نقد سينمائي

"ديمقراطيون": أوجه سياسية زائفة !

قيس قاسم

جهد ثلاث سنوات من العمل الصعب أثمر شريطاً سينمائياً سجّل مرحلة مهمة من التاريخ السياسي المعاصر لزيمبابوي خلال تسع وتسعين دقيقة، أكد خلالها قدرة الوثائقي على أن يكون مرجعاً موثوقاً حين يتحلّى صاحبه برؤية سينمائية جلية ووضوح لما يريد قوله، ومن هنا يمكن وصف منجز الدنماركية كاميلا نيلسون "ديمقراطيون" Democrats بالوثيقة الحية على مشوار التحولات "النسبية" التي شهدتها بلاد أفريقية بُليت بحكم الفرد وغابت عنها التقاليد الديمقراطية لأكثر من ثلاثة عقود أفرزت موضوعياً تيارات معارضة أجبرت المتسلطين على حكمها بالتراجع والخضوع لضغط الشارع الراغب في التغيير، وكتابة دستور للبلاد يحد من صلاحيات الرئيس المطلقة ويفتح آفاقاً لنهوض منشود، حاول الوثائقي تقديم بعض ملامحه عبر مرافقة صبورة لعملية إعداد الدستور الجديد وكتابته والدخول كشخص ثالث (شاهد) مع شخصيتين تمثلّان تيارين سياسيين متناقضين، أوكلت إليهما مهمة إعداد الوثيقة النهائية وعرضها على الشعب للتصويت عليها. هذان الشخصان هما: بول مانغوانا، وزير الإعلام السابق وممثل حزب "زانو.تي.إف" الحاكم ودوغلاس مونزورا مندوب حزب حركة التغيير الديمقراطي للجنة.

سيُبنى معمار الوثائقي على هاتين الشخصيتين وما تمثلانه من قوة سياسية؛ فالأول يمثل الرئيس "روبرت موغابي" بكل قوته وسلطته، والثاني يعبّر عن مواقف الزعيم المعارض "مورجان تشانجيراي"، وسيفرض وجودهما طيلة زمن الشريط ثنائية متفاعلة على أكثر من مستوى.

يبسط الفيلم أرضية لفهم تلك الثنائية ومصدرها. فمع كل رفضه لأي مشاركة له في الحكم لأكثر من ثلاثين عاماً أُجبر موغابي على تشكيل حكومة اتحادية مع خصمه، الذي كان في طريقه عام 2008 إلى الفوز بالانتخابات لولا إصدار أوامره إلى الجيش بالنزول إلى الشارع وترهيب الناخبين وزجّ قادتهم في السجون وتصفية الكثير منهم ومن مؤيديهم، ما مكنّه بالقوة من أخذ الأصوات و"سرقة" الانتخابات المحسومة في الحقيقة لتشانجيراي وحزبه. احتجاجات الحزب المبعد والمطالبات الدولية بإعادة "الانتخابات المسروقة" إلى أصحابها والضغوطات الغربية القوية عليه أجبرته على تشكيل حكومة ائتلافية من مهامها كتابة دستور دائم للبلاد وعرض نصوصه على الشعب لإقراره.

كل مراحل إعداد الدستور وفصول التحوّل السياسي الملازمة لها ستظهر على وجهيهما، وعلى سطح الشريط ستنعكس أدق تعابيرها وتغيّر ملامحها وفق تغيّر النتائج التي سيحققها كل واحد منهم.
أما التصرفات الشخصية وحركات الجسد فتنطق بمكنونات داخلية وتكوينات فكرية، ثلاث سنوات من المرافقة اللصيقة لهما كانت كافية لالتقاطها. فبهجة مانغوانا، في بداية الحملة الدعائية للفريقين في مناطق البلاد خارج العاصمة هراري، تعبر بوضوح عن سيطرة وقوة السلطة التي كلفته.
جيش من المنتفعين كانوا يتحركون معه أينما حلّ. يُلقنّون الناس ماذا سيرددون ويقبلون من فقرات ونصوص في الدستور الموعود. ضحكة رعناء تلازم حديثه وسخرية ممزوجة بتهديد ووعيد.

على الطرف الثاني هناك الهدوء والرصانة تحيطان شخصية المحامي مونزورا مع ما فيها من حزن عميق وقلة حيلة ظاهرة تعبر عن ازدراء لتصرفات طرف منافس اعتاد على فرض رأيه وسياسته بالقوة والإغراءات المالية.
 تجاهل جبهة الرئيس موغابي للآخر وعدم خوفها منه منح صانعة الشريط فرصة مذهلة لتسجيل أدق تفاصيل تحركاتهم ومعرفة طريقة تفكيرهم مشفوعة بفهمها الجيد لواقع زيمبابوي السياسي وسلوك الرجل الأوحد، الذي جلس على كرسي رئاستها منذ الاستقلال حتى اللحظة التي كانت البلاد فيها تدشن عهداً غير مشهود.

في الجولات الأولى بدا وكأن الحزب الحاكم وممثلّه في طريقهم إلى فرض إرادتهم على الدستور الجديد لغياب المنافسة تقريباً ولفعالية التلاعب والغش في لمّ الحشود وتلقينها. في كل موقع  جرت فيه المناظرات كان ممثل الحزب ينقل مزيداً من المؤيدين بالباصات من مناطق أخرى خارجها.
كالعادة كان ينفي ويضحك ساخراً، فلا أحد يجرؤ على رفع صوته ضده وهو الممثل الأعلى للديكتاتور الحاكم. في المقابل أظهر خصومه ضعف تنظيم وقلة دراية مع ما يتمتّعون به من قوة أفكار وتماسك مبدئي. سيعيد هذا الطرف لاحقاً حساباته وسيرفع نبرة صوته احتجاجاً على ما يفعله الطرف الثاني دون وجه حق.
التناقض والصراع بين الطرفين سيتصاعد بدوره مع الوقت وستدعمه التصرفات المتهورة للقادمين بالباصات. كل هذه التحولات مثبتة تفاصيلها على شريط لا نعرف كم من ساعات التصوير سُجّل وكم من الجهد بذل لكي يأتي بهذا السطوع الباهر.

داخل الغرف المغلقة يظهر الانفصال بين الجبهتين جلياً. بين مَن يريد الديمقراطية الحقيقية للبلاد ومَن يريدها شكلية لا تمسّ صلاحيات الرئيس، وداخلها كانت تنعكس مجريات الخارج دون إرادتهم، فمقتل مؤيدين للحزب المعارض كان يضغط على الطرف المتنفّذ ويُجبره على التراجع عن غلوائه والتنازل من علَّوه.
 هنا لم تعد الأجوبة الجاهزة لمؤيدِّي الحاكم فعّالة، فمقتل وضرب الناس سيستغلّه الطرف "الديمقراطي" ويطالب بإعادة الجولات الدعائية في المناطق المضطربة أو تلك التي سادتها الفوضى بسبب من عدائية حزب موغابي؛ "زانو.تي.إف" وستزداد ثقة الناس بهم وبقدرتهم على مواجهة موغابي.
التصاعد الديناميكي في المواقف والدرامي أحياناً سيزيد من ثقة المعارضة بنفسها وستنعكس على المتفاوضين بشكل مباشر. تلتقط "نيلسون" بحذر إشارات تقارب فكري بين الرجلين. تقارب نابع من فهم مونزورا  لدور مانغوانا والمهمة المكلف بها وأيضاً لشعوره بأن خصمه فيه ميل للتغيير أكثر من قادته وهذا ما سيعمل عليه وبأساليب جد ذكية.

نجاحه وشعبيته ستدفع أجهزة الأمن والشرطة السرية إلى تلفيق تهمة ضده تمنعه من مواصلة عمله وتُهدِّد بحبسه لأعوام. انقطاعه عن ترأُّس جلسات كتابة الدستور أثرّ سلباً على حملة "الديمقراطيين" وأعطى حرية أكبر لخصومهم لتثبيت أغلب ما يريدونه في المسودة، لكن هذا لن يطول، فبعد مدة اضطر المدعي العام إلى الإفراج عنه لضعف الأدلة ضده.
تجربته في السجن ظلماً ستدفعه لتشديد هجومه ضد الحزب الحاكم ورئيسه وسترفع سقف مطالب حزبه أعلى فأعلى إلى درجة المطالبة بتثبيت فقرة واضحة تُحدَّد بموجبها المدة الزمنية لتولي الرئيس دفة الحكم، وستستغلّ الصحافة بدورها هذا التصعيد لنشر مجريات ما يحدث خلف الكواليس والاهتمام بالتسريبات التي وصلت إليها، فيما سيستغل الوثائقي الرائع بدوره التحشيد المتصاعد ليرافقه دقيقة بدقيقة ويبني بقية نصّه على مؤشراته وما يحدثه من تفاعلات.
 لم يخطر على بال المفاوض الرسمي ووزير الإعلام السابق أن تخرج عليه تلك الصحف، التي طالما تودد رؤساء تحريرها له أثناء تولِّي مركزه، بهذه الجرأة، لأنه لم يفهم دورها إلا كتابع ومُردِّد لما يمليه عليها من توجهّات، لكن ثمة تحولا بطيئا كان يجري في البلاد لم ينتبه هو إليه ولم يولّه حزبه الحاكم عناية كافية.
ستقلب الفقرة المثبتة في المسودة قبل النهائية، والتي تقول: "لا يحق للرئيس المنتخب لدورتين متتاليتين الترشُّح لدورة انتخابية ثالثة"، - ستقلب - الطاولة على المفاوض الأعلى وستهدد مستقبله الشخصي والسياسي بالكامل، حين تم تسريبها إلى الصحف المحلية وتم نشرها بعناوين وأحرف بارزة توحي بأن المفاوض يمهد لانقلاب ضد رئيسه ويقود حملة مخملية عبر الدستور لمنع انتخابه ثانية.

بدوره ردّ الحزب الحاكم عليها بكلمات وصفت قبول رئيس فريقه المفاوض بتثبيت الفقرة بالخيانة والتواطؤ مع العدو ما يعني عملياً وفق  التقاليد السياسية السائدة في زيمبابوي الحكم عليه بالموت المحتم.
 حجم الفوضى والتصعيد أنسى كل الأطراف وجود شخص غريب بينهم: الوثائقي الدنماركي، الذي وجدها فرصة لتثبيت ردود الأفعال الحادة والخائفة مما سيجري لاحقاً لهم. رعب المفاوضين الحكوميين يؤشر إلى سلوك السلطة الانتقامي القمعي، والذي طالما أنكر وجوده مانغوانا وغطى عليه، واليوم يكتوي بناره.
 تهديده بحذف الفقرة أو قطع الاجتماعات والمناقشات تلقّاها الطرف الثاني بسعة صدر وقبل من أجل هدف نهائي أكبر تثبيتها كفقرة مستقبلية لا تشمل الرئيس الحالي ولكن لمَن سيأتي بعد كتابة وإقرار الدستور.

مرونة وصراع وتقارب شخصي وانفعالات إنسانية مشحونة بالخوف والفرح عكسها "ديمقراطيون" كما هي لأنه بكل بساطة كان حاضراً وشاهداً على وقائع يندر أن تتوفر للوثائقي بهذه الأريحية والانفتاح، الأمر الذي يطرح سؤالاً عن الحجج والوسائل التي أقنع بها الطرفين ليكون هو ثالثهما وناقل تفاصيل صراعهم السياسي والفكري إلى العلن.
 يجدر بنا هنا التوقف عند جوانب أخرى، غير تماسكه وقدرته على الإقناع، فنية في المقام الأول من بينها؛ نقاء وتميُّز صورته (المصور هنريك بون ابسن) رغم أن قسماً كبيراً من مَشاهده صُوّرت في غرف مغلقة، وسلاسة ترتيب أحداثه زمنياً رغم طولها ما يستوجب كيل مديح خاص لمونتيره (جيب بودسكوف) وأيضاً لنصّه (كتبته كاميلا نيلسون بنفسها) المتنقل بسهولة من العام إلى الخاص، وتجلّت بخاصة في القسم الأخير منه حين تجاوز إقرار الدستور شعبياً وخطاب موغابي المتحفظ حوله سريعاً لينتقل إلى العلاقة الجديدة الناشئة بين المفاوضين وتبَني ممثل الحزب الحاكم، بعد أن أُبعد منه، مشروعاً لتعزيز الديمقراطية واستماعه الجيد إلى نصائح غريم الأمس بضرورة توخّي الحذر، لأن التغيير المرتجى لم يتم بعد والرغبة في العودة إلى ما قبل الدستور مازالت قوية عند موغابي، الذي أُعيد انتخابه لفترة جديدة لا أحد يستطيع التكهن إلى أين سيقود البلاد خلالها.     

قد ينال إعجابكم