نقد سينمائي

"المثالي": بين جماليات الروائي وقوة الوثائقي

قيس قاسم

لماذا لم يُنجزه مخرجه وثائقياً خالصاً؟ هذا السؤال، الذي نكاد أن نطرحه في كل مناسبة نشاهد فيها فيلماً كل عناصره ومقوماته الفنية والدرامية تصلح أن يكون شريطاً وثائقياً، في حقيقته سؤال غير مجدٍ، لأن قرارات صانع الفيلم هي الحاسمة في النهاية ولا يحقّ لأحد التدخل في خياراته وتصورّاته الخاصة للنوع الذي سيؤطِّر به منجزه الإبداعي، لهذا فأسئلتنا هي غالباً تأتي بعد الإنجاز/ المشاهدة، وتُصاغ لغوياً بسؤال يُراد به التعجب، احتراماً لحدود العلاقة الفنية بين الناقد وبين المنجز الذي أمامه، وبالتالي ما على (الكاتب والمشاهد) سوى تقويم ما هو مُقدَّم بوصفه إنجازاً نهائياً يتحمل صاحب الفيلم وفريقه مسؤوليته بالدرجة الأولى.

نسوق هذه المقدمة لنُبرّر قبولنا التعاطي مع فيلم الدنماركية كريستينا روزندال "المثالي" باعتباره نصاً روائياً كُتب بصيغة "وثائقية" أو كما هو شائع في الأدبيات النقدية "دوكيودراما"، مع أن الغلبة فيه للوثائقي، لا روحاً فحسب، بل متناً حكائياً وبناءً فنياً.

"المثالي" The Idealist يسرد القصة الحقيقية للصحافي الدنماركي بول برينك (الممثل بيتر بلاوبيرغ) الذي كشف في الثمانينات من القرن الماضي أكاذيب السياسيين وتكتُّم المخابرات الأمريكية طيلة أربعين عاماً على التجارب النووية السرية التي كان الجيش الأمريكي يجريها في جزيرة غرينلاد القطبية، إحدى أكبر مستوطنات الدنمارك، رغم الحظر الدولي، الذي أقرّ وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حظر استخدام أو تجريب قنابل نووية وما شابهها في المنطقة.

شيدت روزندال فيلمها على  فكرة زكتها الحياة تقرّ بوجود شجعان، على مدى التاريخ البشري، رفضوا الأكاذيب وعاندوا استغفال عقول البشر ورغم التهديد الجدِّي لحياتهم وقفوا، كما هو حال الصحافي الشجاع، في وجه أنظمة دول لا تتوانى عن الكذب والتهديد والقتل ومع هذا كانوا يمضون في طريقهم حتى النهاية.
 أما كيف رويت قصة الصحافي ودوره في تعرية أكاذيب الجسم السياسي الدنماركي في قضية متقادمة زمنياً، فهذا قد تم بتضافر قدرات إخراجية وتمثيلية عالية المستوى استثمرت الوثيقة التسجيلية خير استثمار، فجاء منجزهم مزيجاً من أفلام "التحرِّي الاستقصائي" الحيوية، والمَشاهد المسجلة والتي لقوة صلتها بالمنجز الدرامي تبدو كما لو أنها قد أُعيد تمثيلها لتنسجم مع طبيعته الروائية/ الوثائقية، ويتضح ذلك جلياً منذ المشهد الأول الذي يظهر فيه الطيار الأمريكي "جون هوغ" متحدثاً للصحافيين في القاعدة الجوية "تولي" بعد سقوط طائرته من نوع "بي 52" بالقرب منها، وهي محملة بأربع قنابل هيدروجينية قوة كل واحد منها عشرات أضعاف القنبلة التي أُسقطت فوق هيروشيما اليابانية.

عَرض فيديو المؤتمر الصحفي (فلاش باك إلى العام 1968) يُراد به ليس العودة إلى بداية القضية التي تولّى الصحفي الدنماركي الخوض في بحثها فحسب، بل أيضاً وضع حجر الأساس لبناء الفيلم كله، لأن الأكاذيب بدأت من هناك، إذ نفى الطيار توجهّه إلى قاعدة "تولي" وادعّى أن الحادث قد وقع خارج حدود الجزيرة وضمن الأجواء الدولية، وأن القنابل كلها قد انفجرت مع الطائرة، ووظفت التسجيلات أيضاً، كرابط زمني تساعد التسلسل على سلاسة التواصل الزمني مع أحداث الفيلم (1988) حيث يعكف الصحافي الدنماركي على معرفة وكشف أسباب ظهور أعراض أمراض سرطانية على مجموعة من مواطنيه كانوا يعملون في القاعدة وقاموا بإزالة حطام الطائرة من فوق الثلوج.
في مركز "ريسو" للإشعاعات قابل مجموعة أطباء أكدّوا أنهم أجروا فحوصات على العمال من بينها فحوصات الدم والبول، ولكنهم وأثناء عرضهم الوثائق القديمة تعجبّوا من فقدان بعضها وبخاصة تلك المُتعلِّقة بوجود آثار لمادة "البلوتونيوم" المشعة.

بالتحرِّي والملاحقة والحسّ الصحفي النبه، توصل  برنيك إلى معلومات تربط بين المخابرات العسكرية الأمريكية المسؤولة عن القاعدة الجوية في غرينلاند وبين إدارة المعهد التي اعترفت بأن نتائج الفحوصات وبعض التفاصيل قد نُقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وسُجِّلت في الدنمارك ضمن "أرشيف الدولة"، أي أنها أصبحت سرية وغير مرخصّ للعامة الاطلّاع عليها.
 بعد نشره مجريات تحقيقه الصحفي في الإذاعة الدنماركية، اتصل به مجموعة من أعضاء جمعية المُتضرِّرين بحادثة سقوط الطائرة وعرضوا عليه حقائق كما التقى بعمال قدّموا شهاداتهم المصورة بالفيديو لعمليات إزالة حطام الطائرة وجرف الثلوج القريبة منها.

تطور الأحداث سُجِّل وصُوِّر بطريقة أفلام المغامرات الصحفية وبروح السينما الاسكندنافية البعيدة كثيراً عن أسلوب السينما الهوليوودية، أي بالحفاظ على تقديم صورة مقاربة للواقع مع بعض إضافات قليلة من المؤثرات الخارجية ومع الكثير من الوثائق والتسجيلات الأرشيفية.
 ردود الفعل على نشاطه قادته إلى دائرة الشؤون الاجتماعية التي أعلنت أنها ستقوم بإرسال وفداً للحصول على المعلومات والوثائق المتعلقة بحادثة "تولي"، وبعد أيام من عودته أعلن أنه لم يحصل على ما أراد وأن الأمريكان رفضوا التعاون معهم.

من ميزات "المثالي" أنه يكشف المفاجآت برويّة وهدوء ولهذا وخلال زمن الفيلم (108 دقيقية) تظهر الكثير منها وتنقلنا معها من مستوى درامي إلى آخر أكثر تعقيداً، فمجريات التعامل مع الشؤون الاجتماعية دفعت المُحقِّق الصحافي إلى الذهاب بنفسه إلى الأرشيف القومي الأمريكي ومقابلته عدداً من الشخصيات من بينهم الطيار نفسه الذي ظهر في المؤتمر الصحافي عام 1968، ومكالمة ستغيِّر مجرى البحث مع نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق جون ليدي الذي اعترف فيها بوجود اتفاقية وُقعّت عام 1957 بين الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الدنماركية يسمح للأولى باستخدام القاعدة العسكرية وإجراء تجارب نووية سرية.

طيلة تلك الفترة جرى تكتُّم على الحادثة وتم خداع المصابين بأمراض سرطانية نتيجة تعرضهم للاشعاعات المُتسرِّبة من القنابل وغطّت الدولتان على التجارب بحملات دعائية تُشيع الخوف من احتمال شن الروس هجوماً نووياً على الدول الأوروبية وعلى قاعدة "تولي" بالتحديد.
 حقائق تدفع التحقيق الصحفي لمستويات تدعو إلى كشف ما تخفيه الوثائق السرية في الأرشيف الدنماركي ولا يعرفها العالم.

من بين الأشياء الجديدة التي ستصيب أعضاء الجمعية والصحفيين في التلفزيون والإذاعة الدنماركية وجود بنود سرية بين مخابراتها ومسؤولي الإعلام يقومون بموجه وعند ظهور ما تعتقده الدولة خطراً على أمنها القومي بمراقبة ما يُنشر في الإعلام.
الاتفاق ظل طيّ الكتمان وكُتبت نصوصه بغموض. لا تتوقف الأحداث عند هذا الحد فـ"المثالي" يذهب بنفسه لكشف حقائق مذهلة جديدة تؤكد أن ثلاث قنابل فقط سقطت على اليابسة فيما واحدة رابعة سقطت فوق البحر فهددت الحياة البحرية وسكان الجزيرة القطبية بكارثة نووية، وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتفتيش عنها سراً وطلبت من الساسة الدنماركيين عدم الحديث عنها.

هذا التطور الدرامي سيدفع السفير الأمريكي لمقابلة الصحفي وتهديده بعد إيصال رسالة  واضحه له بأن؛ كل ما قاموا به قد تم بموافقة الحكومات الدنماركية المتعاقبة، ويخدم في النهاية مصالح الطرفين. أما الضحايا فهم غير معنيين بهم ولا بمصيرهم.
كم الوثائق والتسجيلات التي جمعها الصحافي تُقدِّم صورة واضحة عن الأكاذيب التي حرص قادة البلاد وخلال أربعين عاماً على ترديد نفس الكلام، أغاظته كثيراً ودفعته للمضي أبعد ليكشف أن الوثائق التي ادعّى مسؤولوا الشؤون الاجتماعية وكثير من الوزراء بأنها كلها في حوزة المخابرات الأمريكية توجد نسخ (طبق الأصل) منها في خزائن الدولة وأن التكتُّم عليها إنما كان يراد به خدمة الأمريكان من ناحية مادية إلى جانب السياسية، فالقوانين الأمريكية تجبر الدولة بدفع تعويضات مالية ضحمة للمُتضرِّرين بسببها ما يعني في حالة العمال المرضى دفع تعويضات كبيرة إليهم، إلى جانب كشف تعاون طالما أعلنوا عكسه للعالم وأكدّوا مرة تلو الأخرى بأن الدنمارك وجزيرة غرينلاند القطبية منطقة خالية من النشاطات النووية والحقيقة كانت عكس ذلك.

يلملم "المثالي" الحقائق ويراكم بعضها فوق بعض ليجعل من نصه شريطاً متعدد الطبقات يفضي إلى معطيات ومعلومات بدورها تفضي إلى حقائق جديدة أخرى، ونتيجة التراكم  قادت إلى كشف كل المستور فحانت اللحظة التي ينبغي على الدول والمخابرات التدخل فيها وبأساليبها المعهودة: توجيه تهمة خرق قوانين حماية الأمن والالتفاف على الضحايا بمغريات بسيطة يتنازلون بها عن حقوقهم.

في المشهد الختامي يظهر الصحفي وبجانبه مصور في انتظار نتائج لقاء جمع المتضررين بأحد وزراء الدولة. الاتفاق أُعلن، وتوصل الطرفان إلى صيغة تفاهم يُمنح بموجبها لكل مريض 50 ألف كرونة دنماركية لا أكثر.
أما الصحافي فوجهِّت إليه تهمة خرق القوانين وكشف الأسرار. بعد عام من التحقيقات تسقط التهمة ويعود الصحافي إلى عمله ثانية بعد أن يحصل على جائزة تقديرية لكتابته تحقيقاً جريئاً كشف أسرار خطيرة وفضح زيف وكذب السياسيين على شعوبهم، تحت شعارات حماية الديمقراطية والخطر الروسي فيما الضحايا هم من مواطنيها، وأن تجارب الجيش الأمريكي ستلحق دماراً بيئياً في منطقة برية مساحتها أكبر مئات المرات من مساحة البلد الأوروبي الصغير المهيمن عليها والذي كان يعقد صفقات تدميرها دون علم سكانها.

قد ينال إعجابكم

متابعات

المخرج الخفيّ

في كل كارثة إنسانيّة، ما عليهم إلا أخذ تصريحات المسئولين قولًا واحدًا وفردها بنشابة مناسبة لتصير فيلمًا وطنيًّا يلعب...