نقد سينمائي

"من كاليجاري إلى هتلر"

محمد موسى

يستعير الفيلم التسجيلي "من كاليجاري إلى هتلر" From CALIGARI To HITLER للمُخرج والناقد الألماني" روديغر زوغسلاند" عنوانه من كتاب شهير للكاتب والناقد السينمائي الألماني "سيغفريد كراكاور" صدر في عام 1947، عن السينما التعبيرية الألمانية التي انطلقت قبل عقد ونصف من وصول الزعيم النازي هتلر إلى الحكم في عام 1933.

يُركز الفيلم وكحال الكتاب على الموضوعات والاتجاهات الفنيّة واللغات البصرية الجديدة التي أدخلها المخرجون الألمان إلى السينما في بلدهم، والتي عاشت فترتها الذهبية في عهد جمهورية فيمار المضطربة. إذ كانت سنوات العشرينات من القرن الفائت الأغنى والأكثر خصوبة للسينما الألمانية، حتى أن تأثيرات تلك السينما وصلت إلى سينمات عديدة حول العالم، كما أنها لا زالت تحتفظ بمكانة مهمة كواحدة من السينمات المُؤسسة، مُؤثِّرة في ما ينتج اليوم من أفلام، من أوروبا إلى هوليوود.

يعود المخرج إلى سينما بلده قبل دخولها نفق النازية المُظلم في عقد الثلاثينات، والذي قاد إلى الحرب العالمية الثانية التي دمرّت البلاد بالكامل. العودة هذه لن تكون سينمائية فقط، بل هي تقترب في مواضع من الدراسة السوسيولوجية عن حال المجتمع الألماني في حقبة جمهورية فيمار المتوترة، وكيف تفاعلت السينما كفنّ وليد مع الأسئلة الكبيرة للمجتمع الألماني آنذاك، المنهك من آثار الحرب العالمية الأولى التي خرج منها للتوّ، وهي الحرب التي قتلت ملايين من مواطنيه.  يوازن المخرج في تعليقاته التي ترافق هذه الرحلة التاريخية بين التحليل النقدي الفنيّ للسينما القلقة المجددة والتي استمتعت بأجواء الحرية وقتها، وبين ما كان يحدث خارج قاعات السينما، في الشارع الألماني، الذي ظهر رمزياً وأحياناً فعلياً في تلك الأفلام، التي بلغت مرتبة متقدمة كثيراً في بحثها عن مُعالجات توازي الاختلال الذي يحدث في البلد والعالم.

يجمع الفيلم مشاهد أرشيفية لأبرز أفلام تلك الحقبة، خالقاً مساراً نقل إلى حد كبير مضامين وملامح  السينما التعبيرية الألمانية، هذا رغم أن ثمانين بالمئة من الأفلام الصامتة التي أُنتجت في تلك السنوات دُمرّت أو أُتلفت في سنوات الحرب العالمية الثانية، أو على أيدي النازية، التي اعتبرت تلك السينما التجريبية برسائلها الغامضة المضطربة وسردها المشتت، لا تعبر عن الصفاء الفنيّ للفكر النازي من جهة، أو عن البلد بشكل عام، والذي عاد في منتصف الثلاثينات ليُشكِّل تهديداً جديداً للسلم العالمي. يقود المخرج مشاهديه بين طلاسم ورموز السينما التعبيرية، فيُحلِّل بعض ألغازها، ويُفسّر، وهو الناقد السينمائي، "الموتيفات" التي تكرّرت في سينما تلك الفترة، وتكرر الإشارات الرمزية لما خلّفته الحرب العالمية الأولى من خسائر مادية وروحية، والخوف من حكام متطرفين جُدد.

يُركِّز الفيلم التسجيلي على مجموعة الأفلام المُؤسِّسة لتلك الحقبة، فيولي فيلم "خزانة الدكتور كاليجاري" للمخرج روبرت وين (1920)، مكانة مهمة، ذلك أن الفيلم يُعَد تجديداً مُهماً للسينما وقتها في معالجته لتركات الحرب والخسارة والتي رمز إليها بشكل صوري مضطرب، وأيضاً بسبب قصتة الغرائبية التي حملت كثير من المضامين الاستفزازية. تحظى أفلام المخرج "فريتز لانج" على أهمية كبيرة في هذا الفيلم التسجيلي، إذ يعتبرها الأخير وإلى جانب أفلام المخرج فردريش مورناو، أهم ما أُنتج في تلك السنوات. كما يمرّ الفيلم على أفلام شهيرة، مثل "برلين: سيمفونية مدينة كبيرة" للمخرج "والتر روتمان" الذي يُقدِّم الحياة اليومية في مدينة برلين في العشرينات، إذ بدأت المدينة الكبيرة تجذب صنّاع السينما بمشهدياتها الضخمة والتركيبات الاجتماعية المعقدة التي تؤلف بنيتها السكانية والإيقاع الخاص الذي صار يُميِّز الحياة فيها. كما يبرز الفيلم التسجيلي أفلام روائية صامتة، سبقت باتجاهاتها الفنيّة بعقود الواقعية الإيطالية والموجة الفرنسية الجديدة، بتقديم سينما متحررة من أطر الصناعة السائدة وقتها، ومنطلقة للبحث عن قصص وأساليب جديدة مع مجموعة من الممثلين غير المحترفين، كاسِرة – حتى في ذلك الوقت – تقاليد السينما التي كانت نفسها فتية كثيراً.

إلى جانب تعليقات المخرج الذي لن نراه في الفيلم، يحاور هذا الأخير مجموعة من المختصِّين في السينما التعبيرية الألمانية في أوروبا والولايات المتحدة. أضاءت هذه الحوارات بعض الوجوه المخفيّة والرسائل المبطنّة التي حملتها السينما التعبيرية الألمانية، لكنها في المقابل بدت خارج مناخ وروح الفيلم. الذي كان سيكون أجمل وأكثر تأثيراً لو تُرك ليغوص بالكامل في سينما الأسود والأبيض الصامتة، كرحلة عبر الزمن إلى البلد الذي كان خائفاً ومتوتراً ومنكوباً، لكنه قدم تحفاً سينمائية عديدة. من جانبها كانت تعليقات المخرج الصوتية مناسبة تماماً لأجواء الفيلم..، فهو يعرف متى يجب السكوت، وإذا تكلم تتضمن تعليقاته الكثير من الشاعرية والتحليل والحنين إلى زمن مهم منسيّ من تاريخ بلاده، عندما تصدّرت السينما ولفترة وجيزة الفنون الأخرى، وكان يُمكن لها أن تواصل تطورّها الشكليّ، لولا دخول الصوت إلى السينما في نهايات عقد العشرينات من القرن الماضي، وبعدها صعود النازية في البلد الذي قضى فعلياً على تلك السينما الوليدة.

يُورد الفيلم وبعد نهاية دقائقه، قائمة بالمخرجين والنجوم الألمان الذين تسنّى لهم مغادرة ألمانيا بعد صعود النازية في بداية الثلاثينات، ليعيشوا في أمكنة عديدة حول العالم. القائمة طويلة، وتشمل أبرز الأسماء المعروفة وقتها. في الحواشي الختامية تلك، إشارات للبلدان التي سيموت ويُدفن بها أولئك السينمائين، إذ عاش ومات الكثير منهم خارج ألمانيا، ولن يعود منهم إلا القلة.. بل بعضهم لم يرجع أبداً إلى بلد الآباء بعد سقوط النازية. البعض من تلك الأسماء السينمائية اللامعة حقّق نجاحات في عاصمة السينما في هوليوود، في حين اكتفى أغلبهم بالقيام بأعمال تقنية في الولايات المتحدة، لتنتهي بذلك حركة سينمائية فريدة من عمر السينما، وبأغلب صانعيها، منفيين على الجانب الآخر من العالم.

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...