نقد سينمائي

مهرجان "إدفا" الـ 26 : رثاء الربيع العربي

محمد موسى

يكفي المرور على تيمات بعض الأفلام التسجيلية التي تتناول منطقة الشرق الأوسط وناسها والتي ستُعرض الأيام القادمة في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان "إدفا" IDFA للسينما التسجيلية في العاصمة الهولندية أمستردام، لإدراك المآلات القاتمة التي انتهى إليها "الربيع العربي"، والتي لم تَمرّ حتى في أحلك كوابيس الذين خرجوا للميادين لإسقاط الأنظمة الديكتاتورية وقتها.

فالثورات العربية التي انطلقت قبل خمس سنوات في أكثر من بلد، وتابعتها بحماس أفلام تسجيلية عديدة، عُرض الكثير منها في المهرجان السينمائي الهولندي نفسه، تُخلِف اليوم ملايين الضائعين واللاجئين حول العالم. نماذج من هؤلاء اللاجئين وبعض قصصهم تحضر في أفلام في هذه الدورة من "إدفا". في الوقت الذي غابت فيه تماماً هذا العام أفلام الثورات العربية، وهي التي همينت ببشارتها ووعودها بالتغيير على برمجة أفلام المنطقة العربية في السنوات الأربع الماضية. لتفسح المجال هذا العام لواقع مُتوحش مُعتم عن تحوّل كثير من أبناء تلك الثورات إلى لاجئين ومُشردِّين يمرّون اليوم بالأوقات الأصعب في حياتهم.

من جنوب إِفريقيا إلى جُزُر صغيرة في إسبانيا وإيطاليا، ترافق أفلام تسجيلية مِحن لاجئين عرب وغيرهم في طريقهم الصعب للوصول إلى ضفاف آمنة. كما تغوص أفلام تسجيلية أخرى في أزمات اللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء في لبنان. ويكشف فيلم تسجيلي ما يفعله القمع والبعد القسري عن الوطن في حياة عائلة سورية صغيرة، ستنهار تحت ضربات الأحداث التاريخية المفجعة. وهناك فيلم تسجيلي فريد عن الآثار العراقية التي غادرت هي الأخرى مكانها الأول، الذي وجدت فيه لمئات السنين، ليباع بعضها في أسواق بعيدة لأثرياء مجهولين، فيما تم تدمير الكثير منها أيضاً. هذه الآثار ستعود إلى الحياة في جهد تسجيلي افتراضي، يجعل من المُمكن تخيُّلها كما كانت، في ذلك المتحف في مدينة الموصل العراقية، وقبل وصول "داعش" إلى المدينة.

فيعرض ضمن برنامج "دوك لاب" Doc Lab، والذي يُركِّز على العلاقات والتأثيرات بين وسائط رقمية حديثة والسينما التسجيلية. فيلم المخرجة العربية ريم حداد "حياة متوقفة"، الذي ينضوي تحت مشروع قناة الجزيرة لأرشفة الحياة في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان. يُقدم الفيلم عشر قصص لأطفال يعيشون في تلك المخيمات. يروون بأنفسهم ما يمرّون به في حياتهم القاسية، والذكريات والكوابيس التي مازالت تطاردهم. كما يكمل الفيلم عن طريق الجرافيك مسّار الرحلات التي قطعها هؤلاء الأطفال للوصول إلى لبنان. التي يعيش فيها في الوقت الحاضر حوالي مليون لاجيء سوري.

وعن نفس الموضوع يقدم المخرج الفرنسي من أصول جزائرية "ماني ياسر بنشيلان" فيلم "هذا هو المنفى: يوميات طفل اللاجئين". يسجل هذا الفيلم، الذي يعرض ضمن مسابقة الفيلم التسجيلي المتوسط الطول، بأسلوب حميمي، يوميات مجموعة من الأطفال السوريين في لبنان. وكحال الفيلم السابق يترك هذا الفيلم الفرصة للأطفال لرواية قصصهم بأنفسهم.

وعن اللاجئين الذين لازالوا عالقين في الطرق التي تقودهم إلى وجهاتهم النهائية في أوروبا، يعرض المهرجان الهولندي فيلمين في هذا السياق. الأول بعنوان: "تذكر: اسمك بابل". يسجل هذا الفيلم الذي سيعرض ضمن مسابقة العمل الأول ومن إخراج البلجيكين "ماريا بروماخنر" و"برم فان كاونبيرخيه"، يوميات مجموعة من اللاجئين في إحدى الجزر الإسبانية في البحر، وهم يعدّون للخطوة القادمة لرحلتهم إلى أوروبا. وضمن برنامج "أفضل ما في المهرجانات". الذي يجمع أبرز ما عرضته مهرجانات هذا العام من أفلام تسجيلية، يُعرض فيلم "لامبيدوسا في الشتاء" للمخرج النمساوي "جاكوب بروسمان". الذي يقدم الحياة اليومية في جزيرة لامبيدوسا الإيطالية التي أصبحت محطة في طريق اللاجئين العابرين إلى أوروبا.

في مقابل الأفلام التي تُسجِّل رحلات اللاجئين، هناك أعمالاً أخرى تقدم وتغوص في حيواتهم الجديدة، وبعد أن وصلوا إلى الوجهات التي ابتغوها. فيعرض في هذا السياق وضمن برنامج "الماسترز" للعروض الفيلم المتميز "قصة حب سورية" للمخرج الإنكليزي "شون ميكاليستار". الذي يتعرف بالصدفة على زوجين سوريين معارضين قبل الثورة هناك، ويرافقهما بعدها لسنوات عدة في رحلة منفى ستأخذهما إلى لبنان وفرنسا. كما سنشهد عبر الفيلم انهيار علاقة الحب التي بدأ الفيلم بها. ومن جنوب إفريقيا يصور فيلم "حلبيّ" للمخرجة الأمريكية "مليسيا لانغر" والذي يُعرض ضمن برنامج "الطلاب"، محنة زوجين سوريين آخرين من مدينة حلب. يعيشان اليوم على الطرف الآخر من العالم. لكنهما غير قادرين على نسيان مدينتهما الأولى. يوثِّق الفيلم يوميات العائلة، حيث تشكل الذكريات الفضاء الذي لم تفارقه العائلة بعد. فيما يقدم فيلم "في المنزل .. في العالم" للمخرج الدنماركي "أندرياس كوفود" ويعرض في مسابقة الفيلم التسجيلي المتوسط الطول، التحديات التي يواجهها طلاب من أسر لاجئة في حياتها الجديدة في البلد الأوروبي.

واستكمالاً لمشروعها الفنيّ للتذكير بالخراب المتعمد الذي يطال الآثار حول العالم، والذي يحمل عنوان :"متحف للفن المسروق"، تقدم الأمريكية "زييف شاندر" وبالتعاون مع زميلتها "لورا جين" الفيلم التسجيلي "استرداد الموصل:إعادة إعمار جماعي".. الذي يُعيد افتراضياً تجميع القطع الآثارية التي كان يضمّها متحف الموصل، قبل أن يتم تدميره وبيع الكثير من نفائسه إلى جهات مجهولة. يُشكل الفيلم وعن طريق الجرافيك متحفاً افتراضياً بديلاً عن ذلك الذي ضاع، لكنه يُخلِّف عند مشاهديه مشاعر الخسارة الكبيرة بسبب الكارثة التي طالت التراث الإنساني بأجمعه.

وبعيداً عن قصص اللاجئين وما تركته السنوات العنيفة الأخيرة من آثار غائرة في بلدان مثل سوريا والعراق. يُعرض ضمن برنامج العمل الأول، فيلم " في رأسي رون بوان" للمُخرج الجزائري الشاب "حسن فرحاني" والذي كان قد فاز بالجائزة الأولى لأفضل فيلم تسجيلي في الدورة الأخيرة لمهرجان مرسيليا السينمائي الفرنسي. يقدم الفيلم بأسلوب غير شائع في السينما التسجيلية العربية يوميات أكبر مجزرة في الجزائر. إذ يسجل المخرج يوميات العمل العادية في المجزرة، ويراقب حياة العمال فيها. الفيلم الذي بدأ وكأنه جهداً لتوثيق حياة يومية لعمال جزائرين، سرعان ما يتعثر بصراعات المنطقة الكبيرة وانسداد الأفق لأبنائها.

العرب ليسوا وحدهم أبطال المهرجان السينمائي الهولندي، فالأخير الذي يُعَّد الأكبر في العالم للسينما التسجيلية، يجمع معظم مآسي العالم في أيامه العشرة (يعقد في الثامن عشر وحتى التاسع والعشرين من شهر نوفمبر / 18 - 29). إذ سيكون للأزمة الأوكرانية حصة مُهمة في أفلام هذه الدورة. والحال أن المهرجان الطليعي الذي لا يشيح بوجهه عن القضايا المُعقدة، وتضم برمجته أفلاماً تجريبية ويحتفل بالماضي ويستعيد أعمال الأسماء الكبيرة في عالم السينما التسجيلية. أعدّ وبالإضافة إلى الأفلام التي اختارها، خطة أمنيّة خاصة بالتعاون مع السلطات في المدينة لحماية الإثني عشر موقعاً التي ستعرض أفلامه التي تزيد على الثلاثمائة. بسبب الخوف من أعمال إرهابية، وبعد أن أبدى بعض المهتمين بمشاهدة الأفلام خوفهم من التجمّع في الأماكن المكتظة، على إثر ما وقع في باريس أخيراً.

قد ينال إعجابكم