نقد سينمائي

سماني ملالا ".. الفتاة التي رفضت الخضوع!

أمير العمري

يُعرض في دورة مهرجان لندن السينمائي الفيلم التسجيلي الطويل "سمّاني ملالا " He Named Me Malala للمخرج الأمريكي "ديفيز جيجنهايم" Davis Guggenheim (صاحب الفيلم التسجيلي الشهير "حقيقة غير تقليدية" عن حملة نائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل غور للفت الأنظار إلى ظاهرة  الاحتباس الحراري ومخاطرها).

الفيلم الجديد "بورتريه" تفصيلي شيق، يتناول من جوانب عدة، شخصية الفتاة الباكستانية التي أصبحت من مشاهير العالم "ملالا يوسف زي" التي تعتبر الأصغر سنا من الذين حصلوا على جائزة نوبل للسلام. قادت "ملالا " وهي في الخامسة عشرة من عمرها، حملة في بلادها، من أجل الدفاع عن حق الفتيات في التعليم، وجعلت تلك قضيتها الرئيسية فيما بعد، جابت العالم للترويج لها ودعمها، لكنها تعرّضت في بلدها باكستان، لكثير من التهديدات من جانب جماعة طالبان التي تناهض تعليم الفتيات بدعوى تعارض التعليم الحديث مع الإسلام.

وكانت نتيجة تشبُّث ملالا  بموقفها والتعبير عنه علانية وتوجيه الانتقادات إلى طالبان، أن أطلق مسلّح ثلاث رصاصات عليها فأصابها في جبهتها إصابات خطيرة، ورقدت بين الحياة والموت، قبل أن يتم نقلها إلى بريطانيا حيث أجريت لها عملية جراحية وتمكّن الجراحون من إنقاذ حياتها لكنها فقدت السمع في إحدى أذنيها، كما أصبح جزء من وجهها عاجزا يعاني من الشلل.

يتكون الفيلم من مشاهد وثائقية صُوِّرت في باكستان منها لقطات عديدة للتفجيرات التي دمرت عددا من المدارس في إقليم سوات الذي تنتمي إليه ملالا، ولقطات خاطفة يستطلع المخرج خلالها آراء عدد من الأشخاص في الشارع الباكستاني عن رأيهم في موقف ملالا وكيف ينظرون إليها، وعن وجودها حاليا خارج البلاد، كما يضم مقاطع صوتية لبعض قيادات طالبان وهم يتوعدّون بإنزال العقاب الصارم على كل من تتجرأ وخالف أوامرهم بالامتناع عن الذهاب إلى المدرسة. وهناك مقابلات مصورة مع ملالا  وكل أفراد عائلتها (والدها ووالدتها وشقيقاها) في مدينة برمنجهام البريطانية حيث يقيمون بعد مغادرتهم باكستان.

يمزج المخرج بين الأسلوب التسجيلي وأسلوب أفلام التحريك (الرسوم) فهو يستخدم التحريك لتعويض النقص في الصور المباشرة التي تستكمل رواية قصة ملالا وعائلتها، وهذا الجزء يتكون من رسوم بديعة قدمها الفنان "جيسون كاربنتر"، منها على سبيل المثال رسوم تصور ملالا  في طفولتها وعلاقتها الوثيقة بوالدها الذي لعب دورا كبيرا في حياتها، وهي علاقة تتضّح أيضا من خلال ما يرويه البعض ومنهم ممرضة كانت شاهدة عليها عندما أفاقت من التخدير عقب إجرء العملية الجراحية لها في مستشفى بمدينة برمنغهام مباشرة، عندما كان أول سؤال وجهته ملالا إليها بعد إفاقتها من التخدير، عن والدها، وهو سؤال سيتكرر فيما بعد كثيرا، فقد كانت تعتقد أنه لقي حتفه جرّاء اعتداء مشابه من جانب مسلحّي طالبان.

يبدأ الفيلم بمشهد من رسوم التحريك، يروي لنا السبب الذي دفع والد تلك الفتاة إلى إطلاق اسم ملالا  عليها، وهو الذي استمدّه من شخصية فتاة باكستانية من القرن التاسع عشر كانت تُحرِّض ضد الاستعمار البريطاني ثم تحوّلت إلى أسطورة يتناقلها الناس حتى يومنا هذا، أي إلى رمز لفتاة مناضلة مقاومة تتمسّك بموقفها حتى لو دفعت حياتها ثمنا له.

تروي ملالا  بصوتها الكثير من التفاصيل في الفيلم، وتتوقّف أمام فكرة رواية الأحداث اليومية التي تشاهدها في بلدتها وما يقوم به مسلحو طالبان الذين نسفوا 400 مدرسة، والتهديدات التي صدرت عنهم لها. وكانت ملالا  تكتب يوميات ترسلها إلى موقع بي.بي.سي لكي ينشرها يوميا، وهي الوحيدة التي وافقت على القيام بذلك، تحت اسم مستعار.

يصور الفيلم تأثير والدها عليها وهو الذي اختار التدريس مهنة له من البداية إيمانا منه بدور التعليم في نشر الوعي الاجتماعي والسياسي، وكيف آمن بضرورة تعليم المرأة. وفي فصل من الرسوم- التحريك، يتحدث هو عن نشأته وعن تأثير والده عليه الذي كان خطيبا مفوها يمتلك قدرة على الإقناع، ثم نرى كيف نجح هو في تأسيس مدرسة بمبلغ 150 دولارا فقط، لم يكن فيها سوى ثلاثة تلاميذ في البداية ثم اتسّع نشاطه فأصبح يمتلك سلسلة من المدارس في إقليم سوات الباكستاني. هذا الرجل نفسه سنراه فيما بعد خلال الفيلم، وهو يقف أمام الميكروفون يخطب في الجموع، ضد طالبان وسياساتها مُحرّضا على التصدِّي لما يحدث هناك. وباستخدام الرسوم أيضا تروي ملالا كيف أنها وهي لاتزال بعد طفلة صغيرة كانت تدلف إلى قاعة التعليم في المدرسة التي أسسّها أبوها وهي خالية، لكي تتخيل نفسها وهي تلقي الدروس على التلاميذ!

يتسلّل المخرج بالكاميرا إلى المنزل الذي تقيم فيه ملالا مع أسرتها حاليا في برمنغهام، ينتقل في الحديث إليها إلى الحديث مع شقيقيها ووالدها. وبينما يروي والدها عن علاقته بوالدتها من قبل أن يتزوجا، وكيف كان محظورا عليهم في تلك الفترة الالتقاء بعيدا عن عيون أفراد أسرتيهما بحكم التقاليد المتبعّة، تتحدث ملالا عن شخصية أمها التي كانت تتمتع بجمال خاص، ونشاهد صورا فوتوغرافية عديدة للأم وحدها، ثم لها مع زوجها ومع ملالا وهي طفلة صغيرة، ثم مع أبنائها الثلاثة.

وتقول ملالا إنها تعتقد أن أمها ليست حرة تماما  لكونها لم تحصل على التعليم. ويمزج المخرج بين الصور الفوتوغرافية ومشاهد التحريك والمقابلات المباشرة، في مسار سردي لا يتبع خطا زمنيا صاعدا يسير بشكل منطقي حسب تسلسل الأحداث، بل يتأرجّح طوال الوقت بين الأزمنة المختلفة بدون ترتيب في تناول الأحداث. وتبدو ملالا حينا وهي تتحدث بحكمة الكبار، وحينا آخر وهي تواجه الكاميرا في دهشة وخجل كطفلة ترتبك أمام أسئلة المخرج. لكنها تختار الكتب التي تعتبرها المفضلّة لديها وتطلعه عليها داخل غرفتها الخاصة التي تحتوي على الكثير منها، ثم تتوقف في معابثة مرحة أمام كتابها الذي أصدرته وتروي فيه تجربتها وهو كتاب "إسمي ملالا" الذي استمد منه المخرج فيلمه.

يتضمّن الفيلم أيضا الكثير من المشاهد التسجيلية لزيارة ملالا إلى كينيا حيث تلتقي بطالبات في المدارس وتسألهن عن اهتماماتهن وماذا يرغبن أن يصبحن في المستقبل، كما تستمع لأسئلتهن حول حياتها وأسرتها وتجربتها. ثم نرى مقابلتها مع الرئيس النيجيري، ونراها في مؤتمر صحفي بعد هذا اللقاء وهي تُصرِّح بأنها ناقشت مع الرئيس كيفية عمل شيء لإنقاذ 200 فتاة اختطفهن تنظيم "بوكو حرام". ثم نرى ملالا  أيضا عند استقبالها من طرف الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، ومن الرئيس أوباما، وظهورها في مؤتمر كبير في برمنجهام للحديث عن تجربتها.
يعيب الفيلم الانتقالات غير المحسوبة أحيانا بين اللقطات، منتقلا من مشهد إلى آخر يدور في مكان آخر وفي زمان آخر، دون وجود علاقة واضحة بين ما يدور في المشهدين، وهو ما يكسر وحدة المشهد ويؤثر على انسيابية الفيلم، وهذا النوع من السرد يعكس رغبة المخرج في تحقيق بناء غير تقليدي على غرار الكثير من الأفلام التسجيلية الحديثة، لكنه يثير الاضطراب أحيانا، وأحيانا أخرى تبدو المادة زائدة أو مكررة أو تميل للخطابة والمباشرة خصوصا في الجزء الأخير من الفيلم.

ولكن بشكل عام يعتبر الفيلم عملا مؤثرا يتميز بوضوح الرؤية. ولعلّ تأثيره يأتي من بساطة شخصية ملالا  نفسها وتلقائيتها الشديدة وعفويتها المباشرة أمام الكاميرا، بحيث لا يشعر المرء بأنها تعتبر نفسها من المشاهير أو النجوم ، بل تظهر وتتحدث كفتاة عادية ماضية فيما تعتقد أنه الصواب. وهي تعترف في نهاية الفيلم بتأثير والدها عليها لكنها ترفض فكرة أنها فعلت ما أملاه هو عليها، بل تصرّ على أنها كانت تنطلق في مواقفها من قناعتها الشخصية. 
 

قد ينال إعجابكم