حوارات

الناقد المغربي أحمد سيجلماسي للوثائقية: أسعى للمّ شتات جانب من ذاكرتنا السينمائية المبعثرة

حوار: المصطفى الصوفي

أحمد سيجلماسي هو واحد من أبرز النقاد السينمائيين والمتتبعين والمواكبين والموثقين للحركة السينمائية المغربية منذ بدايتها

لحظة، تابعوا معي هذه اللقطة، وهذا الرجل ذو النظارتين الطبيتين، والذي يمشي بخطوات بطيئة في الشارع الطويل لمدينة فاس المغربية، يوزع ابتسامته العريضة هنا وهناك على معارفه، ويمرّ قبالة صالة السينما التي أغلقت منذ مدّة، يتذكر ذكريات لا تزال تعشش في طوق المكان الذي سكنته عصافير مشقشقة دون أن تخاف من حركة الرجلين.

مولاي أحمد -كما يحلو للبعض أن يسميه- يتنهد بعمق وهو يتأمل نسيج العنكبوت الذي تخترقه أشعة الشمس فتضيء جزءا من المكان الذي أصبح خرابا، يتأسف على الصالة التي احتضنت أحلام الكثير من الشباب في العصر الذهبي للسينما، يتابع المشي ويعرّج على بائع الصحف ليقتني ما تيسر من صحف ومنشورات تأتي في مقدمتها السينمائية، ثم يجلس بهدوء في المقهى الذي ألفه منذ زمن.

مولاي أحمد سيجلماسي هو واحد من أبرز النقاد السينمائيين والمتتبعين والمواكبين والموثقين للحركة السينمائية المغربية منذ بدايتها، إنه حكيم السينما المغربية. فإلى جانب حضوره الوازن في العديد من التظاهرات والمهرجانات محاضرا أو ضمن لجنة تحكيم أو مواكبا وموثقا؛ ساهم أيضا في عدد من الكتب عن تجارب مخرجين وممثلين سينمائيين مغاربة ومواضيع أخرى، وشارك في مهرجانات وندوات ولجان تحكيم مسابقات عدة، كما تم تكريمه في أكثر من مهرجان.

إصدارات سيجلماسي في المجال ثرية وخصبة، فقد صدر له عام 1999 كتاب بعنوان "المغرب السينمائي.. معطيات وتساؤلات"، ومن آخر الكتب الجماعية التي شارك فيها أو أشرف على إعداد وتنسيق موادها "السينما والذاكرة.. الرؤية والرهانات" عام 2017، و"السينما والمجتمع" الذي صدر عام 2016، فضلا عن كتاب "محمد مزيان.. سينمائي وحيد ومتمرد" و"أضواء على التراث السينمائي المغربي" اللذين صدرا عام 2015، ثم مؤلفه الأخير "وجوه من المغرب السينمائي" الذي صدر عام 2018.

مررنا نحن أيضا من ذلك الشارع الطويل، وعرّجنا على العصافير والعنكبوت وظلال الشمس والمقهى، وهناك التقينا أحمد سيجلماسي، شربنا معه القهوة "وأجرت "الجزيرة الوثائقية معه الحوار التالي:

أحمد سيجلماسي: شهد الحقل السينمائي في السنوات الأخيرة في بلادنا بعض التحولات المهمة، كالارتفاع في وتيرة إنتاج الأفلام الطويلة والقصيرة

  • تم تكريمك بتازة في 30 ديسمبر/كانون الأول 2018، ماذا يعني لك هذا الاعتراف كناقد سينمائي وإعلامي مواكب للحقل السينمائي بالمغرب؟

تكريم تازة في اختتام الدورة الخامسة لمهرجان سينما الهواء الطلق للقيم الوطنية والكونية هو خامس تكريم لي، فقد تم تكريمي سابقا أربع مرات، مرتين بمسقط رأسي فاس من طرف المهرجان الوطني للفيلم التربوي، ومهرجان أيام فاس للتواصل السينمائي، وفي الملتقى الوطني لسينما الهامش بجرسيف ومهرجان إفني الدولي لسينما الجنوب.

هذه التكريمات الخمسة تعني الشيء الكثير، فهي من جهة تشجيع على الاستمرارية في مواكبة الفعل السينمائي، ومن جهة أخرى اعتراف بالمجهودات المبذولة منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك على مستويات الكتابة والنشر في عدد من المنابر الإعلامية، والمساهمة في تأسيس وتنشيط الجمعيات والتظاهرات السينمائية المختلفة.

  • تعد من بين أبرز النقاد المتتبعين لما يجري في الحقل السينمائي المغربي، ما الذي يميز هذا الأخير حاليا مقارنة مع السنوات السابقة؟

شهد الحقل السينمائي في السنوات الأخيرة في بلادنا بعض التحولات المهمة، كالارتفاع في وتيرة إنتاج الأفلام الطويلة والقصيرة، وهو الشيء الذي جعل المغرب ومصر وجنوب أفريقيا في صدارة البلدان المنتجة للأفلام الطويلة في القارة الأفريقية، وتكاثر المهرجانات السينمائية التي تجاوز عددها المئة، والإقبال المتزايد للشركات الأجنبية على فضاءات المغرب المتنوعة لتصوير أعمال سينمائية وتلفزيونية مختلفة. وفي المقابل تراجع عدد روّاد القاعات السينمائية من أكثر من 40 مليون مشاهد ومشاهدة عام 1987 إلى أقل من مليونين عام 2017.

  • وما هي أسباب هذا التراجع في نظرك؟

من بين أسباب هذا التراجع المهول تقلص عدد هذه القاعات من 247 قاعة عام 1987 إلى 28 قاعة عام 2017، حيث بلغ عدد شاشاتها مجتمعة 61 شاشة. وحسب معطيات المركز السينمائي المغربي فقد فاقت عائدات نحو 28 قاعة و61 شاشة عام 2017 قيمة 72 مليون درهم مغربي (أي أكثر من 7.2 ملايين دولار)، مع العلم أن الرقم القياسي للعائدات المسجل حتى الآن هو 144 مليون درهم، وقد تحقق ذلك عام 1988 من خلال 245 قاعة. ومعنى هذا أن القاعات السينمائية بالمغرب لم تعد مشاريع تجارية مربحة كما كان الأمر في الماضي.

أحمد سيجلماسي: النقاد الحقيقيون موجودون بالمغرب، منهم من يمارس النقد الشفوي ومنهم من يمارس النقد المكتوب، وعددهم محسوب على رؤوس أصابع اليدين

  • يُتداول أن النقد السينمائي المغربي لا يواكب العملية الإبداعية السينمائية، هل هذا صحيح في نظرك؟

من المفارقات العجيبة أن عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي شهدت حركة ملحوظة على مستوى الكتابات النقدية، والمواكبة الإعلامية للأفلام المغربية على قلتها آنذاك، وذلك بسبب حيوية حركة الأندية السينمائية التي تربى في أحضانها جُلّ نقّاد السينما وعشاقها. أما الآن وقد أصبح المغرب ينتج سنويا ما لا يقل عن 20 فيلما طويلا و50 فيلما قصيرا، فقد تراجعت هذه المواكبة بشكل ملحوظ.

لكن هذا الواقع لا يمنعنا من القول إن هناك أقلاما نقدية نشيطة ورقيا وإلكترونيا تواكب بشكل رصين وشبه منتظم جديد الإبداع السينمائي المغربي والأجنبي، ومن بين هذه الأقلام الزملاء محمد باكريم وأحمد عريب ومحمد بنعزيز وسعيد المزواري ومبارك حسني وسليمان الحقيوي وعامر الشرقي على سبيل المثال لا الحصر.

  • من مهام النقد غالبا تقويم اعوجاج العمل السينمائي.. إلى أي حد يتفاعل المهرجان الوطني للفيلم مثلا مع النقاد في هذا المجال؟

ما لوحظ في عهد المدير السابق للمركز السينمائي المغربي الأستاذ نور الدين الصايل، وهو الأب الروحي للثقافة السينمائية بالمغرب وأول رئيس للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب من 1973 إلى 1983؛ أن علاقته بجمعية نقاد السينما بالمغرب كانت متوترة لاعتبارات مزاجية. أما خلفه على رأس مؤسسة المركز السينمائي المغربي المشرفة على تنظيم المهرجان الوطني للفيلم بطنجة؛ المنتج محمد صارم الحق الفاسي الفهري، فقد انفتح بشكل كبير وإيجابي أحيانا على هذه الجمعية التي تضم ثلة من المهووسين بالسينما وثقافتها من نقاد سينمائيين وأساتذة جامعيين، وذلك من خلال تكليف بعض أعضائها بتسيير جلسات مناقشة الأفلام، وانتقاء أفلام المسابقة الرسمية، والمشاركة في لجان تحكيمها وغير ذلك.

لكن ما يُلاحَظ هو اعتماد نفس الأسماء تقريبا في تنشيط فقرات برامج المهرجانات التي ينظمها المركز السينمائي المذكور. ومعنى هذا أن لكل من المديريْن السابق والحالي للمركز أسماء يتعامل معها لا يُغير تشكيلتها إلا نادرا. هذا مع العلم أن هناك مجموعة من النقاد المنتمين أو غير المنتمين للجمعية المذكورة أكثر مصداقية وجدّية من نقّاد المدير، ولا تتم المناداة عليهم لحضور المهرجان أو المشاركة في أنشطته.

أما عن جلسات مناقشة الأفلام فلا يشارك فيها غالبا إلا أشخاص لا يربطهم بالسينما وثقافتها إلا الخير والإحسان، في حين تتميز مداخلات بعض النقاد الحاضرين إما بالمحاباة أو بالنقد اللاذع لاعتبارات ذاتية ومصلحية أحيانا.

ما ينقص إذن هو النقد الرصين الذي يقف على نقاط القوة ونقاط الضعف في كل فيلم، وذلك بغاية تقويم الاعوجاج والدفع بالعمل الإبداعي إلى الأمام، بعيدا عن تصفية الحسابات الشخصية والعلاقات الزبونية واستعراض العضلات اللغوية والمعرفية، وبعيدا عن الأفلام وعوالمها وطرق كتابتها.

  • يُعاب أيضا على الساحة النقدية السينمائية غياب نقّاد حقيقيين، في ظلّ وجود دخلاء على المجال يتكاثرون سنة بعد أخرى، فما رأيك؟

النقاد الحقيقيون موجودون بالمغرب، منهم من يمارس النقد الشفوي وعلى رأسهم الأستاذ نور الدين الصايل وهو الرئيس الحالي لمؤسسة مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة، ومنهم من يمارس النقد المكتوب، وعددهم محسوب على رؤوس أصابع اليدين.

والنقد السينمائي بصفة عامة أنواع ومستويات، فمنه الشفوي والانطباعي والصحفي والتحليلي والأكاديمي، وما يُلاحَظ في المغرب هو غياب الناقد السينمائي المهني، أي الذي يعيش من ممارسته للنقد كمهنة مع جريدة أو مجلة أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني أو موقع إلكتروني أو مهرجان سينمائي، فجُلّ الممارسين للنقد السينمائي بأشكاله المختلفة هم هواة بالدرجة الأولى، أو عشاق للسينما وثقافتها، ولهم وظائفهم التي يعيشون من مدخولها، وأغلبهم رجال تعليم.

أما عن الدخلاء فلا يخلو منهم أي مجال، ففي الوقت الذي نجد فيه دخلاء على الإخراج السينمائي والإنتاج وكتابة السيناريو والتشخيص والصحافة والرياضة والبحث العلمي ومجالات أخرى، نجد أيضا دخلاء على النقد السينمائي وغيره.

أحمد سيجلماسي: حقّق الفيلم المغربي في السنوات الأخيرة تقدما كميا وتقنيا ملموسا، وأصبح التشخيص فيه مقنعا وتلقائيا

  • ما الذي ينقص الفيلم المغربي كي يصبح حضوره قويا في أكبر المهرجانات السينمائية الدولية ويتم تتويجه بها؟

حقّق الفيلم المغربي في السنوات الأخيرة تقدما كميا وتقنيا ملموسا، وأصبح التشخيص فيه مقنعا وتلقائيا، لكن السيناريو في كثير من الأفلام يظل مهلهلا، وذلك بسبب غياب التماسك المنطقي المحكم بين الأحداث والتعمق في بناء الشخصيات (سيكولوجيا وسوسيولوجيا) بناء دراميا مقنعا.

ما ينقصنا هو الفيلم المتكامل من جوانبه المختلفة، الفيلم المقنع فنيا وتقنيا وفكريا، هو الفيلم الذي يخاطب بذكاء وفي آن واحد النخبة المثقفة والمتلقي العادي، وهو الفيلم الصادق والعميق إنسانيا، وهذا لا يتأتى إلا باحترام مبدأ الاختصاص، فلا يُعقَل أن يظلّ الفاعل السينمائي المغربي جامعا لعدة تخصصات، فإلى جانب الإخراج يمارس كتابة السيناريو والإنتاج والتركيب (المونتاج) والتشخيص، وزد على ذلك أن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يرجى من مخرج لا ثقافة صلبة وشمولية له ولا ذاكرة بصرية له (أي تاريخ مشاهدة لأمهات الأفلام العالمية) أن ينجز فيلما قويا بإمكانه المشاركة والفوز في المهرجانات السينمائية العالمية الكبرى.

  • ألا ترى معي أن ضعف التكوين الأكاديمي لدى الناقد السينمائي يؤثر على الممارسة السينمائية ويؤدي إلى إنتاج أفلام تُخيّب أفق انتظار المتلقي عموما؟

التكوين الأكاديمي وعشق السينما ضروريان بالنسبة للناقد والممارس لأي تخصص من تخصصات الصناعة السينمائية، فلا يمكن للفاعل السينمائي كيفما كان تخصصه أن ينتج عملا له قيمة دون تكوين وموهبة وعشق. وبما أن المجال في المغرب مفتوح للجميع، أي للموهوبين والمتوفرين على تكوين أكاديمي مقبول، ولغيرهم من المجتهدين الذين تعلموا المهنة بالممارسة والاحتكاك بالسينمائيين الأجانب، وللدخلاء على الميدان بمختلف أنواعهم؛ فإن منتوجاتنا الفيلموغرافية ستظل موزعة بين الأصناف الثلاثة التالية؛ الأفلام وشبه الأفلام واللاأفلام.

أحمد سيجلماسي: منذ مرحلة الطفولة لاحظت بأن لديّ ميلا قويا إلى التوثيق السينمائي

  • أحمد سيجلماسي معروف بكونه موثقا حقيقيا لذاكرة السينما بالمغرب، كيف تتفاعل مع هذا المعطى منذ أكثر من ثلاثين عاما؟

منذ مرحلة الطفولة لاحظت بأن لديّ ميلا قويا إلى التوثيق السينمائي، حيث كنت أجمع صور الممثلين والممثلات الأجانب وأثبّت بعضها في دفاتر، كما كنت ألوّن وأقتطع ملصقات الأفلام الأمريكية والهندية والأوروبية والعربية وغيرها من جرائد نهاية الأسبوع الفرنكوفونية والمتضمنة لصفحات إشهارية لبرامج القاعات السينمائية في عصرها الذهبي في الستينيات وما بعدها وأضعها في "ألبومات". وعندما أصبحت طالبا جامعيا في مطلع السبعينيات بملحقة كلية الحقوق بالدار البيضاء (شعبة العلوم الاقتصادية)، وارتبطت بحركة الأندية السينمائية؛ تحوّل اهتمامي من الممثلين والممثلات إلى المخرجين والمخرجات، وخاصة منهم الروّاد والمبدعين الكبار مثل تاركوفسكي وساتيا جيت راي ويوسف شاهين وعثمان صامبين وغيرهم كثير.

وفي إطار "نادي الركاب للسينما والثقافة" في فاس، والذي ساهمت في تأسيسه في مطلع التسعينيات إلى جانب ثُلّة من الشباب من بينهم عبد الإله الجوهري (الناقد والمخرج والإعلامي السينمائي حاليا) وكنت أول رئيس له، حيث كُلفت بإعداد البطاقات التقنية للعديد من الأفلام التي برمجناها للعرض والمناقشة، وبالأرضيات الفكرية للندوات التي نظمناها، وبملفات حول مخرجين سينمائيين (مثل: محمد ركاب، أندري طاركوفسكي، ساتيا جيت راي..) اشتغلنا على تجاربهم من خلال عروض لعينات من أفلامهم.

استمر هذا الاهتمام بالتوثيق السينمائي عندما التحقت بالمكتب المُسيّر للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب والذي ترأسه الأخ رشيد عبد الكبير من 1994 إلى 1996، حيث تم تكليفي بالإشراف على نشرة "جواسم"، وهي نشرة داخلية كانت تُوزع على الأندية السينمائية المنخرطة في جامعتنا العتيدة، فأدخلت عليها تعديلات من بينها إحداث ركن "وجه" الذي خُصص للتعريف بوجوه حركة الأندية السينمائية بالمغرب (مثل: نور الدين الصايل، المختار آيت عمر، سعد الشرايبي، عبد الرزاق عازي فخر).

شاركت أيضا في العديد من الندوات والمهرجانات هنا وهناك في مختلف مناطق البلاد، وشرعت منذ منتصف الثمانينيات في نشر مقالات نقدية عن برامج السينما في الإذاعة والتلفزيون، إلى جانب تغطيات لأنشطة الأندية السينمائية وبورتريهات بعض الفاعلين السينمائيين، وترجمات لنصوص حول جوانب من تاريخ السينما المغربية والمصرية والهندية، وغير ذلك في الصحف المغربية وبعض المجلات مثل "دراسات سينمائية" و"الأنباء" و"سينما وتلفزيون" و"سينما".. الخ.

وعندما حصل لدي تراكم كمّي لا بأس به من المعطيات المتعلقة بالسينما وتاريخها وواقعها ووجوهها بالمغرب؛ فكرت في تصريف هذا الرصيد من المعطيات عبر تأليف كتاب "المغرب السينمائي.. معطيات وتساؤلات" عام 1999، والمشاركة في كتب جماعية صدرت في السنوات الأخيرة عن تجارب مخرجين كبار مثل محمد عبد الرحمن التازي وداود أولاد السيد ومومن السميحي وأحمد المعنوني وسعد الشرايبي وجيلالي فرحاتي ولطيف لحلو، أو ممثلين متميزين كمحمد بسطاوي ومحمد الشوبي، أو نقّاد كالراحل نور الدين كشطي، أو تقنيين كالموضب الراحل محمد مزيان.

وفي عام 2018 أصدرت الكتيب الأول من سلسلة "وجوه من المغرب السينمائي"، بتعاون مع مهرجان سيدي عثمان للسينما المغربية بالدار البيضاء، وسيصدر في مارس/آذار 2019 الكتيب الثاني من هذه السلسلة، والتي تسعى إلى لمّ شتات جانب من ذاكرتنا السينمائية المبعثرة، في انتظار الانتهاء من إعداد كتب أخرى ستصدر في الشهور القادمة بحول الله.

أحمد سيجلماسي: لا يجادل أحد في كون الإصدارات السينمائية تساهم إلى جانب الإعلام بمختلف منابره؛ بالتعريف بالأعمال السينمائية المختلفة ومبدعيها

  • ألا تفكر في إنجاز فيلم وثائقي يؤرخ للسينما بالمغرب تغني به الفيلموغرافيا السينمائية المغربية والعربية؟

هذا حلم ظلّ يراودني منذ سنوات، خصوصا عندما لاحظت عدم اهتمام السينمائيين المغاربة بالتوثيق لذاكرتنا السينمائية بالصورة والصوت، باستثناء محاولات سينمائية وتلفزيونية يتيمة كان وراءها مبدعون سينمائيون قلائل مثل الراحل أحمد البوعناني، والذي أنجز في مطلع السبعينيات فيلما وثائقيا قصيرا عن أبو السينما المغربية محمد عصفور، وعبد القادر لقطع وفيلمه الوثائقي "بين الرغبة وعدم اليقين" عام 2010 عن السينما المغربية (مدته 52 دقيقة)، وعز العرب العلوي لمحازي الذي أخرج فيلمين لقناة الجزيرة الوثائقية؛ الأول عام 2013 بعنوان "خمسون سنة من السينما في المغرب" (52 دقيقة)، والثاني عام 2014 بعنوان "محمد عصفور رائد سينما الفقراء" (52 دقيقة)، وعلي الصافي وفيلمه الوثائقي الطويل "الباب السابع" عام 2017 عن المبدع الراحل أحمد البوعناني وغيرهم.

إلا أن تحقيق هذا الحلم يتطلب تعاونا مع مخرج يشاركني نفس الاهتمامات، وجِهة منتجة تؤمن بجدوى التوثيق السينمائي أو السمعي البصري للذاكرة السينمائية بالمغرب.

  • تحضر أفلام عربية ودولية وبعض المساهمين في صناعتها من مخرجين وممثلين ومنتجين وغيرهم في كثير من المهرجانات السينمائية المنظمة بالمغرب، إلى أي حدّ يساهم هذا الحضور المكثف في تقوية الإبداع السينمائي المغربي؟

مما لا شكّ فيه أن المهرجانات السينمائية الجيدة التي يمتلك منظموها تصورات واضحة وأهدافا محددة، بإمكانها أن تساهم في تطوير الإبداع السينمائي المغربي، وذلك عبر الانفتاح الخلاّق على تجارب الغير الرائدة، ومحاولة خلق فرص للتعاون المشترك بين ضيوف هذه المهرجانات والفاعلين السينمائيين المحليين. أما تظاهرات "البهرجة" البعيدة عن أي همّ ثقافي أو فني فضررها أكبر من نفعها.

  • أصدرتَ كتبا فردية وشاركت في مؤلفات جماعية عدة، كيف ساهمت تلك الإصدارات في تطوير الإبداع السينمائي والتعريف به على نطاق واسع عربيا ودوليا؟

لا يجادل أحد في كون الإصدارات السينمائية (كتب ومجلات ومنشورات ورقية وإلكترونية وغيرها) تساهم إلى جانب الإعلام بمختلف منابره؛ بالتعريف بالأعمال السينمائية المختلفة ومبدعيها، والوقوف على خصوصياتها والدرجات الإبداعية فيها. فمشاهدة الأفلام ينبغي أن تتعزز بالاطلاع على أدبيات السينما للتعمق في معرفة بعض التجارب السينمائية الرائدة والمتفردة، وفي هذا الإطار ساهمت في كتب جماعية عن تجارب بعض المخرجين المغاربة، وأنا على يقين أن المُطّلع على هذه الكتب وغيرها سيزداد قربا ومعرفة بعوالم هؤلاء المبدعين السينمائيين، وسيدفعه ذلك إلى معاودة مشاهدة أفلامهم والدخول معها في حوارات مجدية، كما أن المبدعين السينمائيين سيستفيدون لا محالة من تحليلات الباحثين، ومن انتقادات النقاد البناءة لأفلامهم وتجاربهم الإبداعية؛ الشيء الذي قد يساهم في الرفع من مستوى إبداعهم مستقبلا.

أحمد سيجلماسي: حاولت في هذا الكتيب "وجوه من المغرب السينمائي" التعريف بحياتهم وبعض أعمالهم

  • كتابك الأخير "وجوه من المغرب السينمائي"، ما دوره في التوثيق للذاكرة السينمائية بالمغرب؟

هذا الكتيب الذي هو حلقة أولى في سلسلة من الكتيبات بالعنوان نفسه؛ أسعى من خلالها إلى المساهمة في لمّ شتات جانب من ذاكرتنا السينمائية المبعثرة. إنه عبارة عن بيو- فيلموغرافيات ستة مبدعين سينمائيين رحلوا عن عالمنا في السنوات الأخيرة، وهم تباعا الناقد مصطفى المسناوي (1953-2015)، والممثلين محمد بسطاوي (1954-2014) ومحمد الحبشي (1939-2013)، وحميدو بنمسعود (1935-2013)، ومحمد مجد (1940-2014)، والمخرج محمد ركاب (1938-1990).

حاولت فيه بتركيز التعريف على حياتهم وبعض أعمالهم، وذلك مع صور وملصقات بلغ عددها 36. هذا مع العلم أن ما تفتقر إليه مكتبتنا السينمائية -مع كامل الأسف- هو القواميس الفنية التي تحتوي على معطيات وافية تُقرّب المبدعين السينمائيين والفنانين عموما من الباحثين والطلبة والمهتمين بفنون الفرجة بشكل خاص.

  • كيف تنظر إلى السينما المغربية عام 2018، وما هي توقعاتك لعام 2019؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، بل تتطلب وقتا وجهدا في جمع وتركيب المعطيات المتوفرة. سأكتفي بانطباعات أولية أركز فيها على جوانب دون أخرى، وذلك في انتظار اكتمال معطيات الحصيلة السينمائية لعام 2018.

أولا: لاحظت أن إنتاج الأفلام الطويلة في تزايد، لكن فرص عرضها في قاعاتنا السينمائية القليلة محدودة، رغم أن عدد هذه القاعات ارتفع هذه السنة من 28 قاعة و61 شاشة عام 2017 إلى 29 قاعة و65 شاشة بعد افتتاح مركب سيني أطلس كوليزي (4 شاشات) بالرباط عام 2018. ومن المنتظر أن يفتتح عام 2019 مركب ميغاراما الرباط أكدال بـثماني شاشات، وميغاراما غويا بثلاث شاشات بمدينة طنجة.

ثانيا: فيما يتعلق بالمجلات السينمائية الورقية والإلكترونية والبرامج السينمائية التلفزيونية والإذاعية لا يزال عددها محدودا للغاية.

ثالثا: الخزانة السينمائية المغربية الموجود مقرها داخل بناية المركز السينمائي المغربي بالرباط ظلّت جامدة طيلة عهد المدير السابق لهذا المركز (2003–2014) رغم كونه ناقدا سينمائيا، وفي أواخر فبراير/شباط من عام 2018 تم تعيين المخرجة السينمائية نرجس النجار مديرة لها. نتمنى أن تنطلق من جديد وبشكل رسمي أنشطة هذه الخزانة في السنة الجارية، هذا مع العلم أنها شهدت منذ بنائها عام 1995 وإلى لحظة إحالة مديرها الأول السينمائي الراحل عبد الله بايحيا (1943-2017) على التقاعد عام 2003 تنظيم مجموعة متنوعة من الأنشطة الثقافية والسينمائية، وذلك بمساعدة الناقد والمؤرخ السينمائي الصديق أحمد عريب (نائب المدير آنذاك)، كما ساهمت في حفظ جزء من تراثنا السينمائي من التلف (بعض أفلام أبو السينما المغربية محمد عصفور نموذجا)، ونظمت المؤتمر 57 للفدرالية الدولية لأرشفات الفيلم في أبريل/نيسان 2001 بالرباط وغير ذلك.

رابعا: التظاهرات والمهرجانات السينمائية المنظمة بالمغرب في تزايد مستمر، إذ تجاوز عددها المئة عام 2018، وهذا العدد مرشح للزيادة عام 2019، وذلك بدعم اللجنة الوطنية التي يشرف عليها المركز السينمائي المغربي أو بدونه. نتمنى أن تتحسن شروط تنظيمها وأن تصبح لأغلبيتها مردودية فنية وثقافية وسياحية واقتصادية وغيرها محليا ووطنيا.

قد ينال إعجابكم