حوارات

العلوي: السينما المغربية تتطور

ندى الأزهري- كلكتا

إضاءة خاصة على السينما المغربية المعاصرة سلّطها مهرجان "كلكتا" السينمائي الدولي لما تشكّله هذه السينما من نموذج في السينما الأفريقية وحجر أساس في السينما العربية اليوم. لهذا الغرض اختار المهرجان الذي أقيم في الفترة ما بين 10-17 نوفمبر، ستة أفلام هي "المنسيون" لحسن بنجلون و"الوتر الخامس" لسلمى بركاش و"زيرو" لنور الدين لخمري و"خلف الأبواب المغلقة" لمحمد بن سودة و"غزية" لنبيل عيوش و"أندرومان...دم وفحم" لعز العرب العلوي.

"أندرومان..." عنوان مثير للفضول سألنا المخرج عنه قبل مشاهدة الفيلم، فقال أنه اسم شجرة بالأمازيغية تنمو على سفوح جبال الأطلس وتتميز بقوة تحملها الشديدة لظروف المناخ مهما قست. وهنا أضافت المخرجة سلمى بركاش التي تواجدت في المهرجان، أنه أيضًا اسم لفتاة أمازيغية شاءت لها الأعراف أن تلعب منذ ولادتها دورًا ذكوريًا... يبدي الفيلم، الذي صوّر في قرية نائية في جبال الأطلس، عادات القرية ومعتقدات أهلها، ويركز على هذه المهنة الذكورية التي يتوارثها الأبناء أبًا عن جد، ويتوارثون معها حق استغلال أراض مشتركة، وهي العمل في الغابات لإعداد الخشب وتحويله إلى فحم.  فما يحصل حين يكون الابن المنتظر بنتًا؟ ما العمل أمام هذه العادات العفنة التي تقصي المرأة في المجتمع المغربي وتمنع عنها حقها في الأرض؟ كل ما يفعله الآباء الالتفاف عليها لضمان حق العائلة في استغلال الأرض، وتحويل الأنثى إلى ذكر غصبًا عنها لتعيش متنكرة بثوب رجل طوال حياتها ولتنكر أنوثتها وتحيا هذا التناقض والصراع الرهيب بين النزعات الفطرية لهذا الجسدالأنثوي وبين المظهر الذكوري المفروض. يتجاوز مضمون الفيلم عادات هذه القرية المعزولة لينسحب على إقصاء المرأة بشكل عام في كل مكان وزمان.

"أندرومان...دم وفحم"، الفيلم الأول للمخرج وكان عرض في العديد من المهرجانات حين خروجه عام 2012، ونال أربع جوائز دفعة واحدة في المهرجان الوطني بطنجة وبعدها نال جوائز عدة دولية بمهرجان الإسكندرية والمهرجان المغاربي بالجزائر ومهرجان مسقط الدولي ومهرجان نجمة الكريستال ببلجيكا ومهرجان السينما ببروندي ومهرجان فيسباكو بالبوركينا فاصو ومهرجان كان أفريقيا بكان بفرنسا وغيرها من الجوائز والمشاركات السينمائية الدولية.
حقق عز العرب العلوي أكثر من أربعين فيلمًا وثائقيًا وسبعة أفلام قصيرة وأربعة أفلام تلفزيونية طويلة. تمحور عدد من أفلامه الوثائقية حول سياسيين وقضايا سياسية مثيرة للجدل وكذلك حول الواقع المغربي ومجتمع المهمشين خارج المدن الكبرى. فيلم "تحت الثلج" مثلاً الذي يصور مأساة القرويين عند هطول الثلج وصعوبات معيشتهم. كذلك اهتم عز العرب بصعوبات عمل المرأة القروية وأبرزها في "سيدات السجاد"... نسأله في لقاءنا في “كلكتا” التي حضر مهرجانها كعضو في لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للفيلم الدولي الطويل ولمشاركة فيلمه في العروض.

لماذا انتظرت كل هذه المدة قبل إنجاز فيلمك الروائي الأول، للانتقال من الفيلم الوثائقي للروائي؟

 بدأت العمل في السينما في نهاية الثمانينيات حين كنت متدربًا في إنجاز الأفلام، ثم درست السينما ونلت دبلوم الدراسات العليا في السينما سنة 1996 ثم الدكتوراه في الخطاب السينمائي عام 2000. بدأت بفيلمي هذا في 2009 وتم إنجازه في ظرف أربع سنوات حيث لم ير النور إلا سنة 2012 والقضية ليست قضية انتظار، إنما الفيلم الطويل يأخذ وقتًا ويحتاج لدعم وليس كالأفلام القصيرة. فيلمي الثاني"كيليكيس، دوار البوم"،  الذي انتهيت منه مؤخرا وسيعرض بداية العام المقبل 2018 يجيء ست سنوات بعد الأول! 

سيكون لنا السبق إذا بالتعرف منك على الفيلم الجديد وموضوعه، أهو عن قضايا تشغل المجتمع المغربي والمهمشين فيه؟

دوار البوم، الواقع بين جبال الأطلس الكبير هو تجمع سكني لعائلات وحراس معتقل سياسي سري ظل وجوده مجهولاً حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي. يتناوب حراسه ذهابًا وإيابًا على جسر معلق في الهواء فوق واد سحيق يربط بين الدوار وسجن القلعة. أما "كيليكيس" فرمزٌ يستخدم بين المعتقلين السياسيين  للسؤال عن هوية كل قادم جديد قد يقتحم عنبرهم . الفيلم  في الحقيقة يدور حول السجان وليس عن المسجون، عن نفسيته ودواخله ومشاعره أمام ما يشهده من آلام المعتقلين في يومهم، هو يعيش في حبس كذلك وربما أكثر من المعتقلين. سعيد الرجل البسيط غير المتعلم الذي يقضي حياته كما الآخرين في المناوبة على حراسة بوابة المعتقل وفي مساعدة الفقيه لدفن موتى المعتقل، مؤمن بدوره في حماية وطنه ممن يعتقدهم خطرًا على أمنه بيد أن قناعته ستصطدم بمأساة الفقيه ليدرك في النهاية أن "دوار البوم" ليس سوى سجنًا كبيرًا يحتجز فيه الجميع حراسًا ومعتقلين.

هل يحقق هذا النوع من الأفلام إقبالاً في المغرب؟

حقق أندرومان نجاحًا كبيرًا سواء في صالات العرض أو في المهرجان الوطني للسينما المغربية وكذالك في المهرجانات العربية والدولية، كان هناك عشرة جوائز مخصصة لخمسة وعشرين فيلمًا مغربيًا في المهرجان الوطني، حصد فيلمي منها أربعة، أي النصف تقريبًا. كما حقق نجاحًا في المهرجانات في الإسكندرية وفرنسا وبلجيكا.

 والجمهور المغربي؟

في كل مرة عرض فيها على هذا الجمهور تمتلئ القاعة. هو فيلم بين سينما المؤلف  والسينما الجماهيرية. عند أول عرض له في المهرجان الوطني للسينما في المغرب، وقف الجمهور وظلّ يصفق لمدة عشر دقائق. لم أستطع حينها تمالك دموعي حتى أنني لم أتمكن من الكلام وإعطاء التصريحات من شدة انفعالي. موقف الجمهور هكذا أثقل كاهلي بمسؤولية مزدوجة ولهذا قضيت وقتًا في إنجاز فيلمي الثاني. لا أهتم لعدد الأفلام بقدر ما أعمل على إخراج أفلام تبقى يمكن الرجوع إليها مرات لنرى فيها ربما ما لم نره في المرة الأولى.

كيف ترى وضع السينما المغربية المعاصرة؟

في طور التقدم، لقد وضعت اللبنات الأساسية في البناء وساهم الإنتاج الكثير للأفلام القصيرة فيها. يفرض المركز السينمائي في المغرب إنجاز ثلاثة أفلام قصيرة قبل الحصول على الرخصة ما خلق حيوية وديناميكية في الساحة السينمائية، فكل عام يُحقق ما لايقل عن 120 فيلم قصير. كما أن المركز دعم ظهور المهرجانات في البلد وهكذا فثمة الآن 64 مهرجانًا ناشطًا في المغرب ما خلق حركة سينمائية بسبب عرض كل هذه الأفلام سواء أكانت قصيرة أم طويلة في المهرجانات.

كم فيلمًا طويلاً ينتج في العام، وما وضع الفيلم الوثائقي؟

 ينتج تقريبا 26 فيلمًا طويلاً وأكثر من خمسة عشر فيلمًا وثائقيًا في العام الواحد.

أشرت إلى العدد الكبير للمهرجانات السينمائية في المغرب، هل تعتقد في كثرتها أمرًا إيجابيًا؟

 المهرجانات مفيدة لتعوّض هذا النقص الكبير في عدد دور العرض في المغرب. في الثمانينيات كانت القاعات تغلق في المغرب واحدة تلو أخرى، وهكذا هبط عددها من حوالي الثلاثمائة قاعة إلى ست وثلاثين!

هل هناك ما يمكن أن نسميه سينما مغربية، تتمتع بخصائص ومواصفات معينة، أم أن الأمر لا يتعدى وجود أعمال مغربية لمخرجين أفراد؟

أعتقد أن هناك أفلامًا مغربية وليس مدرسة أو سينما مغربية، بمعنى أن المخرجين يصنعون أفلامًا لاتتشابه مع بعضها، فلكل مخرج أسلوبه الخاص ورؤيته للعالم التي تنعكس في أعماله، هذا ما أفعله محاولاً أن تستجيب أفلامي لرؤيتي. سينماي تعتمد على الإنسان سواء أكان مهمشًا كما في أندرومان، أو مسلوب الإرادة كما في فيلمي الثاني "كيليكيس دوار البوم"، ربما كان هذا نهجًا سينمائيًا جديدًا في السينما المغربية. سيكون الإنسان في فيلمي الثالث كذلك محورًا، ليس الفرد بالضرورة بل الإنسان الجمع كما في أندرومان، إذ أنه رغم وجود بطلة يقوم الفيلم على قضيتها، ثمة قرية وأناس يعانون اضطرابات نفسية ولّدها التهميش. هؤلاء الأفراد يتقاسمون معنا التاريخ والجغرافيا ولكن ليس الثروات، إنه الإنسان المهمش في القرى بعيدًا عن المدن. المدينة هي واجهة للمغرب، ولكن ما يعتبر الهامش الذي يشكل عمق المغرب هو محط اهتمامي. لدى أهل المحور من يدافع عنهم والدولة تعمل لتلميع صورة الواجهة، فمن يدافع عن المغرب العميق المنسي والمهمش إن لم يكن المثقف؟

تعتقد بالسينما الملتزمة؟

 أحببت السينما منذ صغري، وفي مدينتي الصحراوية في الجنوب الشرقي للمغرب لم يكن لدينا سوى قاعة سينمائية كانت لنا العين السحرية لنطلّ على العالم، كنت أدخلها مرة أسبوعيًا وكان هذا بداية تعلقي بالسينما وإيماني بدورها. الآن وقد أصبحت بدوري أحقق أفلامًا، فأنا لا أقدر على إنجاز سينما بغرض الفكاهة فقط. أرفض الكثير من هذه المواضيع وأبحث عما يمكن لي أن أضيفه لساحة الفن السينمائي. أثير الأسئلة ولا أعطي إجابات أحب أن أجعل المشاهد يتساءل ويتأمل ويفكر...الأسئلة هي بداية طريق المعرفة.

والسينما العربية ما موقعها لديك؟

كنا نطلق اسم السينما العربية على السينما المصرية في وقت من الأوقات، حينما كان هناك غياب شبه تام لسينمات عربية أخرى إضافة الى أنها كانت تحقق انسجامًا في مواضيعها آنذاك.  لكن الآن لم تعد السينما المصرية مدرسة سينمائية ذات خصائص محددة كالسينما الإيرانية مثلاً، وهكذا بات الحديث اليوم عن مخرجين عرب في كل الأقطار وليس عن سينما عربية. ثمة أفلام خالدة عربية لا يمكن تجاهلها إطلاقا بالنسبة لي كفيلم المومياء لشادي عبد السلام مثلاً... وباعتباري رئيس مركز الدراسات والأبحاث السينمائية بالمغرب فأنا أبحث ضمن فريق أكاديمي، لوضع اللمسات الأولى لبحث أكاديمي هدفه تطوير السينما العربية نظريًا أولاً ثم تطبيقيًا. كذلك من ضمن اهتماماتي الاشتغال على السينما الصوفية أو الروحية لهذا أنا أعمل حاليًا على كتاب حول السينما الروحية والصوفية سيرى النور قريبًا.
 

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...