نقد سينمائي

"استقلال أنجولا"

شريف عوض

 


بيدرو مويو

قبل أيام، أعلنت إدارة مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية (LAFF)  ، والذي ستقام دورته الخامسة في الفترة من 17 إلى 23 مارس في مصر، عن الأفلام المشاركة في المسابقات والأقسام المختلفة. ومن بينها، الفيلم الوثائقي الجديد "استقلال" الذي قام بإخراجه المخرج الأنغولي "ماريو باستوس" حيث يتتبع فيه قصة كفاح "أنغولا" الطويل من أجل الاستقلال حتى حصلت عليه من البرتغال في عام 1975.

 

يُظهر هذا الفيلم الوثائقي، من خلال تقنيات حديثة تستخدم التحريك والجرافيكس ناهيك عن التصوير المتميز الغني بصرياً، كيف رسمت دولة أنغولا الأفريقية وأبناء أرضها صورة ملحمية لواحدة من أطول حركات التحرُّر في أفريقيا حيث استمرّ كفاحها المسلّح طيلة 13 عاماً. وخلال تلك السنوات، شهدت وشاركت عدة أجيال النضال في أجزاء عديدة من البلاد، فلم تكن حركات التحرُّر مرتبطة بمجرد جيل من الشباب أو أشخاص بعينهم بل شارك الرجال العاديون والنساء الذين كانوا مرتبطين بأنماط حياتية متباينة في مختلف مناطق أنغولا.

كان هدف صناع الفيلم أن يلتقوا مع من بقي على قيد الحياة من هؤلاء المناضلين كي يُسجِّلوا شهاداتهم بالصوت والصورة من أجل التاريخ والأجيال الحالية التي ولدت في أنغولا الحرة ومن أجل أولادهم في المستقبل أيضاً. الكثير منهم لا زالوا على قيد الحياة ولكن قلة فقط من وُثقّت رحلتهم أو أتيحت لهم الفرصة للحديث عما شهدوا خارج دائرة الأسرة والأصدقاء.

قام بتمويل الفيلم مؤسسة "مشروع أنغولا لتوثيق الاستقلال" التي تعاونت مع كيانين مهمين هما شركة "جيل 80" ومؤسسة "تشويكا للتوثيق"، وهي مؤسسة متخصصة في حفظ ونشر الوثائق عن تاريخ النضال الأنغولي من أجل الاستقلال. وقد بدأ مشروع هذا الفيلم عام 2010 بهدف توثيق أكبر قدر ممكن من الشهادات الشخصية. وقد كانت هذه المهمة عاجلة ومهمة لأن كل يوم كان يمر قد تنسى تفاصيل أو يسبق الأجل هؤلاء الشهود.

وبين عامي 2010 و2015، قامت هذه المؤسسات الثلاثة بتصوير أكثر من 1000 ساعة من المقابلات مع حوالي 600 ممن شاركوا في النضال من أجل الاستقلال، وكذلك العديد من الشخصيات الدولية المرتبطة داخل الاستوديو تارة وفي الأماكن التي دارت فيها بعض الأحداث الحقيقية تارة أخرى. إذن مشروع من هذا النوع كان من الممكن أن يولِّد عدداً من الأفلام أو مسلسلاً وثائقياً متميزاً مثل "العالم في حرب" يكون جمهوره المستهدف في الأساس هم أبناء تلك الأجيال المولودة بعد عام 1975، الذين لم يعانوا من النظام الاستعماري ويعرفون القليل جداً عن ماضي مسقط رأسهم وقارتهم الأم.

مثل معظم الناس من جيله، كان مخرج الفيلم "ماريو باستوس" لا يدرك سوى القليل عن ماضي بلاده حيث كان كغيره من الشباب الذين ينفرون من الشيوخ عندما يستغرقون الحديث عن الذكريات والحنين والمرارة. ولذلك استند "باستوس" إلى استخدام العديد من الجماليات والتقنيات السينمائية خلال سنوات عمله على هذا الفيلم من أجل تقديم الشهادات والمواد الأرشيفية وقصاصات من الصحف بطريقة غير تقليدية لا يشوبها الإحساس بالضجر وخاصة عندما عرض جزئية حبس المتورطين في العمليات ضد الاستعمار، وتسجيلات تشي غيفارا خلال لقائه مع القوميين الأنغوليين في الكونغو، وصور المناضلين والمحاربين الذين يذكرهم التاريخ حتى الآن.

 

ومن ضمن هؤلاء "بيدرو مويو"، الذي توفي عام 2015 بعد تصوير شهادته في الفيلم عن مدى التضحيات التي أدّاها أقرانه حتى إعلان الاستقلال والاعتراف بحق مستعمراتها في تقرير مصيرها. عناصر إعادة السرد في الفيلم متكاملة ومتسلسلة بدءاً من عام 1961 إلى عام 1974 حين اندلعت الحرب في أنغولا من مناطق الأدغال في الشمال وكابيندا إلى السهول في الشرق، إلى جانب حرب العصابات التي لم يمكن منع حدوثها في ظل الفوضى. كما يوضِّح الفيلم كيف كانت السجون ومعسكرات الاعتقال مصيراً محتوماً للسجناء السياسيين. أما البرتغال وقتئذ فكانت تستخدم المناورات الاقتصادية والمماطلات القانونية مما مكنّها من إطالة أمد الحرب التي لم تكسبها في النهاية.

 

ولد المخرج "ماريو باستوس" في لواندا عام 1986. وعندما اكتشف حبه للتصوير الفوتوغرافي مع فيتوريو أنريكي، وكان واحداً من أهم صناع السينما الأولى في أنغولا، انطلق عام 2004 إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث درس السينما في نيويورك وسان فرانسيسكو. وفي عام 2009، أخرج أول أفلامه القصيرة "سعر العروس " الذي عُرض في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. في العام التالي،  أنشأ شركة "جيل 80" لإنتاج هذا الفيلم وهو عمله الطويل الأول الذي ينبئ عن مخرج وثائقي ذي حرفية خاصة. إلى جانب الفيلم الوثائقي "أنغولا العام صفر" للمخرج الأنغولي "إيفر ميراندا" (2013)، سوف يشار بالبنان إلى السينما الأنغولية الوثائقية كونها جزءا لا يتجزأ من الوجود الإفريقي اليومي وكونها تجمع بين علم التاريخ وفن السينما.

قد ينال إعجابكم

حوارات

سنجار أين أنتِ؟

فيلم يروي القصص المأساوية للاجئين الأيزيديين في أعقاب هجمات داعش واختطاف أكثر من 3000 من النساء والأطفال..