حوارات

المخرج الإندونيسي ريري رضا: السوق الوطني هدفنا

حاورته: ندى الأزهري

مقدمة عامة عن السينما الإندونيسية

 يُنتج في إندونيسيا مائة وخمسون فيلما في العام، وتاريخ السينما فيها طويل متعرج لا يخلو من مصاعب كثيرة ترافقت مع التغيرات السياسية التي عصفت بالبلاد لنصل إلى الحاضر حيث لا يوجد ما يمكن أن نطلق عليه صناعة سينمائية بل إنتاجات فردية في معظمها.

 تطورت هذه السينما تحت الاحتلال الهولندي حين دخلت الأجهزة السينمائية وظهر أول فيلم صامت عام 1926 ونفذه هولندي بممثلين محليين. ثم تطورت الصناعة السينمائية خلال الاحتلال الياباني من 1941- 1945 واستخدمت كوسيلة دعائية. بعد الاستقلال ووصول سوكارنو (1945-1967) للحكم، توقف الإنتاج السينمائي أربع سنوات، ثم مُنع استيراد الأفلام الأجنبية وهو ما ساهم بالطبع في تطوير السينما الوطنية. وهكذا أنتج منتصف الخمسينيات 65 فيلما على سبيل المثال وانتشر الفيلم الوطني الذي يهاجم الاستعمار.

تطورت السينما الوطنية الإندونيسية في عهد سوكارنو

بيد أن وصول سوهارتو للحكم ( 1967-1998) أثر على الإنتاج السينمائي لناحية فرض الرقابة على الأفلام والعمل على إنتاج أفلام دعائية للنظام لكن متابعة قرار منع استيراد الأفلام مارس تأثيره الإيجابي على الإنتاج المحلي وتطوير الصناعة ما ارتفع بعدد الأفلام المنتجة إلى المائة في السبعينيات والثمانينيات فكانت تلك الحقبة الذهبية للسينما الإندونيسية إنما في الكمّ وليس الكيف! ومع بداية التسعينيات سُمح للفيلم الأجنبي بالعرض في الداخل ما أثر على نجاح الفيلم المحلي كما ساهمت القرصنة والتلفزيون في انخفاض الإنتاج السينمائي من 115 فيلما في بداية التسعينيات إلى 37 بعد ذلك بثلاث سنوات.

وهكذا شكّلت فترة التسعينيات ولاسيما نهايتها مرحلة انتقالية للسينما وللسياسة فقد أثر فيها انخفاض سعر النفط وضعف الاقتصاد الذي يعتمد على الخارج. أما سينمائيا فلم يكن لدى المخرجين الحرية لاختيار فريق العمل مثلا، ويجب المرور بالقنوات الرسمية لإرسال الفيلم للمهرجانات.

بعد سوهارتو بدأت انطلاقة جديدة للسينما الإندونيسية مستمرة لليوم وهي عصر ذهبي جديد لهذه السينما فالجيل الجديد لديه الوسيلة نحو المعرفة والانفتاح كما تشكل السينما عنصرا أساسيا في الحياة الثقافية للشباب الإندونيسي من الطبقة الوسطى والمرفهة. ويمثل السوق الوطني الهدف الرئيسي لهذه السينما التي تعنى بهذا الجمهور حيث وضعت في الواجهة مواضيع تعالج مكانة الثقافة المحلية في مواجهة الحداثة ومكانة الإسلام في المجتمع.

ريري رضا

في فيلمه " عَطِرة، إمّا" يرسم المخرج الإندونيسي ريري رضا لوحة لعائلة إندونيسية من جنوب البلاد في الستينيات. الفيلم المستوحى من قصة حقيقية يصور حياة أسرة هانئة تنقلب أحوالها بعد تعرف الأب على امرأة أخرى وزواجه منها. تحتفظ عطرة الزوجة والأم بهدوئها حفاظا على تماسك أسرتها وتتابع بكل جلد وصبر إدارة شؤونها أثناء غياب الزوج وانشغاله بعروسه. فيلم تكريم لامرأة تحكّم العقل في إدارة شؤونها العائلية وفي مواجهة المشاكل وصعوبات الحياة

ريري رضا ( 1970) مخرج ومنتج وكاتب سيناريو إندونيسي درس السينما في معهد الفنون في إندونيسيا. بدأ بتحقيق الأفلام بمفرده دون مساعدة من الحكومة مثله مثل عديدين في بلده يؤمنون بالسينما ويبذلون ما بوسعهم لتحقيق الأفلام دون دعم من أية جهة كانت. أفلامه متنوعة بمواضيعها فسواء تناولت العائلة أو الشباب أو التاريخ فهي تجذب أهل بلده، جمهور يهمّ رضا قبل أي جمهور آخر.

فيلمه الأخير" عطرة، إمّا "أو " عطرة، الأم" شارك في مهرجاني بوسان وطوكيو ومؤخرا في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للسينما الآسيوية في فزول (فرنسا) وفاز بجائزة من جوائزه، هناك التقينا المخرج.

فاز فيلم لريري رضا بجائزة في المهرجان الأخير للسينما الآسيوية في فرنسا.

-الفيلم سيرة حياة تُروى بعيون ابن مراهق يدرك هذه التغيرات التي تلحق بأسرته. هل هو ذكريات خاصة بك؟

- كنت دائما قريبا من أمي...إمّا أو أمي قصة مأخوذة عن شخصية حقيقية، عن الطريقة التي تواجه بها أم حقائق الزواج في ثقافة شديدة الخصوصية لمجموعة عرقية من جنوب جزر "سيليب" (شمال شرق جاوا) تُدعى " بوغي" حيث للرجل السلطة المطلقة. المرأة في القصة تحترم الحياة والحب، الفيلم تكريم لكل أولئك النسوة القويات اللواتي يؤمنّ بوحدة وتضامن العائلة، مثل أمي التي فقدتها مؤخرا. لكن فيلمي ليس فقط عن العائلة، إنه يتناول كذلك الروابط المتينة بين الأم وابنها ويلتقط مشاعر شاب يشهد انهيار العلاقة بين والديه. كما يجسد فكرة أنك حين تولد في عائلة كهذه فيمكنك أن تكون شاهدا على مآس تتعرض لها دون أن يمنعك هذا من عيش حياتك الخاصة والاستمتاع بها.

- هل هذا النوع من السينما الاجتماعية العائلية مميز للسينما الإندونيسية، كيف يستقبله الجمهور الإندونيسي؟

 في معظم أفلامي أطرح قضايا مجتمعي وأعالجها كإندونيسي أنتمي لهذا الشعب، هذا ما يجعلها جاذبة للجمهور. تضم إندونيسيا أكبر عدد للسكان المسلمين في العالم وفيلمي هذا عن دور الدين في العائلة وعن القرارات الذكورية التي تتخذ الدين ستارا ومدى تأثيرها على المرأة وهي هنا الأم. الفيلم لم ينجح جماهيريا كأفلام أخرى لي، لكنه حصل على جوائز عدة في مسابقة الفيلم الوطني، يمكن القول إن النقاد انحازوا له أكثر من الجمهور، فهذا الأخير يشعر بنوع من عدم الارتياح أمام شخصية كتلك التي في الفيلم، امرأة قوية تفرض حضورها تقود عائلتها بكل حكمة وتغيّر المجتمع بدون صخب.

يركز ريري رضا على السوق المحلية للسينما في إندونيسيا

-يمكن الحديث أيضا عن أسلوب الإخراج بإيقاعه البطيء نوعا، بصورته التشكيلية...ما قد لا ينال إعجاب المشاهد المعتاد على سينما تجارية.

(مبتسما)، ربما يكون الاثنين معا، أي المضمون والشكل. ليس من السهل تناول موضوع كهذا. لو كنت أظهرت المرأة وهي تدافع عن نفسها بالصراخ بأسلوب درامي لكان الفيلم قد نجح، إنما الأم لا تتوقف عن حماية أسرتها والحفاظ عليها بأسلوبها الهادئ الرصين والعقلاني وهي تحاول في الآن ذاته جذب الزوج من جديد وربما تكون ربحت في النهاية! لكن الناس لا يحبون امرأة من هذا الشكل ولا يميلون لأسلوبها بالتعامل مع المشاكل والخلافات!

- أجادت بطلة الفيلم "كات ميني"( (Cut Mini دور الأم، كيف اخترتها؟ هل هي ممثلة مشهورة في إندونيسيا؟

كانت كات مثّلت في " فرق قوس قزح" (2008) أحد أفلامي الذي حقق نجاحا ضخما، وفازت في مسابقة مهرجان السينما الوطنية عن دورها فيه بجائزة أفضل ممثلة. إنها معروفة خاصة بفضل هذا الفيلم، كانت تمثل قبله ولكن في أفلام صغيرة. بعد أن اشتهرت ونجحت حصل لها ما يحصل عادة من صعوبة القبول بأي دور. كان كل ما يعرض عليها هو أدوار تنسخ الدور الذي برزت فيه ووهبها النجاح فتوقفت تقريبا عن العمل إلى أن عرضت عليها " الأم".

أجادت كات ميني في دور الأم الذي أخرجه ريري رضا

-السينما الإندونيسية غير معروفة تماما، باستثناء أسماء قليلة مثل غارين نوغرو، ما نوع السينما السائدة هناك وما مدى اختلافها أو تطابقها مع الافلام الإندونيسية التي تعرض في المهرجانات الدولية؟

يسمر إسماعيل هو أبو السينما الإندونيسية ومعلم الواقعية الجديدة من الخمسينيات وحتى السبعينيات وهو من أثّر بي فأفلامه تعكس هويتنا الوطنية. أما حاليا فيُنتج سنويا في إندونيسيا مائة وخمسون فيلما معظمها متأثر بهوليوود، ولا تتجاوز كمية الأفلام الجيدة العشرة! بعض هذه يشارك في مهرجانات من نوع لوكارنو وبرلين والبندقية مثل أفلام غارين. ثمة أفلام عاطفية يُصور بعضها في باريس وهوليوود، كذلك ثمة أفلام دينية أو ذات خلفية دينية، وتلك تنال رضى وحب الجمهور الذي يميل بشكل خاص إلى مشاهدة أفلام تطرح الخلافات التي تتعرض لها عائلة بسبب المعتقدات الدينية. لكن الغالبية العظمى من الأفلام تنتمي لفئة الحركة أو الأكشن والكوميديا. على سبيل المثال حقق أحد الأفلام الهزلية نجاحا هائلا واستقطب سبعة ملايين مشاهد وهو رقم ضخم.

- لكنه ليس على هذه الضخامة في بلد يقترب عدد سكانه من 260 مليون نسمة! قد يكون هذا رقما ضخما، وإن لم يكن الأعلى، في فرنسا مثلا.

- بالطبع، بيد أن عدد الصالات في إندونيسيا لا يتجاوز الـ 1200 صالة وهو قليل قياسا لعدد السكان. كما أن للأفلام الأمريكية حصة في السوق تؤثر على مبيعات الفيلم الإندونيسي إذ يعرض من هوليوود سنويا حوالي المائتي فيلم.

- توقعت أن تقول من بوليوود! ألا تعرض الأفلام الهندية في إندونيسيا؟

-حديثا بدأ عرض أفلام من بوليوود إنما عددها لا يتجاوز العشرين، مع أن معظم المنتجين في إندونيسيا هم من أصول هندية وأكثرهم رجال أعمال.

ريري رضا أثناء إخراج أحد أفلامه

-ما قصة السينما الإندونيسية مع المهرجانات؟

- هناك مخرجون للمهرجانات مثل غارين نوغرو، ثمة آخرون كذلك من الجيل الجديد وأفلامهم لا تلقى النجاح حقا داخل البلد وهم يدركون أن السوق المحلية مختلفة. ترسل المهرجانات الكبرى مثل كان وبرلين مندوبين للاطلاع على أعمال المخرجين الإندونيسيين، لكن كل ما أقوله لهم، ويقوله غيري أيضا، هو أنكم إذا اخترتم أفلامنا فهذا جيد وإلا فسوقنا المحلي كبير! ثمة حساسية لدى البعض تجاه الأفلام المحلية وقضايا الناس العاديين، وهكذا عليك أن تلائم وتوازن فيلمك نوعا ما ليتلاءم مع ذوق مبرمجي المهرجانات. لقد تحدثت مع عديد منهم ومن الصعب أن تتوافق أذواقهم مع بعض المخرجين هنا فهؤلاء لديهم حساسية ما تمنعهم من مواكبة التيار وتحقيق المطلوب منهم. المهرجانات مهمة نعم، ونعرف أنه إن نجحت الأفلام فيها فستفتح لها بعض الصالات في بلدنا أبوابها، إنما على كل الأفلام أن تناسبها!

- ما المقصود بتحقيق المطلوب ومواكبة التيار؟ هل لك أن توضح بأمثلة؟

 ثمة مخرجون من تايلاند مثلا يتميزون بأسلوب من التعبير الفني يجاري تماما ذوق المهرجانات، كما تتمتع أعمالهم بحساسية تتوافق مع الميول الغربية. لدى المهرجانات عملاؤهم من نفس البلد، كما سبق وذكرت، لالتقاط المواهب، يطلبون قصة محلية تتجلى فيها قيم عائلية من التراث مع أسلوب إخراجي لناحية الإيقاع والأجواء متأثر بالنمط الغربي الأوروبي. يميلون لفكرة أن يكون للتراث التقليدي بعد عالمي، حساسية كونية... على سبيل المثال فإن البطء في إيقاع الأفلام الآسيوية متأثر بالسينما الأوربية، بمعلمين كبار مثل برغمان و تاركوفسكي. لهذا يذهب بعض صناع الأفلام الذين يرضون الذوق الفني الأوروبي للمهرجانات الكبرى وبعضهم لا يذهب لأن لديهم حساسية مختلفة وذوقا مغايرا.

في شركتي الإنتاجية، نضع نصب أعيننا الذوق المحلي في المقام الأول. أنا أريد لفيلمي أن يعرض في عشرين مدينة في إندونيسيا ويتواصل مع الناس ويجعلهم يتفاعلون معه. هذا في المقام الأول لي ثم إن عرض في مهرجان سأكون سعيدا بيد أن أفلاما كهذه لا تلقى الاهتمام في مهرجان أوروبي يحب التجريب مثلا.

نحن بلد فيه 250 مليون نسمة، ثقافتنا متأصلة وسوقنا ضخمة ولدينا تراث متجذر ومعظم الأفلام التي تنجح هي التي تطرح كل هذا. صحيح أن أفلام العنف والكوميديا تلقى النجاح الكبير ولكن ليس كالأولى.

يرى رضا أن ثمة قدرا معقولا من الحرية متاحا للسينما في إندونيسيا حاليا

-ألم تتأثر إندونيسيا ومعها السينما بموجة التطرف التي تعمّ العالم؟

إندونيسيا متعددة الأعراق والمعتقدات ويوجد فيها حوالي أربعمائة عرق، لكن تسعين في المائة من سكانها مسلمون. هناك تغيرات كثيرة في العشر سنوات الأخيرة بيد أن ثقافتنا منفتحة وما زلنا نتمتع بقدر وافر من الحرية على الرغم من الضغوط وهذا التوتر الذي يسود الأجواء والذي ينعكس بالتأكيد على بلدنا. لكن انتخابات عام 2014 أظهرت أن الشعب ينبذ التطرف ويفضل الحرية والانفتاح وقدمت للبلاد رئيسا ليبراليا من حزب وطني وسطي.  في الصناعة السينمائية الإندونيسية تبرز المرأة على نحو مدهش ولاسيما في مجال الإنتاج وتتواجد مخرجات أيضا، كما يمكن إنتاج كل أنواع الأفلام حتى تلك المتعلقة بالمثلية الجنسية، أفلامنا سياسية واجتماعية تنتقد بكل حرية ما ترغب به.

 

 

قد ينال إعجابكم