نقد سينمائي

"مقتل نيمتسوف .. الموت في ظلال الكرملين"

قيس قاسم

 

على بُعد أمتار قليلة من الكرملين أطلق عميل مأجور النار على المعارض الروسي "بوريس نيمتسوف" وأرداه قتيلاً، وبعد أيام ألقت الشرطة القبض على الفاعل وحُكم عليه السجن، لكن التحقيقات لم تعلن عن الجهة التي كلّفته بالاغتيال، على عادة ما يجري في روسيا عند تصفية كل معارض سياسي فيها؛ حيث يظل المؤجِّر للقاتل مجهولاً، من هذه القاعدة المستهترة بأرواح الضحايا انطلق الوثائقي الألماني Boris Nemtsov - Shot in the Shadow of the Kremlin لمعرفة الدوافع وراء مقتله ومعرفة المستفيد الأكبر من تصفيته!

 

ولطبيعة الشخصية وصلتها المباشرة بالسياسة أراد "ميكائيل فيشمان" أن يكون فيلمه سياسياً بمعناه الصحيح، أي أن يتناول الدولة ونظامها السياسي لا كما يجري في أفلام أخرى حين يُؤخذ حدث ما، يحمل بُعداً سياسياً صغيراً، ليُبنى عليه فيلم تشويقي أو بوليسي، فيطلق عليه خطأً صفة سياسي، وقد يكون من المفيد هنا ذكر "المدرّعة بوتمكين" لسيرجي أيزنشتاين و"Z" كوستا ـ غافراس كأمثلة على الفيلم السياسي بمعناه الدقيق.
صلة "بوريس نيمتسوف" بالنظام السياسي قبل سقوط الاتحاد السوفيتي وبعده قوية، فهو من صلبه وبالتالي كان من الضروري مراجعة تاريخه السياسي ومواقفه ومعرفة العوامل التي حولّته من فاعل ومؤثر فيه إلى معارض له، وفي مرحلة لاحقة من أشدّ أعداء الرئيس الحالي بوتين.

وإدراكاً منه للفصل الحاصل في تجربته السياسية خلال مرحلتين حاسمتين تعمّد المخرج فيشمان إلى تغيير شكل تقديمها على الشاشة عبر التلاعب بمقاييس عرضها؛ فلجأ إلى تصغير كل "الماضي" من تسجيلات وصور قديمة تخصّه ووضعها وسط الشاشة الكبيرة لتظهر وكأن الأخيرة تؤطِّرها، وتجعل منها ما يشبه اللوحة أو الصورة القديمة، في حين ترك المساحة كاملة لكل المشاهد والتفاصيل الجديدة؛ (الحاضر).
فماضي المعارض الروسي قطعاً لا يشبه حاضره، لكنه لن ينفصل عنه أبداً، وعلى هذا الفهم راح يُسجِّل حياته منذ ولادته في "سوتشي" ونشأته في مدينة "نيزني نوفوغورد" التي غيّر اسمها "ستالين" إلى "غوركي نوفوغورد" جرياً على عادته في تبديل أغلبية أسماء المدن الروسية لجعلها تتوافق، بإرادة شخصية، مع التجربة السوفيتية وتحمل أسماء أكبر رموزها.

تميَّز ابن المدينة الصغيرة القريبة من موسكو بذكاء لافت فتفوق في دراسته وأنجز امتحان قبول دراسة الدكتوراة في علم "الفيزياء المشعّة" وهو في سن السادسة والعشرين. أحب علوم الفيزياء والذرّة وبرع فيهما، ما سيدفعه هذا إلى الواجهة خلال ثمانينيات القرن الماضي حين ستبرز قضية بناء المفاعل النووي في مدينته على المستوى العالمي بعد كارثة "تشيرنوبيل".
لبنائه أرسلت السلطة علماء فيزياء من بينهم الحائز على جائزة نوبل "أندريه ساخاروف"، وموقفه المعارض من إقامة مفاعلات قريبة من المدن المأهولة بالسكان والتي عبر عنها في مقابلة أجراها معه "نيمتسوف"، وخوفه من حدوث شيء مشابه للمدينة ومن احتمال تعرُّض العاملين فيها لإشعاعات نووية تقتلهم.
بعد سنوات تحقّقت مخاوفه ومات عدد من بينهم، بسبب الإشعاعات المتسربة، ما دفع الناس إلى الخروج في مظاهرات تقدمها ابن المدينة العالِم وصاحب الشخصية الجذابة، الذي سيكتب مقالاً مهماً بعنوان "لهذا أنا ضد بناء المحطة النووية!".

 

كان نيمتسوف محظوظاً لتزامن تحركه مع تولِّي غورباتشوف قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي وتزعُّمه حركة الإصلاح التي عُرفت بـ"البريسترويكا" وبدلاً من سجنه وابعاده كما كانت تجري العادة مع كل معارض لممارسات السلطة، رُشح إلى لجنة قيادة السوفييت العليا عن مدينته.
كشفت المناظرات التي خاضها بين منافسيه على المركز موهبة سياسية نادرة وامتلاكه قوة محاججة ساعدته على الوصول إلى الكرملين واختير بسببها ليكون من بين الشباب المقرّبين للرئيس الجديد الراغب في تولِّيهم عملية التغيير المنتظرة.

 

بعد سنوات وفي بداية التسعينيات أصبح عضواً في الفيدرالية الروسية العليا ومن بين الأكثر نفوذا فيها، لكن الأحداث جرت بسرعة وعلى غير المنتظر حين قام بعض قادة الحزب ومن غير الراضين عن السياسة الجديدة بانقلاب سياسي دعوا فيه الجيش إلى النزول إلى الشارع، قابله نزول مضاد بقيادة "يلتسين" الزعيم الذي أنقذ الكرملين وأبعد شبح الانقلابين عن "البيت الأبيض" كما كان يسمي الناس مقر الحكومة في موسكو تندراً.
خلال تلك الحقبة الحرجة من تاريخ الاتحاد السوفيتي، عاش السياسي الشاب تجربة التحولات العسيرة فيها وانتهى من حسم موقفه لصالح الإصلاح والاستمرار به مهما كانت النتائج. كان مقتنعاً بأهمية الانفتاح على الأسواق العالمية والشروع بإصلاحات بنيوية تكسر حدة هيمنة الدولة على الاقتصاد. أراد بناء روسيا جديدة على غرار الدول الغربية وبما يتوافق مع طبيعتها الجغرافية والتاريخية.

لتسجيل هذه الحقبة من حياته وفّر الوثائقي الألماني خامات صورية رائعة أعطت لمشاهده فكرة جيدة عما جرى في البلاد خلال الفترة الانتقالية الأولى من الشيوعية إلى اقتصاد السوق، ودور "القتيل" فيها عبر شهادات المقربين إليه.
إثر الانقلاب الفاشل ضد "يلتسين" عام 1993 تغير الكثير من قواعد اللعبة السياسية الروسية وأخذ الرئيس تدريجياً صلاحيات، غير دستورية، عززت من تفرده بالحكم وشجعته على قمع معارضيه بالقوة.
بمعنى آخر عاد إلى نفس الأسلوب الذي كان متبّعاً في الدولة الشيوعية وهذا ما لم يرتَح له القيادي الطموح الذي وجد نفسه في موقف متعارض مع رئيسه حين أعلن رفضه الحاسم للحرب على الزعيم الشيشاني دودايف المطالب بالاستقلال عن روسيا الاتحادية.

يجد الوثائقي السياسي أهمية في الموضوع الشيشاني ويستخلص نتيجة منه مفادها؛ أن أكثر التحولات في قمة الهرم السياسي تعكزت عليها وكانت سبباً في إبعاد أو تقريب شخصيات سياسية من السلطة.
دفعت معارضته الحرب في القوقاز وجمعه أكثر من مليون توقيع يدعو إلى إيقافها، إلى حافة الخروج من "البيت الأبيض" لولا حاجة قائده إليه واقتناعه بضرورة وضع حد لها بعد خسائر كبيرة مُنيّ بها الجيش وأثرّت على الحياة في عموم البلاد.
ضمّه الرئيس عام 1996 إلى الوفد المفاوض مع الشيشان وتوصلّه إلى اتفاق لوقفها جعل منه رجل سلم بارز، كما رسخت مقاومته لمشاريع الملياردير "جيرنوفيسكي" الطامح في السيطرة على ممتلكات البلاد قناعة أغلبية الناس باستحقاقه تسلُّم الراية الروسية من يلتسين، بعد تولّيه مناصب عليا من بينها نائب رئيس الوزراء.
لكن المفاجأة الصادمة جاءت من "بوتين"، حين أقنع قادة البلاد بانتخابة رئيساً بدلاً من "شاب إصلاحي" مندفع كما كان يسمي "نيمتسوف".

بتقريبه الطغمة المالية الأولغاركية واعتماده على المخابرات واللعب على القضية الشيشانية وشراء وسائل الإعلام وحجب المعارضة له استطاع بوتين وخلال فترة قصيرة من تعزيز مركزه فحاز على أغلبية أصوات الناخبين، فيما تراجع منافسه كثيراً. في المقابل ستدفع أحوال البلاد و"بيعها" إلى ظهور مقاومة سياسية سلمية من بين قادتها "المرشح السابق" للرئاسة!
لعرض الانعطاف الكبير في مساره السياسي يستعين بشخصيات قريبة منه من بينهم؛ ابنته وطليقته وعدد من أصدقائه إلى جانب محللين وسياسيين. وجد هؤلاء أن الرجل قد خسر تقريباً كل شيء، وساهمت حملات بوتين غير المباشرة ضده ومن بينها كشف علاقته العاطفية ووجود عائلة ثانية له في زعزعة صورته السابقة، لكن بروز حركة "البرتقالي" في أوكرانيا ومساهمته الكبيرة فيها ستعيده إلى الواجهة. فالسياسي المحنك لا يمكنه الاستسلام بسهولة.
سيثير موقفه من الثورة الأوكرانية ومطالبته بعدم استغلال القضية الشيشانية لأغراض تقوية مراكز سياسية والأدهى إصداره كرّاس "بوتين.. نتائج عشر سنوات"، حفيظة خصومه ويثير عداوات السلطة ضده.

يحلل الشريط الاستقصائي والسياسي بامتياز العقود الأكثر دراماتيكية في تاريخ روسيا ما بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي ويربطها بمهارة لافتة بمسيرة الرجل الذي حلم بتحويلها إلى تجربة فريدة تنقل البلاد من الاشتراكية الفقيرة إلى الديمقراطية الغنية، لكن كل ذلك لم يحدث، بل على العكس تعززت الفردية وتحالف رأسمال المال الطفيلي مع اللصوص الجدد، الذين قرروا تصفيته حين تجرأ على كشف فسادهم وسرقتهم لمشروع الألعاب الأولمبية في "سوتشي".
كان تقريره عنها بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فأُعلنت القطيعة وقرّروا إيقافه عند حده ومنع انتشار المظاهرات السلمية التي يدعوا إليها في موسكو دون توقف.

 

بدأت المخابرات بمضايقته فقاموا ومنذ عام 2010 باعتقاله كلما شارك في فعالية احتجاجية ما، وضعوه، أكثر من مرة، في زنزانة انفرادية وهدّدوه بالقتل بعد كشفه التواطؤ الحاصل بين بوتين والرئيس الشيشاني المتعاون معه قديروف، الذي ساعده في آخر انتخابات برلمانية خاضها من خلال تأمينه أكثر من 90% من أصوات الناخبين الشيشان تزويراً.
كشف تزويره للعلن وفضح تحركات بوتين في القرم كان بمثابة إعلان حرب ضد سلطة الفساد، فجاءت ليلة السابع والعشرين من عام 2015 لتحسم الصراع. في تلك الليلة وفي الساعة الحادية عشر والنصف تماماً وحين كان يقطع مع صديقته الجسر القريب من الكرملين تقدم منه رجل شيشاني وأطلق النار عليه أمام أعين المارة.
مات نيمتسوف وأُلقي القبض على الجاني، لكن من استأجره للقتل ظل مجهولاً ولغزا، كما هو الحال مع الصحافية المعارضة آنا بوليتكوفسكايا، التي عرّت الأساليب الوحشية التي كان يمارسها الرئيس الشيشاني قديروف ضد معارضيه، وعلى إثرها صدر قرار سرّي بقتلها عام 2006.

 

المُشترك بين الحالتين كما يلخصه الوثائقي بحسّه السياسي المرهف تتمثل في التالي؛ الاثنان قتلا على يد شيشاني قريب من الحكومة المتضررة من نشاطهما السياسي المعارض لها ولقيادة بوتين والمقربين منه. في الحالتين أُلقي القبض على الجاني وظل الشخص الذي كلفهما مجهولاً. أما التحقيقات فتوقفت حال إعلان المحكمة قرارها.
 في الحالتين عبر بوتين عن أسفه لموتهما. قال يوم اغتيال الصحافية "موتها أضرّ بنا وبسمعتنا أكثر مما أضرّت بنا مقالاتها". أما موت نيمتسوف فلم يعلق عليه مباشرة وكلف غيره ليقدم أسباباً هي قطعاً غير تلك التي دفعت الفاعل الحقيقي لارتكابها وحاول الوثائقي تشخيصها عبر رحلة بحثه الطويلة في سياسة بلد انتقل من مرحلة إلى أخرى ولم يتخلص قادته بعد من إرث تصفية خصومهم السياسيين بالقوة.   

قد ينال إعجابكم