حوارات

سو بالوغلو وميرف بوزكو.. حين تكون المرأة مخرجة تركية

محمد موسى 

المخرجتان التركيتان الشابتان "سو بالوغلو وميرف بوزكو" في فيلمهما التسجيلي الأول "هير فيرست" (HER FIRST) تُقاربا موضوع النساء المخرجات في السينما التركية.

تُقارب المخرجتان التركيتان الشابتان "سو بالوغلو وميرف بوزكو" في فيلمهما التسجيلي الأول "هير فيرست" (HER FIRST) موضوع النساء المخرجات في السينما التركية، حيث أقنعتا عددا كبيرا من المخرجات التركيات من أجيال عمرية مختلفة الحديث في الفيلم، وطرحتا عليهن أسئلة مستفيضة عن بداياتهن وآفاق مستقبلهن إضافة إلى مصاعب وتحديات مهنتهن، فهذه المهنة كانت حكرا على الرجال لعقود طويلة، وما زال تمثيل النساء فيها محدودا في كثير من بلدان العالم.

لم يكن التنوع في مجموعة المخرجات اللواتي تحدثن في الفيلم محصورا على الفئة العمرية فقط، إذ إن هناك تنوعا في الخبرات والخلفيات المهنية أيضا، فمن المخرجات من يعملن في السينما التجارية التركية الغزيرة الإنتاج، ومنهن من كن في قلب الحركة السينمائية الفنية التركية وحظيت أفلامهن بنجاحات في دور عرض الأفلام الفنيّة -المهرجانات السينمائية والصالات السينمائية الفنية والقنوات التلفزيونية المهتمة بهذا النوع من السينما- ويجسدن منذ سنوات جزءا مهما من نهضة سينما المؤلف التركية التي تحظى بعض أفلامها باهتمام وإعجاب كبيرين حول العالم.

إلى جانب التصدي لهذه الثيمة غير المطروقة سابقا على صعيد الأعمال التسجيلية والتي تتميز بطبقاتها الاجتماعية المعقدة، اختارت المخرجتان مقاربة أسلوبية جريئة، حيث سجلتا كواليس صناعة فيلمهما وعرضتا تفاصيل من هذه الكواليس ضمن بناء العمل التسجيلي نفسه.

تنقل مشاهد عديدة في الفيلم وبعفوية كبيرة مراحل إخراج الفيلم والتحضيرات التقنية لتسجيل الحوارات مع مجموعة المخرجات، مع إفساح المساحة الأطول في الفيلم لمشاهد الحوارات الطويلة مع المخرجات والتي كانت كاشفة، وشكلت بمجموعها فصلا مهما من سيرة السينما التركية.

عُرض هذا الفيلم التسجيلي الحيوي في الدورة الأخيرة لمهرجان إسطنبول السينمائي. وفيما يلي حوار مع المخرجتين سو بالوغلو وميرف بوزكو:    

الفيلم التسجيلي الحيوي عُرض في الدورة الأخيرة لمهرجان إسطنبول السينمائي.

  • لماذا اخترتما المرأة المخرجة في السينما التركية موضوعا لفيلمكما التسجيلي الأول، ولماذا أردتما إخراجه بشكل مُشترك؟

بالوغلو: موقع المخرجات في السينما التركية هو موضوع لطالما تحدثت مع "ميرف" حوله قبل النية بعمل هذا الفيلم التسجيلي. حتى قبل أن نبدأ بتصوير أي شيء في السينما، بدت لنا اللغة الذكورية المهيمنة ومجموعة السلوكيات في الصناعة السينمائية مُخيفة كثيرا، كنا نريد أن نعثر بالضبط على مصدر الترويع الذي شعرنا به.

النساء العاملات في الصناعة السينمائية لديهن تجربة مُختلفة عن الرجال، في كثير من الأحيان تملك هؤلاء النساء قدرا أقل من الاهتمام والتشجيع وقدرا كبيرا من النقد. جاءت فكرة الحديث إلى مخرجات بسبب الشعور بالفضول لسماع ما يقلنه عن رحلاتهن الشخصية.

برأيي الشخصي، إخراج الفيلم بالاشتراك مع زميلتي "ميرف بوزكو" جلب المزيد من التنوع للفيلم، لأن هناك تنوعا كبيرا بين النساء أنفسهن. لم نرغب أن يخرج الفيلم كتعبير عن وجهة نظر واحدة. بمعنى ما، أردنا عمل بعض التفاصيل بالتضاد مع بعض الشفرات الشائعة بالإنتاج السينمائي مثل عدم الاكتفاء بمخرج واحد وعدم التركيز على موضوع ذكوري وممارسة النقد الذاتي أثناء العمل.

بوزكو: أعتقد أن مجتمعنا ليس جاهزا تماما للنساء العاملات في الصناعة السينمائية، أو قبول فكرة المرأة على هرم السلطة.

  • تحدثتما إلى مخرجات من أجيال عمرية مختلفة، هل هناك فروق شاسعة لجهة تعامل الصناعة السينمائية في تركيا مع النساء المخرجات في الماضي والآن؟

بوزكو: في الأزمان الماضية وفي الحقبة التي نطلق عليها في السينما التركية "يسيلكام" (Yesilcam) (امتدت هذه الحقبة بين عقدي الخمسينيات والسبعينيات وتميزت بوفرة الإنتاج السينمائي التركي، حتى ضاهى عدد الأفلام المنتجة سنويا في تركيا ما تنتجه عاصمة السينما في هوليود)، كان التعامل مُختلفا مع المخرجات، كان هناك مجموعة قليلة جدا من النساء اللواتي يعملن في الصناعة السينمائية كمخرجات، حيث كان الرجال يهيمنون على هذا القطاع. برأيي الشخصي الوضع تغير اليوم لكني أحيانا أشعر كامرأة بتأثير تلك الحقبة.  

أعتقد أن مجتمعنا ليس جاهزا تماما للنساء العاملات في الصناعة السينمائية، أو قبول فكرة المرأة على هرم السلطة. كمثال، أغلب الناس يتعجبون عند سماعهم بعدد النساء العاملات كمخرجات في تركيا، لكن لماذا هذا التعجب؟ هل بسبب قلة المعرفة، أو لأن هذا الوضع غير متوقع؟

بالوغلو: سأتحدث بناء على حواراتنا مع المخرجات، أعتقد أن هناك تغييرا جذريا حدث في السنوات الأخيرة.

أولا عدد النساء في أي موقع تصوير اليوم يُضاهي عدد زملائهم الرجال، حيث إن هناك توازنا أكثر على صعيد جنس العاملين في مواقع التصوير، إن لم تكن النسبة اليوم النصف لكلا الجنسين. هذا يسبب تغييرا في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى المرأة المخرجة. بالإضافة إلى أن الكثير من الأفلام التركية المستقلة -التي تعرض دوليا في السنوات الأخيرة- أخرجتها نساء. لعل هذا يزيد من ثراء السينما الوطنية لدينا، وجلب المزيد من الاحترام والتهليل للنساء المخرجات من قبل الصناعة السينمائية في تركيا.

بوزكو: أردنا أن نظهر جانب الهواية في الفيلم، لأن هذا الجانب هو ما كنا عليه حين تنفيذ الفيلم، كنا نعرف الكثير من الأشياء النظرية بيد أننا لم نجرب هذه الأشياء في موقع التصوير.

  • قررتما أن تسمحا للمشاهد بمتابعة ما كان يجري خلف كواليس تصوير الفيلم والتفاصيل التقنية من عملكما، لماذا هذه المقاربة؟

بالوغلو: فيلم "هير فرست" هو أيضا عن كيفية عمل الفيلم الأول. في حالتنا كان الفريق الفني للفيلم صغيرا جدا وحجم الإنتاج ضيقا للغاية وميزانية الفيلم منخفضة، كنا نملك مهارة فنيّة محدودة وفي المقابل كل الحماس الموجود في العالم مركز لعمل هذا الفيلم، لقد كان من المنطقي جداً إظهار كل التفاصيل خلف الكواليس وإبعاد الكوميديا منها أيضا.

بوزكو: أردنا أن نظهر جانب الهواية في الفيلم، لأن هذا الجانب هو ما كنا عليه حين تنفيذ الفيلم، كنا نعرف الكثير من الأشياء النظرية بيد أننا لم نجرب هذه الأشياء في موقع التصوير، كما تعرف؛ لكي تعمل شيئا ما عليك أن ترتكب الأخطاء، لذلك أعتقد أن مشاركة الجمهور بهذا الجانب –أي عدم احترافيتنا– هو لتشجيعهم للقيام برحلاتهم الخاصة، ارتكاب الأخطاء ليس أمرا سيئا.

  • بينما كنتما شديدتا الدقة فيما يخص الطريقة التي صورتما بها الحوارات مع المخرجات، لم تهتما في المقابل كثيرا بالمشاهد التي صورت عملكما على هذا الفيلم، أي مشاهد كواليس التصوير، هل كان هذا مقصودا؟

بوزكو: لا لم يكن مقصودا، نحن فكرنا بأننا يجب أن نسعى إلى "الكمال" فيما يخص تصوير الحوارات، والكمال هنا يعني المحاولة الحقيقية لتحقيق ذلك، في المقابل لم نعط اهتماما للمشاهد التي صورتنا.

بالوغلو: لكي أكون صادقة، لم نكن نملك فكرة واضحة عن الطريقة التي نريد تصوير المشاهد التي لا تتضمن الحوارات مع المخرجات، كنا نعرف أننا نريد أن نمزج مشاهد الحوارات مع المشاهد التي تظهر كواليس تصوير الفيلم، لكننا لم نكن متأكدين من كيفية صياغة مشاهد الكواليس. بالنظر إلى الخلف هذا أحد الجوانب التي كنت سأفعلها بشكل مُختلف لو أتيح لنا إخراج الفيلم مرة أخرى.

بالوغلو: لم نكن نملك فكرة واضحة عن الطريقة التي نريد تصوير المشاهد التي لا تتضمن الحوارات مع المخرجات، كنا نعرف أننا نريد أن نمزج مشاهد الحوارات مع المشاهد التي تظهر كواليس تصوير الفيلم.

  • هل كان صعبا إقناع المخرجات الحديث للفيلم؟

بوزكو: أحيانا.. أتفهمهن، إذ كان صعبا الوثوق بمخرجتين شابتين تحاولان عمل فيلمهما التسجيلي الأول.

بالوغلو: كان الأمر يختلف من مخرجة إلى أخرى، لكن معظم المخرجات كن سعيدات بالحديث في هذا الفيلم وأردن المشاركة.

عدد النساء المخرجات في تركيا يرتفع كل عام، في الوقت الحاضر هناك أربعون مخرجة فعالة في إخراج الأفلام الروائية أو الوثائقية.

  • بعد الحديث لعدد كبير من النساء المخرجات في تركيا، هل خرجتما بمحصلة ما؟ هل تعتقدان أن وضع تركيا خاص بالنظر إلى الفرص التي حصلت عليها المخرجات في الصناعة السينمائية؟

بوزكو: لست متأكدة بخصوص "الفرص"، كما أنني لا أعرف الوضع في دول أخرى، لذلك لا أعرف حقيقة الجواب على سؤالك، لكن المخرجات في تركيا يقمن بعمل عظيم، أعتقد أننا يجب أن نولي اهتماما أكبر لعملهن، كما يجب أن نتكلم أكثر عن أفلامهن.

بالوغلو: لا أعرف ما إذا كان بإمكاننا التحدث عن "فرص" عندما نتحدث عن صناعة الأفلام في تركيا، حتى أكثر المخرجين رسوخا وسمعة سواء من الرجال أو النساء، بالكاد يحصلون على تمويل لأفلامهم. في الجانب المشرق، هذا الوضع قرّب المخرجين من كلا الجنسين ودفعهم للبحث عن طرق مبتكرة لتحقيق أفلامهم، لأن هذه الصراعات والتحديات تهم المخرجين الذكور والإناث على حد سواء.

بالنسبة للنساء، عندما تنظر إلى المشهد السينمائي المستقل في تركيا، الكثير من الأفلام التركية التي عرضت في مهرجانات مرموقة حول العالم في السنوات الأخيرة أخرجتها نساء، عدد النساء المخرجات في تركيا يرتفع كل عام. في الوقت الحاضر هناك أربعون مخرجة فعالة في إخراج الأفلام الروائية أو الوثائقية، أعتقد أن هذا يُعد رقما عظيما وساعد كثيرا في تحقيق حالة مُحايدة على صعيد جنس المخرج في البيئة السينمائية في تركيا.

قد ينال إعجابكم