حوارات

توانسة وأوروبيات في "بزنس كالعادي"

محمد موسى

ولَّدَ المخرج "أليكس بيتسرا" من علاقة بين امرأة هولندية كانت في إجازة على البحر في تونس في نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، و"محسن"، واحد من الشباب التونسيين الذين كانوا يقضون أوقاتهم على الشواطيء بحثاً عن علاقات عابرة مع أوروبيات، أحياناً من أجل منافع مادية (يعرف بـ" بزنس"). بعد فترة قصيرة من الإقامة في هولندا، سينفصل والدا المخرج ويُبعد "محسن" من هولندا لتورطه بجرائم صغيرة وقتها، ليبقى الابن والذي كان طفلاً وقتها بدون أب لأكثر من عقدين. سيبدأ المخرج في مَدّ الجسور مع عالم الأَب في تونس قبل نحو عشرة أعوام، وسيثمر عن تلك العلاقة الإشكاليّة، باكورة المخرج الروائية الطويلة التي حملت عنوان "العالم" (2013)، والذي يقدم قصصاً صغيرة لم تخضع لسرد واضح أو تصاعدي لشباب تونسيين يهمين عليهم هاجس الهجرة إلى أوروبا.

في فيلمه التسجيلي "بزنس كالعادي" (Bezness as Usual)، والذي عرض في الدورتين الأخيرتين لمهرجاني لوكارنو وتورونتو السينمائيين، ينبش المخرج في تاريخه العائلي، منطلقاً من أزمته الشخصية وأزمة أخته "ياسمين"، التي ولدت أيضاً من علاقة عابرة ل "محسن" مع امرأة سويسرية في نفس الوقت تقريباً. واصفاً كيف خيم شبح الأب والخجل منه أحياناً على حياتهما. يكشف المخرج عن الكثير من التفاصيل الحميمة والقاسية من حياته، كتغيير اسمه العربي والتبرؤ من الأَب في مراهقته، كجزء من غضبه وخيبته، كما يفتح الفيلم الجدال على العلاقة المعقدة دائماً بين الشرق والغرب، والتي يغلفها التشاؤم في هذا الفيلم، الذي ينفض عن نفسه كل الخجل الاجتماعي المعروف، ويسمي الأشياء بمسمياتها، دون أن يفقد – أي الفيلم – إنسانيته، فالعمل في النهاية عن أطفال عاشوا بدون أَب، وبحثهم عن أجوبة تخص الأَب الغائب الذي يطالب اليوم بمكانة واهتمام من أبنائه الأوروبيين.

حَضَرَ المخرج "أليكس بيتسرا" عروض فيلمه في مهرجان تورونتو السينمائي والتي أعقبتها جدالات صاخبة بين المخرج والجمهور حول الهوية والانتماء والعائلة. ومن تورنتو كان هذا اللقاء مع المخرج حول فيلمه "بزنس كالعادي":

متى بدأت بالتفكير بهذا المشروع التسجيلي العائلي؟

القصة بدأت في الحقيقة في صيف عام 2012 ،عندما كنت أقوم بعمليات مونتاج فيلمي السابق "العالم". في ذلك الوقت كانت أختي "ياسمين" تُخطط للسفر إلى تونس للقاء "محسن" للمرة الأولى. خطة أختي للذهاب إلى تونس مثلت لي ما يشبه نقطة البداية لهذا المشروع التسجيلي. أختي هذه قابلتها في عام 2010 وكانت حينها تفكر في لقاء أبي.

دعني أعد إلى نقطة أبعد في قصة هذا الفيلم، عندما بدأت أذهب إلى تونس للقاء أبي وهي الرحلات التي بدأت في عام 2005 كنت أسجل ملاحظات ومشاهدات عن البلد. بعض تلك التفاصيل دخلت في سيناريو فيلمي الروائي "العالم"، والذي جاء ليخالف خططي، إذ كنت أفكر وقتها بعمل فيلم تسجلي عن حكايتي الشخصية. عندما أفكر الآن في تلك التفاصيل أخرج بقناعة بأني كنت أتجنب الخوض في الموضوع العائلي وقتها والذي سيكون من تبعاته مواجهة مع الذات، وفضلت قصة خياليّة لفيلمي الروائي الطويل.

عندما قررت أختي لقاء والدها وكما فعلت قبلها بأعوام قليلة، شعرت أن الفرصة مواتية ليس فقط لسرد قصتي وحدي بل قصتها هي أيضاً. وفكرت أنه يُمكن لي استخدام الأفلام التي صورتها منذ عام 2005، وبعضها يُصنف تحت مفهوم الأفلام الفيديوية العائلية، في المشروع التسجيلي الذي أنوي البدء به. قصتي وقصة أختي والحوارات التي دارت بيننا وبين "محسن" شكلت أساس هذا الفيلم الذي يروي قصة رجل تونسي لعوب دخل في علاقات عديدة مع أوروبيات عندما كان شاباً. وحكاية أبنائه الأوروبيين الذين يحاولون أن يعيدوا الاتصال بجذورهم التونسية والصراعات وسوء الفهم والتوقعات التي تنشأ بسبب هذه الظروف.

لماذا رغبت أختك في البحث عن والدها التونسي حسب رأيك؟

هي كانت فضولية لمعرفة والدها بنفسها، وبعد أن سمعت قصصاً سيئة عن ذلك الأب من أُمّها السويسرية. وهي نفس التجربة التي مررت بها، وإن كانت أُمّي وهي تحدثني عن والدي كانت أكثر تفصيلة وتفهماً من أُمّ أختي. "ياسمين" وبالإضافة إلى جذورها العربية، مهتمة كثيراً بمنطقة الشرق الأوسط، ومنشغلة بالقضايا السياسية في العالم. وكانت تقرأ الكثير عن العالم العربي.

هل كنت تملك خططا أولية عن تركيبة الفيلم وإيقاعه، أم رغبت بتسجيل ما تصادفه والانتظار بعدها إلى أن تنضج فكرة قوية ما خلال التصوير أو بعده؟

في البدء كان الفيلم عن "ياسمين"، حتى أنه كان يحمل عنواناً مؤقتاً هو: "ثورة ياسمين". وكان عن الثورة في حياتها والتي بدأت برغبتها في مقابلة أبيها، وبعدها عن لقائها بثقافة مختلفة تماماً عن التي أتت منها. كانت الخطة بتسجيل رحلة "ياسمين" إلى تونس. بعد فترة من التصوير شعرت أن الفيلم يجب أن يكون عنيِّ أيضاً. وأقوم من خلاله بمواجهة ذاتي. لم يكن ممكناً الهرب من حقيقة أن الفيلم سيكون عن رحلتي الخاصة أيضاً. أستطيع أن أزعم أني في زمن ما خلال عمليات التصوير وجدت اتجاهاً للفيلم. بعدها بدأت بالتفكير في البناء العام، وكيف أن الفيلم وفي مرحلة ما سينتقل من الاهتمام بعلاقتنا بوالدنا، إلى علاقتي الشخصية بأُمَي الهولندية. ما يحصل في الأفلام التسجيلية أنك تصور أشياءً معينة وبعدها تحدث أمور تغيير خططك. في النهاية تم ربط التفاصيل في عمليات المونتاج.

عندما تحدثت لوالدك عن مشروع الفيلم، هل أخبرته عما تنوي القيام به، وماذا كانت ردة فعله؟

كنت صريحاً وواضحاً معه بخصوص المشروع. أخبرته في البداية أني أريد عمل فيلم عن زيارة "ياسمين" له. ثم بعدها وعندما نضجت أفكاري عن الفيلم، أخبرته أني أريد للفيلم أن يكون عنيّ، وعن تاريخي عائلتي التونسية، وعنه شخصياً، وكل الناس الذين مروا في حياتنا. رده الأول كان الموافقة وبأنه سيكون جاهزاً متى احتجته. الأمر الذي ساعد كثيراً أنه كان قد لعب دوراً صغيراً في فيلم "العالم"، وهو الأمر الذي جعله مُعتاداً على حضور الكاميرا، لذلك لم يكن متردداً في الوقوف أمامها، بل أعتقد أنه يُحبّ ذلك. لست متأكداً إذا كان يعرف وقتها كل التداعيات المترتبة على فيلم من هذا النوع. والكشف عن تفاصيل خاصة من حياته العائلية. هو وثق بيِّ، وأعتبر أن ما قام به بالوقوف أمام الكاميرا هو نوع من الهدية لي.

لكن في الفيلم وفي موقف صادم واجهت والدك ولمحت أنه يريد ثمناً ما مقابل ظهوره في الفيلم.

هو أخبرني مراراً أن على أفراد العائلة أن يساعدوا بعضهم البعض في أوقات الأزمات. بالطبع هناك فروقات في الوضع الاقتصادي بين العالم الذي أتيت منه وعالمه. لكني في المقابل كنت أريد أن أعرف ما الذي يجمعني به. بعد ذلك قمت بمواجهته قرب الفندق الذي كنا نبيت فيه. بعد مواجهتي تلك قام هو بالتشكي إلى أحد مساعدي الإنتاج باللغة العربية من الضغط الذي أسلطه عليه ومن رفضي منحه نقوداً مقابل ظهوره أمام الكاميرا، رغم أني (وحسب والدي)، سأحصل على أموال من الفيلم الذي كنا نقوم بتصويره. أستطيع أن أتفهم هذا الموقف منه، لأنه عاش حياته كلها وهو يقوم بالأعمال التجارية، حتى أصبح الجانب التجاري جزءاً من شخصيته.

دعني أجب عن سؤالك: كلا لم أدفع له نقوداً حتى يكون في الفيلم. ولا أعتقد أنه من المفروض أن يدفع المخرج نقوداً من أجل أن توافق بعض الشخصيات على الظهور في فيلمه التسجيلي. أحياناً كنت أساعد في بعض التفاصيل الحياتية اليومية هناك. لست فخوراً أني تحدثت عن الجانب المادي في علاقتي مع أبي، لكن هذا كان مهماً للفيلم، لأنه جزء من "البزنيس" الذي كان له دور مهم في حياة أبي ومصيري، وهذه هي المفارقة الكبيرة في القصة.

كانت مشاهدك مع أُمّك كاشفة كثيراً وقاسية بصدقها. لماذا أحببت أن تضع هذه المشاهد بالتحديد في الفيلم؟

علاقتي مع أُمّي هي علاقة مقرّبة جداً. هي كانت الشخص الوحيد الذي رعاني في طفولتي وأثناء نشأتي، وبعدما توجب على أبي مغادرة هولندا بعد مشكلته مع القضاء هناك، والتي حدثت بسبب أخطائه لأنه كان حديث العهد في البلد وقتها ولم يعرف كيف يتصرف مع البلد الجديد الذي لا يعرف قوانينه. بعد وصولي إلى عمر معين قررت أن آخذ مسافة من والدتي حتى أستطيع أن أطور شخصية ما ، لأني كنت متأثر بها كثيراً، إذ إنها أعطتني وبالإضافة إلى الحُبّ كل القيم الأخلاقية التي أحملها. عندما كنت طفلاً كنت دائماً أحمل الشعور بأني يجب أن أكون حذراً في تعاملي مع أُمّي لأنها تمرّ بظروف صعبة.

أُمّي لم تكن في أفضل حالاتها النفسية عندما قابلت "محسن" في تونس. وبعدها بسنوات صرت مسؤوليتها هي وحدها. كطفل كنت أشعر بهذه الأشياء وكنت أحاول أن أحميها بشكل ما. حتى وإن عنى ذلك أن أضع حياتي على جنب. في فترة أخرى من حياتي تعمدت عدم زيارتها بكثافة وأخذت مسافة منها، وهذا سيتطور إلى المواجهة التي حدثت في الفيلم، والتي فرضت عليَّ بسبب ظروف التصوير، إذ كنت أتعمد قبلها عدم الخوض في نقاشات أو مواجهات مع والدتي.

حاولت في الفيلم أن تُحقق في آراء نساء تونسيات بموضوع "البزنيس" بشكل عام، سألت بعض الأسئلة، لكنك لم تصل إلى إجابات عميقة أو شافية.

في الفيلم قدمت عائلة أَبي وحدها، ولم أخرج وأسال نساء غريبات. هذا بدوره كان خياراً إذ إنني لم أرغب في تقديم دراسة اجتماعية عن تونس في السبعينيات من القرن الماضي أو عن حالها اليوم. كان مُهماً أن أقدم ولو بقدر كبير وجهات نظر النساء في العائلة بما يقوم به الرجال. والتي تبيّن أن موضوع "البزنيس" ليس أمراً سيئاً لهن لأنهن يعتبرن أن الأطفال الذين ولدوا من علاقات بين توانسة وسائحات هم أفراد من العائلة.

الأمر الذي لا تفهمه أُولئك السيدات، وربما يفهمن الموضوع ولكني لم أوفق بنقل آرائهن في الفيلم، أن هناك أطفالاً تربوا بدون آبائهم. وهذا ليس طبيعياً لهؤلاء الأطفال. كان من الصعب كثيراً نقل هذه الأشياء إلى نساء العائلة، هناك فجوة ثقافية من المستحيل عبورها. لا أقول هنا أن زواجات التونسيين من الأوروبيات هي فاشلة بالمطلق، ففي الفيلم هناك شخصية قابلناها على الطريق لتونسي متزوج من هولندية ويعيش معها بسعادة منذ سنوات.

بدا في منتصف الفيلم وكأن تدفق العمل قد تعثر والأجواء اختنقت، والشخصيات محصورة وفي أزمة.. هل تقصدت أن تبرز لحظات الحياة البطيئة وعدم تقدمك في مساعيك بسبب ظروف مختلفة كالطقس الحار جداً الذي صورت فيه؟

نعم تقصدت ذلك، أردنا أن نمنح المتفرج شعور الأزمة التي تحاصر الشخصيات في الفيلم. فاخترنا مشاهد فعليّة تبين الاختناق وعدم التقدم الذي لحق بالشخصيات. بعض من المشاهد صورت بعد مواجهتي مع أَبي على باب الفندق، والتي كانت صعبة كثيراً، إذ كنت غائصا في الحيرة وقتها.

هل شاهدتك عائلتك الفيلم، وكيف كانت ردود أفعالهم؟

والدي شاهد الفيلم مرتين. أحضرته إلى هولندا من أجل مشاهد الفيلم في عرض خاص. هو أحب الفيلم وأعجب بصدقه. لم يرق لوالدي شهادة أُمّي عنه (يضحك). "ياسمين" كانت خائفة كثيراً مما يمكن أن يكون عليه الفيلم، وعندما شاهدته عندما عرض في مهرجان "لوكارنو"، غلب عليها التأثر بسبب ردود أفعال الجمهور وقتها. كانت لحظة مهمة كثيراً، تقترب من اللحظة العلاجية ولأسباب عديدة، أهمها أن أُمّها توفيت العام الماضي، ولأنها أيضاً تكتمت في حياتها حول تاريخ والدها، وكان المهرجان مناسبة عامة لها للإعلان ومواجهة ذلك التاريخ.

هل ساعدك الفيلم سواء أثناء تصويره أو بعد الانتهاء منه في تقييم علاقتك مع والدك والتصالح مع الظروف والأحداث التي شكلت حياتك؟

نعم أتصور ذلك. أستطيع أن أقول بأني أفهم والدي بشكل أفضل الآن. الفيلم أخذ الكثير من الغضب والاحتقان النفسي بعيداً. بعض الأشياء لازالت على حالها. أحاول أن أركز الآن على قضاء أوقات سعيدة مع والدي عندما نكون معا، وتجنب الشكوى حول ما فات. لا اقول إن علاقتنا الآن في وضع مثالي، لكنها لم تعد مُجهدة لي مثلما كانت عليه في السابق.

من الواضح أنك تحب أن تكون في تونس فتراك تذهب إلى هناك مراراً.

نعم ولا أعرف الجواب على ذلك، ربما حُبّ تونس يجري في دميِّ (يضحك). عندما أكون هناك مع عائلتي يتباطأ إيقاع الحياة ولم تعد سريعة كما هي في هولندا. أحب هذا الشعور بالتحديد، وأحب الشعور عندما أكون هناك بأني من هذه العائلة، وأن الجميع يقبلني كواحد منهم.

قد ينال إعجابكم