حوارات

الشيخاوي: في فلسطين أفلام لا سينما

حاورته أسماء الغول - تولوز

هناك عدة بلدان يصعب فيها الحديث عن اتجاهات معينة في المدارس السينمائية، كالسينما المغربية والجزائرية.

تغيب السينما العربية عن المهرجانات الدولية إلا من عدد محدود من الأفلام، كما يشوبها التقصير أمام تطور الشريط السينمائي في العالم عدا بضعة أفلام سينمائية دون أن يمثل ذلك مشهداً متكاملاً. في المقابل تخوض هذه الصناعة في العالم منحى جديدا كل دقيقة وتبلغ تطوراً وإبداعاً لا يمكن معه الرجوع إلى الخلف.

 الناقد التونسي الطاهر الشيخاوي مؤسس ورئيس جمعية أرخبيل الصور، يرى أن أسباب ذلك كثيرة وأكثر تعقيدا ما يسهل قوله، فهو يتجنب المقولات الجاهزة في تشخيص المشهد السينمائي العربي وأزماته، وفي مقاربة السّينما العربية .

"الجزيرة الوثائقية" التقت الشيخاوي على هامش مهرجان "سينما فلسطين" في دورته الرابعة بمدينة تولوز الفرنسية، وقد حل خلاله ضيفاً في ندوة رئيسية لتوصيف حال السينما في الوطن العربي عامة وفلسطين خاصة، كما أدار عدة نقاشات عقب عروض ثلاثية إيليا سليمان "سجل اختفاء"، و"يد إلهية"، و"الزمن الباقي".

في السياق الفلسطيني هناك أفلام ولا يوجد سينما، فقط محاولات فردية.

1. حين تحدثت في وقت سابق خلال ندوتك بالمهرجان عن السينما المصرية، لاحظت أنك أسهبت في تصنيف المخرجين والأفلام في مدارس سينمائية وأجيال وتوجهات، ولكن حين تحدثت عن السينما في فلسطين، لم يكن الأمر ذاته، بل تحدثت عن كل مخرج على حدة، ما السبب في ذلك؟

بشكل أساسي إن الأمر له علاقة بكمية الإنتاج، فتشكيل المدارس والاتجاهات السينمائية مرتبط إلى حد كبير بكمية الأفلام المنتجة، ووجود ثقافة سينمائية، وكما نعرف بعض البلدان العربية تعاني من ضعف الإنتاج السينمائي، ما يجعل كل مخرج فيها يمثل توجهاً بذاته، ولا يتعلق الأمر بالسينما الفلسطينية فقط، بل هناك عدة بلدان أخرى يصعب فيها الحديث عن اتجاهات معينة في المدارس السينمائية، كالسينما المغربية والجزائرية.

ويعتبر وجود اتجاهات في مصر أمراً طبيعياً نظرا لضخامة صناعة السينما التي تخلق حولها صحافة سينمائية وجمهورا ونقادا وتلاميذ، لذلك من الطبيعي بروز اتجاهات للسينما متمردة على هذه الأطر وخارج سياقها ويكون لها مخرجوها وصُناعها.

أما في السياق الفلسطيني هناك أفلام ولا توجد سينما، فقط محاولات فردية؛ فمثلاً المخرج ميشيل خليفي يمثل مدرسة، والمخرج إيليا سليمان هو مدرسة أخرى في اللغة السينمائية والتأليف والإنتاج، وهاني أبو أسعد لديه مدرسته الخاصة أيضاً، فكل واحد منهم لديه اتجاه، لكن من الصعب القول إن  لهؤلاء مريدين أو أتباعا أو تلاميذ والسبب عدم وجود عدد كبير من الأفلام والمخرجين.

 ومن هنا يسهل التمييز بين هذا المخرج وذاك؛ فمثلا إيليا سليمان ينتمي إلى الاتجاه الهزلي الذي ينتمي له المخرج والممثل باستر كيتون، ويغوص أكثر في القضايا الشخصية والعائلية ويعتمد على المشهد واللقطة بينما ميشيل خليفي ينتمي إلى سينما روائية سردية لا تغفل الجانب الوثائقي، فيها حرص على إظهار المجتمع الفلسطيني.

في حين يشتغل هاني أبو أسعد بشكل مكثف على موضوع السيناريو، كما يشتغل على الأجناس السينمائية، ويعبر عن التعقيد من خلال الكتابة السينمائية، أما مشهراوي فلديه طريقة أخرى أكثر مباشرة وأكثر قرباً من المواضيع السياسية والاجتماعية مع التركيز على الوثائقي.

"الشيخاوي" خلال نقاش في مهرجان سينما فلسطين بمدينة تولوز الفرنسية.

2. ركزت خلال نقاشاتك على أن إيليا سليمان ترك بصمة عالمية وليست فلسطينية وحسب أو عربية فقط، فكيف تحقق ذلك؟

بشكل أساسي إيليا موهوب، إلا أن هاني أبو أسعد موهوب أيضاً ولكل منهما النظرة والتفرد والتميز، ولكن إيليا يتمتع ببصمة خاصة تجعل ما يقدمه يمس الجانب الكوني في السينما.

وبانت شهرته الأولى منذ أن شارك في مهرجان فينيسيا ومن ثم تكررت مشاركاته العالمية، فهو يولي عناية كبيرة إلى الكادر وتركيب الصورة، ولديه معايير ومقاييس لمسها النقاد ومنظمو المهرجانات، ما ذكرهم بمخرجين كبار دون أن يكررهم، في مقدمتهم باستر كيتون ثم المخرج الفرنسي جاك تاتي، والإيطالي ناني موريتي.

 وقد بدأ الاهتمام العالمي ينصب نحو إيليا عقب عرض أول أفلامه وما تحمله من رموز تعطي للقضية الفلسطينية نوعا من الظهور لكن بشكل مغاير، وخاصة في الأوساط اليسارية المتعاطفة التي وجدت مخرجا فلسطينيا في مستوى عالمي قادم من منطقة الشرق الأوسط بلغة مختلفة. وقد ثبتت قيمته العالمية وبقي النقاش في القيمة السينمائية لأفلامه وهذا أمر يطول شرحه لأنه يتطلب أن نلاحق هذه الأفلام من لقطة إلى لقطة.

ومن المهم الإشارة أن حديثي هذا لا يعني أن البقية ليست جديرة بنفس الاهتمام أو الظهور، فعندنا هاني أبو أسعد شارك أيضا في مهرجانات عالمية، لكن تبقى أفلامه لها نمطها الروائي والسردي الكلاسيكي وبالطبع هذا لا يتنافى مع براعته كمخرج. بيد أن إيليا حرص أن يبقى بعيدا كل البعد عن الروائية السردية المعتادة، بشكل مختلف وعميق، لذلك من الطبيعي أن يحظى باهتمام أكبر.

 ولا يمكن إنكار أن ثمة العديد من الشباب الموهوبين من صناع السينما لكن أصبحت القدرة على التمييز الحقيقي وإدراك القيمة الفنية لأفلامهم أكثر صعوبة من قبل، وذلك لأن غالبية المهرجانات غرقت في الثقافتية الجيوستراتيجية، فالموضوع السياسي يسبق البراعة، ما يهمش الموهوب منهم خاصة أن هناك تقصيرا يعود إلى النقاد والمثقفين، فالثقافة السينمائية ضعيفة، وكذلك توزيع الأفلام؛ فعلى سبيل المثال كم شخصا في العالم العربي شاهد أو يعرف فيلم "عطش" للمخرج الفلسطيني توفيق أبو وائل وهو فيلم شديد البراعة.

يجب أن نبحث كثيراً ونتعرف على درر موجودة بيننا لكنها مغمورة بحكم السياق الضعيف في التعاطي مع الوعي السينمائي، وهذا دورنا ودور الفاعلين في الميدان السينمائي ودور المدارس ودور الصحافة والمخرجين؛ فلا نتبع فقط من لديه الشهرة العالمية، وإبراز فلان على حساب فلان، وهذا عكس ما يحدث في المشهد السينمائي خارج الوطن العربي الذي يقدر الاجتهاد والإبداع، والسبب وجود حياة ثقافية ووعي سينمائي، فمثلا هنا في فرنسا، تعتبر صناعة السينما أمر امهما في الاقتصاد ومن اهتمامات الدولة، ولا يعتبر أمرا تافها على الإطلاق.

المخرج الفلسطيني إيليا سليمان صاحب ثلاثية "سجل اختفاء"، و"يد إلهية"، و"الزمن الباقي".

3.لاحت السينما المستقلة في السينما العربية مع ظهور المخرج المصري محمد بيومي في عشرينيات القرن الماضي، وحملت توجهات ولغة مختلفة عما اعتاد عليه المشاهد وقتها، وزادت وتيرة إنتاجها عقب فيلم "كليفتي"2004 للمخرج محمد خان، وفيلم "إيثاكي" 2005  للمخرج ابراهيم بطوط، كما ارتبطت بالتصوير الديجيتال، فأنت كناقد متى ترى أن هذا الفيلم أو ذاك مستقل؟

في الأساس هو مصطلح جاء من أمريكا للتعبير عن استقلالية بعض الأفلام عن السينما التجارية، لذلك برز في العالم العربي بمصر لأن هناك صناعة سينما تجارية ضخمة تستدعي الاستقلال عنها، أما في تونس وفلسطين فلا توجد صناعة سينما تجارية بل الأفلام التي يتم صناعتها في أغلبها بالأصل مستقلة.

بالنسبة لي كناقد من النادر أن أستخدم هكذا مصطلح، فكثرة استخدامه يعبر عن نوع من الكسل اللفظي والنقدي، وربما أفضّل عبارة "سينما المؤلف" وهو اتجاه له علاقة بالانشقاق عن السائد.

ويجب التذكر أن كون السينما تجارية لها جمهور أكبر وقاعات أوسع وشهرة أكثر، لا يعني بالضرورة أنها سينما سيئة لمجرد كونها كذلك.

 إن التفرقة ما بين السينما المستقلة والسينما التجارية لا يمكن أن تكون بإطلاق حكم عام على إحداهما، فهذا نوع من الإسراف، خاصة إذا قلنا إن جميع الأفلام المستقلة هي جيدة، لأننا قد نجد فيلماً مستقلاً خارج الأطر المعهودة إلا أنه ضعيف فنياً، ومن الممكن أن يكون هناك فيلم تجاري وفيه ممثلون كبار إلا أنه فيلم جيد، ومثال على ذلك المخرج يوسف شاهين فلديه أفلام تجارية لكنها جيدة. ومن غير الممكن تبسيط الأمور بالقول إن كل فيلم فيه ما هو ضعيف، فهذه نظرة كسولة نقديا وعدائية أيضا، ففي السينما الأمريكية على سبيل المثال كان المخرج ألفريد هتشكوك مخرجا موهوبا والناس تشاهده، على الرغم من أن هناك طبقات سينمائية أكثر عمقا من أفلامه.

المخرج المصري محمد خان

4. بناء على إجابتك السابقة كيف تنظر إلى تيار السينما المستقلة الحديثة في العالم العربي أو سينما المؤلف كما تفضل وصفها ؟

هناك من المخرجين من استطاع التوفيق بين التجاري والمستقل والمعيار هنا المخرج يوسف شاهين، ثم يأتي المخرج يسري نصرالله الذي استطاع أيضا التوفيق بين التجاري والمستقل، وهو أمر ليس سهلا على الإطلاق.

 وكي نؤسس لهذا الحديث، فإنه من الممكن القول إن يوسف شاهين مس بأسلوبه الإخراجي جيلا بأكمله من السينمائيين؛ جيل جديد في فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات أبرزهم المخرج يسري نصر الله في مصر ومحمد ملص في سوريا والنوري بوزيد في تونس ومرزاق علواش في الجزائر والجيلالي الفرحاتي في المغرب، ثم لم نر شيئا يذكر منذ النصف الثاني من التسعينيات إلا ما ندر كالمغربي فوزي بن سعيدي والجزائري طارق تقية، والتونسي الجيلاني السعدي، والمصري إبراهيم بطوط، واللبناني غسان سلهب، والفلسطيني هاني أبو أسعد.

وتميز الجيل الذي ظهر بعد شاهين أنه ينتقد في أفكاره السلطات، ويهتم بالمواضيع الاجتماعية، ويحرص على جودة العمل، ولديه السينما مبنية على التأليف والإبداع والجرأة السياسية ولكنه غير مؤدلج، كما أن أفلامه روائية، ومكتوبة بشكل جيد ويمتلك فكرة راقية نقدية عن السينما تقاوم الرداءة.

 ثم هناك الجيل الثاني، وهذا الجيل لا يهتم  بالجودة في معناها الأكاديمي أو التمدرس السينمائي، ولديه مشاكل فنية لا تؤرقه، هم أقرب إلى الفن منهم إلى الثقافة، كما أن المخرج شامل؛ فهو يؤلف ويمثل ويخرج، ومن الممكن القول إن إيليا سليمان محسوب ضمن هذا الجيل إلا أنه يتميز عنه وهذا ما يدعو للدهشة.

وقد ابتعد هذا الجيل عن الخطية السردية، كما لا يوجد جانب روائي كلاسيكي في أفلامه بل هي أفلام تشتغل على التعقيد والعمق والبحث والاستكشاف، ويمثل فيها ناس من العامة وليس بالضرورة من النجوم، وحتى لو صنع هذا الجيل أفلام الــ"أكشن" فتكون بطريقة مغايرة عن أفلام "الأكشن" التجارية، كما هي أفلام المخرج فوزي بن سعيدي.

إذاً هو جيل التجريب والجرأة في طرح الأشكال السينمائية، واستعمال التقنيات السينمائية، ولكن هذا لا يعني أن التفوق يقتصر عليهم، فجيل ملص وبوزيد وعلواش تفوق أيضا إلا أنه احترم القواعد السينمائية، ربما أنه لم يحترم السينما التجارية ولكن لديهم قواعدهم على عكس الجيل الأخير الذي يتجاوز القواعد، ولا يخاف من نبش قضايا حساسة أو قلة الجودة إلى درجة أن ارتعاش الكاميرا خلال التصوير لا يلقون له بالاً فلا يخافون من الخطأ أو يتبرأون منه، فليس المديح وتصفيق الجماهير ما يسعون إليه.

هناك من المخرجين من استطاع التوفيق بين التجاري والمستقل والمعيار هنا المخرج يوسف شاهين.

5. غالبية أفلام هؤلاء المخرجين الذين ذكرتهم خاصة التسجيلية والوثائقية منها، نجد ظهور المخرج فيها أصبح يشبه اللازمة الإبداعية، ما يجعل الفيلم ثقيلاً إلى حد ما، ويدور طوال الوقت حول المخرج ذاته!؟

ربما يكون هذا الأسلوب مرتبطا بأفلام ما بعد الحداثة، وبكل الأحوال وجود المخرج مرتبط بما تقتضيه ثيمة الفيلم، ولا أرى وجود المخرج في أفلامه زيادة بل خفة، وفيه اعتراف أولا بذاته فهو يقول للمتلقي هذا كل ما أود قوله لك، وهو نابع من ذاتي، كما أنه يعبر عن نوع من النزاهة، فكأنه يقول: أنا لا أتكلم باسم الناس أو أعظهم ولا أمارس عليهم أي سلطة معرفية أو علمية، بل هذه ذاتيتي وأخطائي التي لا أخجل منها.

والمتلقي العربي غير معتاد على إبراز كينونة الفرد ووجوده، لذلك نتحدث دائما عن مجتمع وقبيلة، كأن هناك نوعا من الخجل إذا عبرنا عن ذات الفرد الواحد، وهذا أمر خاص بثقافتنا حين يمثل الفرد وانطلاقه تناقضا مع المجتمع، على الرغم من أن هذا الانطلاق يجعلنا نتطور كأفراد مستقلين، ويصبح لكل واحد منا هامش من الحرية في السينما والحياة والفن، وهذا أمر يحدث منذ شارلي شابلن الذي فتح بابا كبيراً أمام السينمائي ليؤدي ذاته. وأنوه أن كلامي هذا لا يعني أن كل حالات ظهور المخرج بأفلامه مبررة وتعبر عن نزاهة ويجب أن نصفق لها.

المخرج السينمائي الفلسطيني "ميشيل خليفي".

6. هل قدمت الأفلام الفلسطينية الحديثة كأفلام إيليا، معادلة موضوعية مغايره للصورة النمطية التي تعبر عن قضية فلسطين؟

بالتأكيد إيليا سليمان لا يعالج القضية بطريقة نمطية، بل يقدم الضحية بصورة تختلف تماما عن الصورة الموجودة في القنوات الإخبارية مثلاً؛ وهي صورة إعلامية وشعبوية كي تصل إلى أكبر قدر من الناس، كما أنها سهلة وأكثر من بسيطة، وتتوجه إلى الجماهير فتجاريهم في مشاعرهم كنوع من إرضاء الضمير، كذلك ربح أكثر ما يمكن من الأموال.

وكناقد لدي موقف نقدي من هذه الصورة الشعبوية التي تقدم عن فلسطين عبر قنوات الأخبار والأفلام المنتجة؛ أكثر ما يمكن تقديمه من الصراخ والدم والبكاء والموت والمباشرة والمؤثرات البصرية، وأعتبره إنتاجا بصريا يحمل بلاغة مزيفة لا يخدم الصورة بل هو ضدها، ومشغول للدعاية. في حين أرى أن إيليا يلعب على هذه الأيقونات النمطية والكليشيهات السائدة كالخريطة وعرفات وفكرة المقاومة باتجاه معاكس تماما، فقد استطعت رؤية فلسطين بطريقة أخرى، وكأنه نحى الغبار عنها وأعطاها مظهرا جديدا فيه عمق وبعد وغيرية أزاح به القديم الدائم. وهذه هي مهمة الفنان والمبدع أن يقدم القضية التي تهمه بشكل متميز ومتفرد عن المعهود، فيكتشفها المتلقي معه من جديد، وهذا ما فعله إيليا؛ أعطانا فلسطين جديدة.

لقطة من فيلم "الزمن الباقي" لإيليا سليمان.

قد ينال إعجابكم