نقد سينمائي

"عاصفة فوق أنديرنا"

 
قيس قاسم

تقودنا الشابة جوزفين عبر "عاصفة فوق أنديرنا" إلى أعماق البيرو في رحلة بحثها عن خالتها التي سمعت بها من والدها وأرادت التأكد من حقيقة دورها السياسي الذي غالباً ما كان يختصره لها بـ"مناضلة ضحّت بنفسها من أجل حقوق الفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية" إلى جانب رغبة كامنة في داخلها لمعرفة بلادها التي لم تولد بها، ولم تزرها إلا هذه المرة بصحبة فريق عمل سينمائي وافق على فكرتها وقبل بمهمة البحث التي قررت القيام بها دون رغبة والدها واكتفت، بعد وصولها إلى الأراضي المجهولة، بمناجاته عبر مونولوجات داخلية، مضامينها اعتراضية، مشحونة بالمكاشفات الصارخة مع الذات والرغبة الصادقة  في معرفة "الآخر"، الذي ظلّ غامضاً طيلة سنوات حياتها العشرين.

 وأرادت اليوم رفع السرية عنه بالمجيء وحدها إلى المكان الذي عاشت فيه خالتها وخاضت فيه نضالها السياسي، وفق الحكاية المنقولة لها في السويد، البلد الثاني لوالدها الذي أقام فيه قبل أكثر من ثلاثة عقود، شهدت بلاده خلالها حرباً أهلية كان لأخته "أوغستا لاتورا كاراسكو" وزوجها "إبيميل غوزمان" دوراً بارزا فيها.

في البداية يوحي لنا "عاصفة فوق أنديرنا" Storm over Anderna  بأنه جاء برفقة الشابة للتعرُّف على حياة بطلة مطلقة الإيجابية، ما دامها، كما في السيرة العائلية المتدوالة، تدافع عن الفقراء وتريد المساواة، غير أن الأمر ومنذ اللحظة الأولى لهبوطها الأراضي البيروفية بدا مختلفاً حين سمعت أراءً ووجهات نظر متناقضة مع الصورة المُترسخّة في ذهنها لا حول دور خالتها السياسي فحسب، وإنما في مجمل مسيرة منظمة "سينديرو لومينوسو" اليسارية المتطرفة التي قادت الكفاح المسلّح في بداية الثمانينات ضد السلطة البيروفية وراح ضحيته أكثر من 70 ألف إنسان.

سيختلف في تقويمها المشاركون فيها والمعارضون لها إلى درجة سيُغير معها الوثائقي من طبيعته كباحث عن شخصية واحدة "مركزية" إلى شاهد على انقسام حادّ بين البيروفيين حول قراءة تاريخهم السياسي، ما سيضع الشابة جوزفين أمام حقائق جديدة، تهزّ كيانها بقوة وتدفعها لإعادة النظر بدور قريبتهاـ كما سمعته من والدهاـ إلى درجة ستبدو فيها رحلتها إلى بيرو كما لو كانت بحثاً جديداً عن وقائع سياسية وعسكرية أحدثت شرخاً عميقاً في البنية الاجتماعية وعلى المستوى الشخصي أزالت الغشاوة عن عيونها.

خلال ساعتين تقريباً يتنقّل "عاصفة فوق أنديرنا" بين مستويات سردية متنوعة، تبدأ من المونولوج الداخلي وتنتقل إلى قراءات في التاريخ البيروفي،  قديمة وحديثة، بصوت مسموع، وتغتني على طول الخط بتعليقات على تسجيلات فلمية وتلفزيونية قديمة ثم تعرج على مناكفات شخصية متباينة الطابع: عصبية ومتوترة أحياناً وهادئة في أحايين أخرى، خاضتها الشابة السويدية التكوين والثقافة، والبيروفية الأصل، مع شخصيات أخرى ظلّت لصيقة مكانها وما زالت المآسي توجعها.

وعلى المستوى الفني يغتني متنه وعلى طول زمنه بجماليات مشهدية باهرة فرضتها طبيعة البلاد وريفها البريّ رغم حرص المخرج السويدي الألمعي "ميكائيل فيستروم" على تقديمها ضمن سياق الأحداث لتبدو كجزء من المشهد العام لبلاد عانت من ويلات الطغم العسكرية ومن التطرُّف اليساري السياسي فلم ينعم أهلها الفقراء بما تجود به الطبيعة عليهم من جمال وغنى.
تظهر على سطح الوثائقي شخصية ثانية اسمها "فلور" ستلازم جوزفين طيلة الوقت وتلعب دور "المدعِّي العام" في قضية خالتها.

فالشابة، التي التقتها جوزفين وسط الأحياء البائسة المحيطة بالعاصمة ليما، وجلّ قاطنيها من نازحي الأرياف التي أُخليَّت من شبابها إبان الأحداث الدموية خوفاً من بطش الجيش، تريد بدورها معرفة مصير أخيها المفقود في الأحداث وتُحيل سبب ما تعرض إليه وما ألَّم بعائلتها من مصائب إلى خالتها ومنظمتها اليسارية المتطرّفة التي كانت وراء اندلاع الحرب الأهلية وهي من دفعت بالفلاحين إلى حمل السلاح ومقارعة النظام العسكري.
 بدورها السلطات البيروفية وصمت أوغستا بـ"الإرهابية" وفي المتحف الوطني علقت بعض موجوداتها ولافتة تحمل اسمها وتصفها بـ"خائنة الأمة".

التناقض والتنافر في المواقف يتجلّى في المشاهد الأولى للشريط فالسويدية جاءت لمعرفة المزيد عن خالتها "البطلة" الطبقية و"فلور" تعتبر حركة "سينديرو لومينوسو" وعائلتها صاحبة الأملاك والأراضي مسؤولة عن خسارتها أخيها، طالب الطب والمعتمد عليه في تحسين أحوالهم البائسة مستقبلاً.
 أما الدولة فعلى موقفها؛ فكل من يعارضها: خائن وإرهابي. وقع الصدمة من شدة التناقض في تقويم خالتها سيجرح مشاعرها ولحساسيتها العالية ستظل طيلة مدّة تواجدها ومقابلتها الناس في البيرو دامعة العينين حزينة، كلما انزاح حجر من فوق قلبها ظهر حجر آخر! فالتناقضات كثيرة والمشتركات قليلة، ومع هذا ظلّت الفتاتان متلازمتين وذهبتا سوية إلى أنديرنا وإلى قريتيهما لسماع شهادات الناس عما جرى خلال الحرب الأهلية وحجم مسؤولية الخالة، بوصفها الشخصية الثانية في المنظمة اليسارية، عن اندلاعها.

فيما تؤكد شهادات أغلبية الفلاحين المتضررين من "الثورة المسلحة" تورُّط سكانها بالانضمام إليها لعدم درايتهم بما ينتظرهم مستقبلاً ويصرّون على أنها وقادتها قد قاموا بخداعهم بالشعارات البرّاقة وغرّروا بشبابهم بوعود الخلاص النهائي وبناء عالم جديدـ
تؤكِّد أقوال آخرين عايشوا التجربة وتعرّفوا على خالتها وزوجها بأنهما كانا مؤمنين بما يقومون به وأن إخلاصهم وتوافقهم مع مبادئهم قادتهما إلى قناعة بضرورة حمل السلاح لأن الحلول السلمية لم تُجدِ نفعاً مع الديكتاتوريات العسكرية والبرجوازية السياسية المستفيدة من تحالفها معها.

على المستوى النظري آمن الزوجان بالنظرية الماوية وتشبعا بها، ووجدا في تطبيق تجربة الصين ما يناسب فلاحي البيرو. على المستوى العملي برهنا على تمسكهما بالقيّم التي دعوا إليها والتسجيلات القديمة التي يظهر فيها زوجهاـ بعد انكشاف مكانه السريـ وقد زج داخل قفص حديدي وضع أمام بلدية العاصمة ليما وهو يعلن بعلو صوته النصر وبحتمية الثورة القادمة. شهادة ساطعة القوة على تمسكّه بأفكاره ودفاعه عنها رغم اقتراب لحظة النطق بالحكم عليه موتاً!
وبنفس القدر تظهر محاضر سرية للتنظيم وشهادات قياديين وصحافيين أنهما انحرفا بقوة نحو التشدُّد ولم يتركا مجالاً للحلول السياسية مهما بدت واهنة وغير مجدية وقتها.

في وسط الجدل المحتدم والتناقض في المواقف راجعت جوزفين تاريخ بلادها الأصلية فتوصلت إلى نتيجة متطابقة مع ما توصل إليه المؤرخ "غومان بوما" حين درس تاريخ الاحتلال الإسباني لها ووجد أن فلّاحي تلك البلاد ومنذ دخول الإسبان لأراضيها لم تتحسّن أحوالهم وعلى طول الخط تحالفت ضدهم قوى السلطة من جيش وساسة وحكموهم بالنار والحديد.
 واحدة من أجمل الانعطافات والإضافات الغنية لمسار الوثائقي  في حقل المراجعة التاريخية تتمثّل في ربطه المُحكم بين الرسومات والتخطيطات القديمة وبين الأحداث القريبة التي جاء يُدقِّق فيها ما أضفى عليها حيوية آنية ساعدت بدورها على إظهار الفكرة الرئيسية للشريط وهي: تعدُّد القراءات للحدث الواحد وصعوبة الحكم عليه من منظور واحد.

فالأخت "فلور" علمت خلال بحثها عن أخيها بأنه قد قُتل في جزيرة وسط البحر حولّها الجنرلات إلى سجن كبير وقاموا بتصفية كل من اُعتقل فيها، بغض النظر عما إذا كان منتمياً إلى الحركة اليسارية أو خارجها. ولهذا لانَ موقفها من الحركة قليلاً وبدأت تدرك أن السلطة هي المذنبة وأن تشدد الحركة جاء نتيجة لسلوكها وليس كفعل أرادوي منها. بالمقابل ظهرت شهادات تُبرز انحراف المنظمة وشدّة تطرفها إلى درجة كانت تعذِّب فيها المعارضين لها من الفلاحين وتجبرهم على حمل السلاح وتعتبر غير المنتميين إليها جبناء.

كما شهدت صراعاً على القيادة وانشقاقات كثيرة بسبب الاختلاف في تفسير الثورة الصينية وتطبيقاتها على البلاد لدرجة قيل فيها أن مقتل خالتها كان من داخل الحركة وأن زوجها قد ساهم فيه. تظلّ كل تلك الأقاويل موضع شك فموتها ظل لغزاً لم يحلّه شريط الفيديو الذي ظهرت فيه جثتها مسجية في مكان سري وبجوارها يقف زوجها.
 حجم التناقضات في سرد الأحداث واختلاف تفسير مساراتها سيدعو الفتاتين إلى النظر مجدداً في القضية بعيون أكثر اتساعاً وبروح أكثر انفتاحاً، وبتقويم بعيدعن الحساسيات الشخصية خاصة وأن أثقالاً قد انزاحت عن القلوب الحزينة خلال تلك الرحلة المضنية.

فعائلة فلور حصلت على شهادة رسمية من الدولة تُقرّ بموته بسبب أعمال العنف التي شهدتها البلاد في الثمانينات من القرن الماضي، وفتحت الزيارة لجوزفين كوة على ماضي عائلتها وقرّبتها من جذورها حين تعرّفت على بلاد أحبتها وشعرت بمسؤولية أخلاقية إزاءها.
أما حصيلة "عاصفة فوق أنديرنا" فكان شريطاً رائعاً، دخل إلى بلاد واسعة عبر زيارة قصيرة لشابة باحثة عن شخص يُعينها فوجدت نفسها تبحث عن تاريخ شعب عريق جذوره تمتد إلى حضارة الأنكا وتجاربه السياسية جديرة بالمراجعة والتأمُّل لغنى مضامينها.

قد ينال إعجابكم