلاماً حاداً عن تلك العلاقة ويصفها بالاستغلالية فالبنوك بالنسبة إليه هي من يقود الدول وليس العكس.

واحدة من توصيفاته الدقيقة حسب ما سيقودنا صانع الوثائقي النمساوي "فيتر" إليه وعبر الصور والتسجيلات الدامغة لرحلته البانورامية مع تاريخ العملات والبنوك؛ إن القروض وسيلة للسيطرة "الجيوسياسية" وحسب ما يعرضه "المتنبىء"؛ فإن الدولة الوحيدة في العالم التي أعادت ديونها هي رومانيا، أما البقية فقد سدّدتها بمواقف سياسية وجغرافية والبنوك تعرف أن الدول تستدين لا لكي تسترجع الأموال التي أخذتها بل من أجل تعويض خساراتها والتستُّر على سرقات قادتها أو حماقاتهم السياسية.
يفضح أرمسترونغ الضغوطات التي مارستها وكالة المخابرات الأمريكية "س.آي.ايه" لإجباره على التعاون معها لكنه رفض. ورفض أيضاً أن يكون مستشاراً اقتصادياً لشخصية روسية لم يكشفوا هويتها له، ولكن في النهاية ظهرت: بوريس يلتسين. وطلبوا أيضاً منه منحهم بعض ما يتوفر عليه حاسوبه من أرقام حول الوضع المالي لروسيا، التي جندّوا كل قوتهم المالية وبنوكهم من أجل استيعابها ونجحوا في النهاية في نقل السلطة إلى بوتين.
في هذا الجانب ومثله الكثير والمذهل يقدم أرمسترونغ معلومات خطيرة عن الكيفية التي أجبروا فيها أصحاب بنك نيويورك الرئيس بوريس يلتسن على سحب ترشحيه بعد أن هدّدوه بكشف حسابات الدعم المالي المقدم له من أجل تعزيز قوته ثم الوصول إلى دفة الحكم.

رفضُ "المُتَنَبْىء" لم يكن نابعاً من موقف سياسي معارض فهو ابن المؤسسة المالية الأمريكية والقريب من اليمين السياسي الغربي  وبخاصة ريغان وتاتشر، لكنه كان يملك حس العالِم الموضوعي في أحكامه وكان خائفاً في نفس الوقت من التورُّط المباشر في السياسة.
خوفه لم يشفع له فأجهزة المخابرات الأمريكية قررت السطو على مخزونه الثمين: الحاسوب و"الكودات"، وهنا ينتقل الوثائقي إلى مرحلة شديدة السواد من حياة "المتفرد".

لم ينفع معه الضغط والتهديد فقرروا حبسه بتهم ملفقة. أدخلوه السجن الانفرادي لكنه لم يُسلِّم حاسوبه إليهم ولم يعطيهم مفاتيح سجلاته وكل خبراءهم فشلوا في فك رموزها لأنه كما سيكشف في النهاية لم يسجلها في أي مكان بل حفظها عن ظهر قلب، ولهذا فكل جهودهم ذهبت عبثاً.
 قرروا الإفراج عنه بعد أكثر من عشر سنوات سجن بشطبة قلم وبمقايضة شكلية اعترف فيها بمسؤوليته عن عمليات فساد تخص مشروعه "لعبة الهرم"، ليخرج ثانية ويعلن للملأ ما تعرّض له من عسف واضطهاد جسدي ونفسي لأنه رفض تسليمهم ما يملك.

أما الوثائقي فأراد استغلال عودته وتسجيل ما سيتنبأ به مستقبلاً. للأسف كل توقعاته لا تُبشِّر بخير، فلائحته للمنتظر من أحداث اقتصادية مرهونة بتغيرات سياسية شديدة السواد. ولأن الشريط الوثائقي نشد الحياد فقد سجّلها وعرضها وترك أمر تحقيقها من عدمه للتاريخ كما كان يفعل حاسوب أرمسترونغ، وقراءاته العجيبة لعالم المال، والتي تحولت على يد النمساوي "ماركوس فيتر" إلى منجز سينمائي كثير الأهمية، تعرفنا عبر زمنه المكثف على تجربة رجل قادم من ذلك العالم "الغامض" والمُقرِّر لمصائر شعوب ودول، مشكلته الوحيدة معه ومع مُستغلِّي قوته أنه رفض تسليم ما صنعه بنفسه وبعرق جبينه إلى الذين يريدون كل شيء في العالم، لهم، بكل الطرق وأفظع الأساليب!

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...