نقد سينمائي

"Elle".. فيلم يخالف التوقعات

"هي": إيزابيل أوبير تنتقم لنفسها

عدنان حسين أحمد

لم يُحبِّذ المخرج الهولندي الأميركي بول فيرهوفن وضع فيلمه الجديد Elle ضمن خانة "الإثارة الإيروسية" لأنه يعتقد أن قصته السينمائية تدور ببساطة حول فكرة الاغتصاب التي تعاطى معها بطريقة غامضة تخالف توقعات المُشاهدين، فلقد اعتدنا أن تلاحق الضحية جلادها حتى تنتقم منه، لكن المَجْني عليها في هذا الفيلم لا تريد الاقتصاص من الجاني، وإنما تلعب معه "لعبة القط والفأر" التي لا تنتهي، فثمة مطاردة مستمرة، واصطياد وشيك، وهروب متكرر الأمر الذي يضع المتلقين أمام مفاجآت لم يعهدوها من قبل.

هذه التقنية ليست جديدة في أفلام فيرهوفن فقد سبق لنا أن شاهدناها في فيلم "كتاب أسود" الذي تتمحور قصته على مغنية يهودية تحاول أن تتجسس على أحد الضباط في المقر الإقليمي للغستابو لكنها تقع في حبه. ما يحدث في فيلم Elle أو "هي" يتنافى مع حدْس المُشاهد وتوقعاته حيث تتعرض ميشيل لوبلان "إيزابيل أوبّير" إلى الاغتصاب من قِبل رجل مقنّع يقضي وطره منها بطريقة وحشية ويغادر المنزل من دون أن يخلِّف أثرًا تاركًا إيّاها غارقة في الحيرة والذهول. هذه هي ثيمة الفيلم الأساسية، وهي ثيمة نمطية اعتدناها في عشرات، وربما مئات الأفلام حيث تسعى الضحية لاكتشاف الجاني كي ينال جزاءه العادل.

"ELLE"، بطولة "إيزابيل أوبّير" باعتبارها ضحية الاغتصاب

يستند فيلم Elle على رواية "أوه" للكاتب الأرميني الفرنسي فيليب جيان فيما أعدّ سيناريو الفيلم ديفيد بيركي الذي أضفى لمساته السينمائية على النص الروائي محوِّلاً إياه إلى نص بصري لا تجد الكاميرا صعوبة في تجسيده على شكل لقطات ومَشاهِد سلسة على الرغم من قساوة الثيمة، وعنف الشخصيات، ودموية الأحداث.

لاشكّ في أن الضحية تحاول أن تتعرف، مثلنا نحن المُشاهدين، على الجاني لكن الغريب أنها لم تتصرف كضحية فلقد نظّفت الزجاج الذي تكسّر في المنزل أثناء المداهمة، وذهبت إلى عملها في شركة ألعاب الفيديو، ولم تتصل بالبوليس وكأنّ شيئًا لم يكن!

تتكشف الوقائع والأحداث تباعًا فنعرف أن ميشيل منفصلة عن زوجها السابق ريتشارد وأن لديها علاقة حميمة مع روبرت، زوج آنا، صديقتها وشريكتها في العمل. وقد بدأت بعلاقة تبصصيّة جديدة مع جارها المصرفي باتريك "لوران لافيت" الذي يسكن في المنزل المواجه لمنزلها تماما. وأنّ أمها إيرين ليست أفضل حالاً منها فهي نرجسية جدًا ولديها علاقات حميمة مع رجال أصغر منها سنًا بكثير. أما ابنها فنسنت "جوناس بلوكيه" فهو مغفّل تخونه زوجته جوزي، وقد أنجبت منه طفلاً أسود البشرة يعتقد أنه نزل من صُلبه! بقي أن نشير إلى الأب لوبلان، الشخصية الأكثر وطأة على ميشيل، فهو قاتل متسلسل سبّب لها الكثير من المواقف المُحرجة وقلبَ حياتها رأسًا على عَقِب.

يبدو في هذا الفيلم أن غالبية النساء قويات، مهيمنات، ومتحررات من أسْر المؤسسة الزوجية، وأن معظم الرجال إمّعات، وتابعين إن لم يكونوا أذلاء يلبّون حاجة النساء وما تشتهيه أنفسهن ولكن ميشيل تظل ضعيفة إزاء الشخص المهاجم الذي لم نعرف هويته حتى هذه اللحظة. وحينما تتعرض لهجوم آخر وتشتبك مع المهاجم وتنجح في إزالة قناعه تكتشف أنّ مغتصِبها هو باتريك الذي أتيحت له غير مرة أن ينفرد بها في منزلها، ويوصد لها الشبابيك المفتوحة في أثناء العاصفة، ويكاد أن يقبِّلها ويضمها إلى صدره لكنها تنتبه إلى نفسها في اللحظات الأخيرة، وتضع حدًا لهذه النزوات المنفلتة.

"إيزابيل أوبّير" و باتريك "لوران لافيت" في مشهد من الفيلم

وفي أثناء زيارتها لوالدها السجين الذي رفضت الشرطة إخلاء سبيله تكتشف أنه قد انتحر. وبينما هي في طريقها إلى المنزل تصطدم بأحد الغزلان وتخرج السيارة إلى جانب الطريق المُشجر ولم تتصل بالشرطة أيضًا وإنما اتصلت بصديقين كانت هواتفهما المحمولة مغلقة، الأمر الذي يضطرها للاتصال بباتريك الذي سينتشلها من السيارة ويداوي جروحها البسيطة، ويبوح لها بالدافع الحقيقي الذي يحضّه على الاغتصاب فنفهم أن وراء هذا السلوك العدواني أسباب نفسية ينبغي أخذها بعين الاعتبار، فالتواصل الحميم مع أي إمرأة لا يحقق له اللذة ما لم يمرّ بعملية اغتصاب عنيفة فتتواطأ معه وتوافق على لعب دور الضحية رغم أنها ليست كذلك.

تتكشف خيوط اللعبة تباعًا في الحفل الذي أقامته الشركة لمناسبة إطلاق لعبة جديدة حيث تعترف ميشيل لـ "آنا" بأنها تمارس الحُب مع زوجها روبرت، وتغادر المكان مع باتريك وتخبره بأنها تريد أن تتصل بالبوليس وتضع حدًا لهذه العلاقة الإشكالية ولكي تتقن تمثيل الدور فقد تركت بوابة المنزل مفتوحة في إشارة واضحة إلى استعدادها لأن تلعب دور الضحية من جديد لتحقق شيئين أساسيين وهي أن تنتقم من المغتصِب وأن تمنح ابنها العاجز فنسنت فرصة لأن يقوم بعمل بطولي واحد في حياته وينتصر على تبعيته وخذلانه المتواصلين.

لم تختلف نهاية الفيلم الدموية عن بدايته العنيفة حيث يموت باتريك على يد فنسنت الذي ضربه بهراوة على رأسه موقنًا بأنه قد أنقذ حياة أمه من جهة، ودافع عن شرفها الرفيع من الأذى من جهة أخرى، تاركًا للشرطة أن تحقق في تفاصيل الجريمة التي لعبت فيها ميشيل دور القط بينما أسندت لمغتصِبها دور الفأر الذي واجه، في خاتمة المطاف، مصيره المحتوم.

"Elle": فنسنت "جوناس بلوكيه" في مشهد من الفيلم

حينما ينجلي الغموض عن ثيمة الاغتصاب، وتنحل العُقدة التي نسج خيوطها البطلان باتريك وميشيل نفهم أننا إزاء "إثارة سايكولوجية" وأن الشخصيتين الرئيسيتين، في واقع الحال، مريضتان وبحاجة ماسة إلى علاج نفسي في الأقل، وأننا، كمشاهدين، نقف أمام كمٍ هائل من الشخصيات المضطربة، وغير السوية، بدءًا بالأب، القاتل المتسلسل الذي لوّث سمعه العائلة برمتها ثم مات منتحرًا، والأم النهمة التي لم تشبع هوَسَها الإيروسي من الرجال الشبان على الرغم من تقدّمها في السن وموتها لاحقًا بجلطة قلبية. لا تقل ميشيل اضطرابًا عن أبويها فهي نموذج مثالي للإثارة النفسية التي هيمنت على أحداث الفيلم وطبعته بطابعها السايكولوجي القلق الذي وضع المشاهدين في دائرة الحذر والترّقب والتشويق على مدى ساعتين وعشر دقائق بإيقاع متسارع يخلو من الرتابة والملل.

يعتقد النقّاد السينمائيون بأن أداء الفنانة إيزابيل أوبّير كان متميزًا جدًا إلى حدّ التفرد، وأن هذه التحفة السينمائية لن تكون كذلك لو جرّدناها من هذا الأداء الفني الذي تألقت فيه منذ بداية الفيلم حتى نهايته على الرغم من أنه فيلم عنيف، وقاسٍ، وملطخ بالدماء. تُرى، ما رسالة المخرج فيرهوفن؟ وما الذي أراد إيصاله إلى المتلقين بعيدًا عن مضامين الإثارة النفسية؟ هل أراد تعرية الطبقة الثرية، الميسورة الحال التي لا همّ لها سوى الفضائح، والاسترخاء في المطاعم والنوادي الليلية؟ أم أراد القول بأن المجتمع الفرنسي الراهن محاصر بمختلف عناصر الخوف والترويع والجريمة؟ لماذا يحطّ الفيلم من قدر الرجال والنساء معًا ولم نستمتع بمشاهدة شخصية طبيعية واحدة تذكِّر الإنسان بإنسانيته فقد تحول الجميع إلى مرضى يقيمون في مشفىً للأمراض النفسية؟ ثلاثة أجيال تغرق في الجرائم المروِّعة، والخيانات الزوجية المقيتة، والأمراض النفسية الخطيرة التي أشعرت المتلقين وكأنهم يعيشون في مصحّة موحشة.

المخرج الهولندي الأميركي بول فيرهوفن والنجمة الفرنسية "إيزابيل أوبّير" في مهرجان كان السينمائي لعام 2016

تُعتبر إيزابيل أوبّير مرشَّحة قوية هذا العام لجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة على الرغم من أن هناك مُنافِسات كبيرات مثل ميريل ستريب، وإيما ستون، رُوث نيَغا، وناتالي بورتمان لكنها بشهادة النقّاد والمتلقين تستحق هذه الجائزة عن جدارة لما بذلته من جهد كبير أظهرها بهذه الطريقة المتألقة التي أبهرت الجميع. أما المخرج فيرهون فقد عرفناه في عدة أفلام مهمة أبرزها "البهجة التركية" 1973، و"روبوكوب" 1987، و "غريزة أساسية" 1992 وسواها من الأفلام التي رسّخت مكانته كمخرج عالمي كبير يفاجئ متلقيه دائمًا بأشياء جديدة سواء على مستوى التقنيات أو المقاربات الفنية التي لم يتطرّق إليها أحد من قبل.

 

 

قد ينال إعجابكم