نقد سينمائي

"جرائم التفكير" في عصر الإنترنت !

أمير العمري

هذه المرة نحن مع فيلم جديد يُعدّ من أهم الأفلام الوثائقية لعام 2015، هو فيلم "جرائم التفكير: ضابط الشرطة آكل لحم البشر"  Thought Crimes: The Case of the Cannibal Cop وهو من إخراج المخرجة الأمريكية الشابة "إرين لي كار".
هذا مثال متكامل للفيلم الوثائقي الطويل المصنوع جيدا، الذي يمكنه أن يشدّ انتباه المشاهدين، ليس فقط بسبب موضوعه المثير الغريب، بل بفضل أسلوبه الذي يكشف تدريجيا عن الموضوع، محيطا به من جميع جوانبه، مُحقّقا توازنا دقيقا بين أجزاء المادة، وبين الجوانب المختلفة للفكرة، مع استخدام مكثف للكثير من الوثائق البصرية والصوتية التي تساهم في دعم البناء وتقوية أسسه، وعبره تنتقل مخرجته ببراعة من خلال مونتاج تحليلي يخلق مشابهات تثير للتأمل، ومقاطع من المقابلات المتعددة التي أجرتها مع مختلف الشخصيات التي أحاطت بالشخصية وبالحدث، قامت بتوزيعها بمهارة ودقة على مدار الفيلم.

شخصية اللابطل
لدينا شخصية رئيسية تدور من حولها الأحداث، هي نموذج للبطل - النقيض أو ما يعرف بالـ Anti-Hero أي البطل النظري على الشاشة فقط بحكم وجوده في بؤرة الحدث، في حين أنه مهزوم سلفا. صحيح أنه أصبح محاطا باهتمام الرأي العام في الولايات المتحدة، بعد أن كان يقبع في الظلام من قبل، وكان يعتقد أنه يتمتع بخصوصية هي تلك القائمة بينه وين جهاز الكومبيوتر الشخصي الذي يملكه. إلا أن الشرطة قامت عام 2012 باعتقال هذا البطل - اللابطل، غيلبرتو فال Gilberto Vale (30 سنة) الضابط السابق في شرطة مدينة نيويورك، ووجهّت إليه اتهامات بالتآمر لخطف وتعذيب وقتل عدد كبير من الفتيات وطهي أجسادهن وأكلها. وقد أدانته المحكمة بعد أن أجمع المحلفون على أنه مذنب فيما وُجِّه إليه من تهم، ومنها أيضا أنه استغلّ عمله في الشرطة ليخترق قاعدة البيانات السرية الخاصة بالشرطة والحصول على معلومات عن عشرات الفتيات وقام بنشر صورهن وكان يخطط - كما جاء في عريضة الادعاء- لخطفهن وتعذيبهن، غير أن كل ما نُسب إليه من اتهامات بُنيّ على "أفكار" كان يعبر عنها في منتدى على شبكة الإنترنت، متخصص في الهواجس الجنسية الغريبة.

كان "فال" يتبادل تلك المعلومات مع صديقين له من أعضاء ذلك المنتدى، مستعرضا ما لديه من معلومات وصور، وكان يشترك معهما في الحديث حول أفضل الطرق لتحقيق هدفه، متعمقّا في الحديث عما ينتظر أن تشعر به ضحيته، أو شعوره وهو يمضغ اللحم البشري لضحاياه ويتلذّذ بطعمه، كما كان يبحث عبر محركات البحث على شبكة الإنترنت، عن الأدوات التي تساعده في تخدير ضحاياه (مادة الكلوروفورم) والحبال التي يستخدمها لتقييدهن، بل وقد وصل إلى حد أن وضع أيضا صورة زوجته التي كانت تنام في غرفة النوم داخل منزله، بينما يسهر هو - كما يعترف في الفيلم - حتى الثانية والثالثة صباحا، يبحث ويتبادل المعلومات والأفكار المتطرّفة مع أصدقائه الين يشاركونه أفكاره.

وقد عثرت الشرطة على سجل كامل بمحادثاته ومئات الصور التي كان ينشرها على الإنترنت بعد تفتيش منزله وتفريغ محتويات جهاز الكومبيوتر الشخصي الخاص به، وكانت زوجته هي التي أبلغت الشرطة عنه.
"فال" قال أمام المحكمة أن كل ما كان يقوم به كان مجرد تعبير عن خياله وهواجسه الجنسية (أي نوع من الفانتازيا)، وإنه لم يكن ليصل قط إلى حد خطف أو قتل أحد، وأنه بمجرد أن كان ينتهي من تبادل الأفكار مع أصدقائه على شبكة الإنترنت، كان يعود إلى نفسه، وتعود إليه شخصيته الحقيقية المتزنّة والملتزمة في العمل. وقد أصبحت قضيته قضية رأي عام، وتصدّرت قصته الصفحات الأولى من الصحف الأمريكية وعُرفت القضية باسم "الضابط آكل لحم البشر".

بعد القبض عليه قضى غيلبرتو أربعة أشهر في السجن قبل نظر القضية في مارس 2013، ثم أُدين وظلّ في انتظار الحكم عليه ربما بالسجن مدى الحياة، لكن فريق الدفاع عنه، استأنف الحكم، وبعد 21 شهرا قضاها في السجن، أصدر قاضي الاستئناف قرارا بالإفراج عنه بعد قبول الدفع بعدم جدية التهم. وقال إن الحقائق التي كشفت عنها القضية إنما تعكس عصر الإنترنت الذي نعيش فيه.. وإن الادعّاء الرسمي لم يُقدِّم دليلا كافيا يسمح للمحلفين بالتفرقة بين المحادثات المنسوبة إلى المتهم، وبين المحادثات التي أقرّ بأنها مجرد تعبير عن تخيلاته، وإنه ليس من الممكن بالتالي التصديق على قرار الإدانة الصادر عن هيئة المحلفين".

مادة قوية
أصبح حكم قاضي الاستئناف أساسا قويا تستند عليه المخرجة لصنع هذا الفيلم. فمن ناحية أصبحت لديها مادة درامية جيدة ومثيرة تتمثل أولا في شخصية "فال" نفسه.. ذلك الشرطي السابق الذي فقد عمله بعد ثبوت انتهاكه سرية قاعدة بيانات الشرطة، كما أصبح لديها الكثير من الشخصيات القريبة من المتهم مثل والدته ووالده، اللذين انفصلا منذ سنوات بعيدة، وقد وفرّا لها الكثير من شرائط الفيديو المنزلية التي صوراها لابنهما منذ أن كان طفلا رضيعا وخلال مراحل حياته، واستخدمتها المخرجة في سياق الفيلم بشكل جيد، لفحص حالة "فال" النفسية، وما إذا كان قد واجه أي نوع من الاعتداء أو القسوة والتحرُّش في طفولته، مقارنة بما أصبح عليه بعد ذلك، من خلال عشرات المقاطع التي نراها على الشاشة بين وقت وآخر للمحادثات الغريبة التي كانت تدور بين "فال" وأصدقائه عبر ذلك الموقع المتخصص في الخيالات الجنسية المتطرفة (ويبلغ عدد أعضاؤه أكثر من 60 ألف عضو).

واستخدمت المخرجة المقابلات التي صورتها مع علماء النفس، والاجتماع، وأعضاء من فريق التحقيق، ومع والديّ "فال"، والمحامية التي تولّت الدفاع عنه والتي تقول أمام الكاميرا إنها وجدت نفسها تخالف ما اعتادت عليه للمرة الأولى في حياتها المهنية، فقد كانت دائما تطلب من الشرطة نزع القيود الحديدية من أيدي المتهمين الذين تتولى الدفاع عنهم، إلا أنها تغاضت عن هذا الطلب عندما التقت "فال" للمرة الأولى، وهو ما يعكس شعورها بالقلق من شخصيته الغريبة كما توحي تصرفاته.
ويتحدث في الفيلم أيضا عدد من خبراء القانون، وخبير في علاج إدمان التعامل مع التكنولوجيا الجديدة، والرسامة التي سجلت بالرسوم (الاسكتشات) وقائع جلسات محاكمة "فال" وانطباعاتها عنه من خلال ما رصدته من تغيُّر على ملامحه. كما تظهر في الفيلم إحدى سيدات هيئة المحلفين، ولكن بعد إخفاء معالم وجهها.

والملاحظ أن شهادات هؤلاء جميعا رغم أهميتها الكبرى في السياق، تتناقض وتتباين مع بعضها البعض، فهناك من يعتبر أفكار "فال" كافية لإدانته، بينما يستنكر البعض الآخر الحكم على أي إنسان بسبب أفكاره فقط، وهي الفكرة التي يدور حولها الفيلم، فالفيلم لا يتركز فقط على شخصية "فال" ومحاكمته ثم خضوعه بعد قرار الاستئناف بإطلاق سراحه، للإقامة الجبرية داخل منزل والدته، في انتظار مرور الفترة التي يمكن للادعاء خلالها الطعن في قرار الإفراج، بل يصبح الفيلم أيضا مقاضاة لذلك النوع من محاكمة الأفكار والهواجس والخيالات التي يمكن للمرء التعبير عنها بحرية طالما أنها لا تصل قط إلى درجة ارتكاب جريمة.

زوجة "فال" هي الشخصية الوحيدة التي لا تظهر في الفيلم، فقد قطعت علاقتها به فور اكتشافها لما يفعله، وكانت قد وضعت جهازا صغيرا حصلت عليه، تحت جهاز الكومبيوتر الذي يستخدمه، لمعرفة ماذا يفعل بالضبط، ورصدت - كما يروي فال في الفيلم - كل ما كان يفعله: المواقع التي كان يزورها، محادثاته المتطرفة الغريبة، أفكاره الشاذة، رسائل البريد الإلكتروني التي تبادلها مع أصدقائه، ومئات من صور الفتيات التي أرسلها لهم.
وتستخدم المخرجة في الفيلم التسجيل الصوتي الذي قدّمته الزوجة للشرطة، وفيه تروي تفاصيل تجربتها التي وصلت إلى حد عثورها على صورتها وما كتبه عنها من معلومات، وتعبيره عن رغبته في "تقييدها وقتلها وطهي لحمها"، وتقول إنها عندما واجهته لم يُبدِ ندما على ما فعل.

سؤال القضاء
يقول "فال" إنه كان قد توقف تماما عن نشاطه الليلي قبل يوم واحد من اطلّاع زوجته على ما قامت بتسجيله، وإنه كان لايزال زوجا جيدا مخلصا، وإنه صحيح قام بزيارة فتاة كان يعرفها من أيام الدراسة (وهي التي تخيل في محادثاته أنه يخطفها ويقتلها ويطهي لحمها ويأكلها)، إلا أن زوجته صحبته في تلك الزيارة مع ابنته الصغيرة، وكانت في مقهى عام. ونشاهد بالفعل لقطات سجلّها بكاميرا الهاتف المحمول لذلك اللقاء. لكنه عاد فأخذ يصف لصديقه كما نرى من خلال المحادثة المسجل، تلك الفتاة وولعه بها ورغبته في اقتناصها وإشارته إلى أنها تقيم بمفردها، وسيكون من السهل بالتالي، التسلّل إلى شقتها!

ينتقل الفيلم من الاهتمام بذلك الشخص الغامض الذي يبدو أمام الكاميرا شابا مليئا بالحيوية والمرح الطبيعي، يتحرك في منزل والدته، ويقوم بطهي شرائح اللحم مع المكرونة، على خلفية ما يتردد في الفيلم عن القتل وطهي اللحم البشري على ألسنة بعض الشخصيات التي تقوم بتحليل شخصيته وأفعاله، إلى التركيز على خطورة إصدار الأحكام القضائية على الأفراد بسبب تعبيرهم عن أفكارهم في إطار من الخصوصية دون أن يتطور الأمر إلى الاعتداء الفعلي على الآخرين. هنا يطرح الفيلم سؤالا يتعلق بما يتجّه إليه المجتمع اليوم، وهل نشهد عودة "الأخ الأكبر" وسطوة المراقبة والتلصّص وانتهاك الخصوصية مع الانتشار الكبير للبحث عن المعلومات وتبادلها وتبادل المحادثات عبر شبكة الإنترنت؟

بعد 4 أشهر في الإقامة الجبرية، يصدر حكم بإدانة "فال" بانتهاك قاعدة بيانات الشرطة، ولكنه يشمل المدة التي كان قضاها في السجن بالفعل، فأصبح من حقّه التخلص من الجهاز الخاص الذي وضعته الشرطة في أسفل ساقه اليسري لمراقبة تحركاته، وأصبح بالتالي يخرج إلى الشارع، بعد أن تضاءل الاهتمام به من جانب العامة، وقد أصبح الآن يتساءل عن مصيره: هل سيتمكن من مقابلة فتاة تثق به مرة أخرى، أم سيصبح ذلك الخطأ الكبير الذي ارتكبه، مبررا لتدمير حياته !

يسير "فال" في نهاية الفيلم وسط الثلوج في ضواحي نيويورك، منتظرا كما نعرف، استئناف نظر القضية مجددا بعد قبول طعن الادعاء بتبرئته. أي أن القضية لاتزال مستمرة. وهي نهاية مفتوحة للفيلم، الذي تحرص مخرجته على إبعاده عن إصدار حكم بالإدانة أو البراءة على "فال"، بقدر ما أرادته أن يدور حول ذلك التحدي الأخطر الذي أصبح يواجه نظام العدالة: هل يُعاقب المرء على الفكر والرأي والتفكير والخيال حتى لو لم يؤذِ أحدا؟ أم يعتبر هذا الشطط في الخيال نوعا من التحريض والتآمر خاصة وقد تم تداوله مع الآخرين، وخاصة أن "فال" قام بمراقبة وتتبع أشخاصا حقيقيين. وهو السؤال الذي يبقى مطروحا بعد أن ينتهي الفيلم.

قد ينال إعجابكم