نقد سينمائي

"ساحل الذهب" .. كابوس العبودية

أمير العمري

كان من أفضل ما عُرض من أفلام في الدورة الـ 59 لمهرجان لندن السينمائي الفيلم الدنماركي "ساحل الذهب" Gold Coast وهو العمل الأول للمخرج "دانييل دنسيك" Daniel Dencikعن سيناريو كتبه مع "ساره إيزابيلا جونسون". وترجع أهمية الفيلم إلى أنه يفتح مجددا، ملف العبودية الأوروبية وبالأخص الدنماركية، في المستعمرات الأفريقية، من خلال أسلوب فني بديع يمزج بين العام والخاص، أي بين القضية التي يتناولها ويعرضها ببراعة من خلال حبكة مبتكرة ومختلفة عما سبق أن شاهدناه عن الموضوع نفسه، وبين الموقف الفردي الوجودي الذي يطرح من خلاله الفيلم، تساؤلات عن الاختيار والقدر الإنساني.

يدور الفيلم حول شخصية "فريدريك وولف" بطل الفيلم الشاب الذي نشاهد الأحداث من وجهة نظره. ويبدأ الفيلم بمشهد صادم عندما نشاهد "وولف" الملقى به داخل زنزانة في السجن، يتلقى الركلات والإهانات، من جانب اثنين من الرجال البيض الدنماركيين، ثم يتبول أحدهما عليه، وسنعرف فيما بعد أن الرجلين هما حاكم المستعمرة وأحد مساعديه، وكان يطلق عليها "ساحل الذهب"  أو "غينيا الدنماركية" وتقع على الساحل الغربي الأفريقي (هي اليوم منطقة جنوب غانا). لهاث "وولف" وانحباس أنفاسه، والأجواء الكابوسية المحيطة به، وعجزه عن إبداء أي نوع من المقاومة تجاه ما يتلقّاه من ضرب وإهانات، تجعلنا نتساءل: لماذا؟ وما الذي حدث؟

يعود بنا الفيلم إلى الماضي، لنعرف أن "وولف" هو شاب أرسله الملك فريدريك السادس في أوائل الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، إلى تلك المستعمرة الدنماركية، لزراعة نبات البُن (أو القهوة) على الساحل هناك، وتحويل المنطقة من منطقة تنضح بالفقر والتخلف والفاقة وتجارة العبيد إلى مزرعة يانعة تمتليء بالأشجار، لديها نظام خاص للري. وكانت الدنمارك - كما هو معروف - أول دولة أوروبية أعلنت إلغاء الرق عام 1792. لكننا الآن في 1835 وسنعرف أن الرِّق مازال موجودا!

تناقض المواقف

يُصوِّر الفيلم استقبال السكان المحليين وولف عند وصوله عن طريق البحر إلى تلك المنطقة، كما لو كان "نصف إله" يحملونه على الأعناق، في مشهد يعيد إلى الأذهان، أجواء رواية جوزيف كونراد "قلب الظلام" التي نقلها كوبولا إلى السينما في فيلمه الشهير "سفر الرؤية الآن" وخصوصا المشهد الذي نري فيه الكولونيل وولتر كيرتز وقد أصبح معبودا من جانب السكان الأصليين في غابات كمبوديا.

وسرعان ما يشرع وولف في القيام بمهمته بنشاط مستعينا بالأفارقة الذين يتلقون منه أفضل المعاملة، ويبدو رافضا لأي شكل من أشكال العنف، حتى بعد أن يكتشف سرقة الميدالية التي حملها كهدية من الملك لحاكم المستعمرة، ويعرف أن الذي سرقها هو الصبي الأفريقي "لومبا" الذي اختاره كمساعد له يُدرّبه على العمل في الحقول. وعندما يصرّ الضابط "هيربست"، أحد مساعدي الحاكم الضعيف المريض، مع زميله الضابط الآخر لوكاس المتطلع للسلطة، على ضرورة جلد "لومبا" عقابا له على فعلته، يحتّج وولف وإن على استحياء قائلا ألا ضرورة لذلك، فيقول له الحاكم  إن أفضل ما في الزنجي "أنه لا يشعر بألم الجلد"!

هناك مستويان للصوت الذي يروي الأحداث في الفيلم: لدينا أولا صوت السيدة كارولين، التي تعمل مع زوجها في التبشير المسيحي بين السكان الأفارقة، وهي امرأة طيبة مؤمنة بقدسية مهمتها، تطالب بأن يكون أبناء العبيد الذين يولدون أحرارا، لكن "وولف" يرى أنها تحاول أن تفرض على الأفارقة دينا دخيلا على ثقافتهم، ويرى أن من العبث فرض المسيحية على الأفارقة جميعا. ويشير الفيلم من طرف ما، إلى أن ما تقوم به كارولين رغم طيبة قلبها وعزيمتها ورغبتها في نقل ما يسمى بـ "القيم المسيحية" إلى سكان الغابات، يؤدي في الوقت نفسه، إلى تضليل الأفارقة والإبقاء عليهم مستسلمين لواقع استعبادهم.

مسار الحكي

المستوى الثاني في الحكي يأتي على لسان وولف نفسه الذي يُردّد كلمات الرسائل التي يكتبها ويبعث بها بانتظام، إلى خطيبته التي تنتظره في الدنمارك. ومن خلال ما يكتبه لها يصف لنا معاناته اليومية في العمل وما يواجهه من ضغوط، إلى أن يصاب تدريجيا بالمرض، بعد تسلّل دودة ما داخل جلد ساقه لا يفلح في إخراجها.

وفي المشاهد التالية من الفيلم نشاهد ما يجري من عقل مريض محموم، وما يجعل الصورة تصبح أكثر ضبابية، والكاميرا أكثر اهتزازا بعد المشاهد الطبيعية البديعة التي تستمر في الساعة الأولى من الفيلم. المرض يبدو وكأنه قدر مكتوب، فكارولين أيضا ستمرض وتتدهور صحتها إلى أن تموت في مشهد هاديء ويشهد موتها وولف.

تتمثل الطامة الكبرى فيما سيكتشفه "وولف" ويتسبب في صدمة تهز ثقته فيما يقوم به وفيمن يتحركون حوله جميعا بل في منظومة القيم الأوروبية المزعومة بأكملها، فهو سيكتشف أنه رغم الإعلان الرسمي عن إلغاء الرق منذ نحو خمسين سنة، إلا أن الحاكم ومساعديه مازالوا يمارسون استعباد الأفارقة وإخضاعهم والمتاجرة بهم بصورة أكبر مما كان في السابق، وأن هناك زعيما لإحدى قبائل الأشانتي الأفريقية، كان من البداية يقاوم مشروع وولف في غرس الأشجار في المنطقة، وقام أكثر من مرة بإتلاف زراعته، ضالع مع ممثلّي الحكم الدنماركي في تجارة العبيد وتنظيم شحنهم بالسفن، وأنه يقوم بقطع رقاب العبيد الذين يعصونه أو يتمسكون بفكرة "الحرية"!

وولف سيقاوم ويتصدى لما يحدث غير مدرك ضلوع رفاقه الدنماركيين في الأمر أولا، ثم يصرّ على المضي قدما في حشد الأفارقة وتنظيمهم بعد أن يحررهم من الأسر، ويمنحهم حريتهم ويشكل منهم ميليشيا صغيرة لمجابهة تجار العبيد، ولكنه لفرط مثاليته وسذاجته سيكتشف عندما يذهب ليستدعي همة الحاكم لتطبيق القانون، أن الحاكم نفسه جزء من هذه التجارة، وسرعان ما يحشد ضده مع مساعديه القوة التي  تتمكن من إجهاض ثورته الصغيرة وأسره ثم إنهاء مهمته، ووضعه في السجن، إلى أن ينتهي نهاية تراجيدية.

إنه فصل سيء في التاريخ الدنماركي الحديث، والفيلم يُصوِّر الدراما التي نتجت عن تناقض القيم والمصالح، ويجعل بطله مثاليا يتمسك بالمباديء، وينبذ العنف وفكرة العبودية، يزرع الأشجار أي يقدم الخير للناس، بينما يستخدم الحاكم ورفاقه رسوخ القيم القبلية المختلفة القائمة، وجشع زعيم الأشانتي، لضرب فكرة التحرُّر من جذورها والإجهاز عليها. هنا يُهزم البطل الفردي كالعادة، فليس من الممكن أن ينتصرعلى نظام بأسره.

عن اللغة السينمائية

هناك حسّ تسجيلي بارز في المشاهد الأولى من الفيلم، وتصوير واقعي بديع يساهم في إبراز قوة الفيلم وجماله دون مغالاة تنحرف به عن موضوعه، ولعلّ ما ساهم في تأكيد مصداقية الأحداث التصوير في المواقع الطبيعية في غانا. هناك بعد ذلك لقطات غائمة من خيال رجل محموم يختلط لديه الهذيان بالواقع.

ومن أفضل عناصر الفيلم التصوير البديع الذي يحيط بطبيعة المكان وبروز تفاصيله، واعادة تصميم الديكورات الداخلية بحيث تكتسب طابع الفترة، واستخدام التكوينات ذات القيمة الجمالية التعبيرية: "وولف" يقف أمام الحاكم والكاميرا تتجه من اليسار إلى اليمين قبل أن تستقرّ عليه وفي الخلفية على الجدار خلفه صور كبيرة للصليب، وكأن الحاكم رمز ديني بينما يمارس السلب والنهب والاستغلال كما سيتبين.
وإلى جانب التصوير هناك الموسيقى التي كتبها الموسيقار أنجلو بادالامنتي Angelo Badalamenti الذي أعدّ الموسيقى لعدد من أشهر أفلام ديفيد لينش منها "المخمل الأزرق" و"توين بيكس" و"مولهولاند درايف". وهو ينتقل من موسيقى البدايات التي تشعّ بالمرح والحيوية والإقبال على العمل ومعانقة الطبيعة، إلى نغمة كلاسيكية يغلب عليها التوتر والحزن.

ويتميز كثيرا أداء الممثل الدنماركي جيكوب أوفتبرو في دور "وولف"، بجسده النحيل وعظام وجهه البارزة وعينيه الواسعتين اللتين تتطلعان في براءة وعفوية ودهشة، وقدرته على التحكم في صوته بحيث يتدرج من الحيوية إلى الشكوى، ومن الإقبال على العمل والحياة، إلى الصدمة والرغبة في الهرب من المكان الذي يرى أنه أصبح خانقا.
مخرج الفيلم دانييل دنسيك، هو أيضا كاتب سيناريو وشاعر ومؤلف، ولد في السويد، ودرس المونتاج السينمائي وقام بعمل المونتاج لعدد من الأفلام التي حصلت على جوائز دولية منها "نوا الألبينو" (2003) و"الحصان الأسود" (2005)، و"خارج الحب" (2007)، و"في الأبدية" (2010)، ثم أخرج فيلمين وثائقيين طويلين هما "راكب القمر" (2012) و"بعثة استكشافية الى نهاية العالم" (2013).

قد ينال إعجابكم