حوارات

كواليس صناعة فيلم "استعراض الحرب"

 
محمد موسى 
 
غَلَبَ الإعجاب الكبير والجزع والصدمة على الاستجابات النقدية الأولى التي تناولت الفيلم التسجيلي "استعراض الحرب" (The War Show) للسورية عبيدة زيتون والدنماركي "أندرياس دالسجارد"، والذي افتتح عروضه العالمية في الدورة الأخيرة لمهرجان فينسيا السينمائي، ووجد الفيلم احتفاءاً نقدياً مشابهاً في تنقلّاته على مهرجاني تورونتو ولندن السينمائيين. يرتكز الفيلم التسجيلي الملحمي بالدرجة الأساس على المواد الصورية التي سجلّتها "عبيدة زيتون"، مذيعة الراديو السورية التي تركت عملها مع بدايات الثورة في بلدها، ولتبدأ بعدها رحلة شديدة الخطورة لتوثيق الثورة السورية امتدّت على ثلاث سنوات، من بدايتها النبيلة الصافية المبشرة، وحتى تعثرّها وسقوطها في العصبيات والقبليات والعنف.
 
لا تكتفي "زيتون" بتوجيه عدستها على ما يجري في بلدها، هي تُدير كاميراتها على نفسها لتصور الزلزال الذي هزَّ حياتها وحياة أصدقائها بعد الثورة، وستُقدم يوميات مجموعة الأصدقاء الذين نراهم في ربع الفيلم الأول يعيشون أوقاتاً متفائلة، ثم نتابع بعضهم وهم يتجهون صوب نهايات شديدة الوحشية والقسوة. يُعدّ الفيلم من الأعمال التسجيلية القليلة عن الثورة السورية الذي يجمع برصانة وعاطفية كبيرة بين مسّار الأحداث الكبيرة والتركيز على محن ذاتية، سواء لمجموعة الأصدقاء في الفيلم، وأحياناً لعابرين صادفتهم المخرجة في طريقها.
لم تحضر المخرجة السورية عبيدة زيتون عرض الفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي في شهر سبتمبر الماضي، لكن زميلها "أندرياس دالسجارد" كان موجوداً في المدينة الكندية. والذي كشف في اللقاء الآتي مع "الجزيرة الوثائقية" عن ظروف صناعة هذا الفيلم الاستثنائي..
 
 
كيف بدأت علاقتك بالمشروع ؟
بدأت "عبيدة" وأصدقائها بتصوير وأرشفة ما يجري حولهم منذ الأيام الأولى للثورة السورية. هم قرروا التصوير بعد أن شعروا أن هذه لحظات استثنائية في الزمن والتاريخ وتحتاج أن تُحفظ صورياً. العديد من السوريين فعلوا الشيء ذاته، ونشروا ما سجلّوه على وسائل التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنت. "عبيدة"، وبعد فترة من بدء نشاطها بتوثيق الثورة السورية أصبحت تشعر أن عليها أن تحمي المادة التي جمعتها، لأنها لاحظت أن الكثير من أفلام الثورة السورية يجرى استغلالها وتشويهها لأغراض مختلفة. وأرادت أن تتأكد أن ما صورّته سيكون جزءاً من مشروع فنيّ يتم التفكير فيه بعناية. في ذلك الوقت كانت "عبيدة" تعيش في تركيا، وكانت تحمل معها التسجيلات التي صورّت بعضها بنفسها وبعضها الآخر صورها أصدقائها الذين ظهروا في الفيلم.
من تركيا، اتصلت "عبيدة" وأصدقائها بشركة إنتاج دنماركية بنيّة التعاون معها لعمل فيلم تسجيلي يقوم على المواد التي لديهم. هذه الشركة طلبت مني أن اشترك في المشروع، في البدء ككاتب سيناريو. بعدها قمت بإجراء حوارات طويلة مع "عبيدة"، وسجلّت ملاحظات سودّت مئات الصفحات، كل هذا بغرض تجميع قصة ما، مع التركيز على ما تعتبره هي مُهمّا. ثم بدأنا بمشاهدة المواد الخام، وفرز ما نعتبره مهماً أو أقل أهمية. وما يُمكن أن يصل إلى الفيلم التسجيلي. بعدها كتبت سيناريو لرؤيتي بشأن بناء الفيلم. 
 
في ذلك الوقت طُلِبَ منيّ أن أُشارك في إخراج الفيلم، ولاستكمال الحوار بيني وبين "عبيدة". كنا قريبين من بعض كثيراً أثناء تلك الأيام. ما فعلته وقتها يُمكن تشبيهه بأني بدأت في وضع حجر أساس الفيلم وكنت أطلب من "عبيدة" التعليق وإبداء رأيها بما أقوم به، سواء على صعيد التعامل مع المواد الخام الأصلية وأسلوب ربط المشاهد ببعضها، لنقوم بعدها بإضافة التعليق الصوتي في الفيلم والذي كتبته وألقته "عبيدة" نفسها. الفيلم كان تجربة تعاون مثيرة للغاية، حيث شَكَّل الاستماع للآخر عنصراً لا يُستغنى عنه طوال فترة العمل. كان همّنا تقديم قصة حقيقية عاطفية صادقة لتجربة "عبيدة" وأصدقائها، وكنا نأمل أيضاً أن ينظر السوريين العاديين إلى الفيلم ويتعرّفوا على تجاربهم وذواتهم فيه. وكنا نريد للفيلم أن يصل إلى الجمهور العالمي أينما كان، ويساعدهم في معرفة ما يجري في سورية. هذا كان طموحنا منذ البداية.
 
 
هل تتذكر ردة فعلك الأولى عند مشاهدة المواد الخام؟ هل رغبت وقتها مباشرة الاشتراك في المشروع، والتنقيب في مئات الساعت المصورة عن مواد مثيرة؟ هل تتذكر مشاعرك وقتها؟
انطباعي الأول أن هناك العديد من اللحظات القوية مبعثرة في مواد صورية مقسمّة جغرافياً وزمنياً. شعرت وقتها أن من المهم كثيراً عدم فقدان هذه اللحظات لحساب فيلم يقدم قصة مقنعة منتظمة التفاصيل ومرتبة حسب التسلسل الزمني. في السينما التسجيلية نفقد أحياناً الكثير من التفاصيل الواقعية المهمة عندما نرغب برواية قصة بشكل جيد. هناك بالطبع قصة بطولة مثلّتها "عبيدة" نفسها كامرأة قوية مستقلة. كنا مشغولين وقتها بإيجاد الإطار الذي يمكن أن يضم هذه الأفلام المجزّأة ويقدمها بطريقة جميلة ومؤثرة.
 
أقصد بالمواد المصورة المجزّأة، أننا كنا نشاهد مجموعة الأصدقاء يقضون أحياناً أوقاتاً على الساحل في سورية. وبعدها في تسجيل آخر نراهم وهم في حفلة بشقة أحدهم. ثم بعدها نراهم يتظاهرون في الشارع، أو يغسلون الكلب الذي عثروا عليه وبدأوا برعايته معا. المواد الصورية كانت تضم أيضاً العديد من اللقاءات بين "عبيدة" والناس الذين كانت تصادفهم في الطريق. وهذا طرح أسئلة، عن كيفية الإبقاء على هذه الشخصيات المهمة، وفي مقابل هذه الأسئلة، كانت خشيتنا أن الفيلم سيضم عدداً كبيراً جداً من الشخصيات.  كان من المهم رواية قصة عن أصدقاء "عبيدة" ومصائرهم. شعرنا أثناء التفكير بالفيلم أن هناك العديد من الأشياء المهمة والتي يجب أن تصل وأن علينا أن نجد ما يشبه القناة التي تربط بين الحياة والواقع. وهذا ما سيتحول إلى الإطار العام والروح لهذا الفيلم التسجيلي.
 
كم عدد الساعات التي صورتها "عبيدة" تقريباً؟
لم تكن كل المواد في الفيلم من تصوير "عبيدة"، إذ قام أصدقاؤها المقربين بالتصوير، وربما ما صوره هؤلاء الأصدقاء هو أكثر مما صورّته "عبيدة" بنفسها. كما تم تجميع بعض المواد الأولية في السنوات السابقة من مصادر مختلفة. المجموع الكلي للمواد الخام التي تعاملنا معها كان يقترب من 300 ساعة.
 
هل كان بناء الفيلم هو مسؤوليتك بالكامل؟
لا كان عملاً مشتركاً مع "عبيدة"، لكن دوري كان مُهماً جداً ككاتب أيضاً. في تلك الفترة سافرت كثيراً إلى تركيا للقاء "عبيدة". فترة العمل المشترك المكثف تلك استمرت لسبعة أشهر. بعد ذلك شعرنا أننا أنجزنا ما يُمكن أن يكون أساساً يرضي أصدقاء عبيدة للموافقة على دعم المشروع إذا وجدوا صورتهم فيه. كنا ننتظر موافقتهم حتى نبدأ العمل الإنتاجي الفعليّ. بعدها بدأنا في عمليات التوليف في الدنمارك. في ذلك الوقت وصلنا إلى قرار أن "عبيدة" يجب أن تكون في الدنمارك. بالطبع حصولها على فيزا أخذ الكثير من الوقت. بعد وصولها الى الدنمارك واصلنا عملنا من هناك.
 
 
هل كانت "عبيدة" مهتمة ببعض التفاصيل أكثر من غيرها أو رغبت بتركيز الضوء على مواد صورية معينة، وهل وصل كل ما تريده إلى النسخة النهائية من الفيلم؟ وكيف كانت نقاشاتكما حول المواد المصورة؟
أعتقد أن من البديهي في أي مشروع تسجيلي ذاتي كالذي تعاملنا معه، أن يحاول الشخص الذي يقف خلفه ويظهر فيه أن يحمي أجزاء غالية عليه. "عبيدة" لم تكن شخصية فحسب في الفيلم، بل صورت بنفسها الكثير من المواد التي تعاملنا معها. أتصور أن جزء مهم في عملية صناعة هذا الفيلم كان الاستعانة بعينين خارجتين لمشاهدة وتقييم ما هو مهم أو أقل أهمية ليصل إلى النسخة النهائية. هذا أخذ الكثير من الوقت في النقاش، في البدء اعتقدنا أن الفيلم سيصل إلى 25 ساعة من الطول (يضحك). هذا كان أمراً طبيعياً عند مقاربة مشروع تسجيلي ضخم كهذا. ما تناقشنا حوله بكثرة هو كيف يُمكن أن نفهم هذه المادة المصورة.
 
كانت الاختلافات في وجهات النظر بيننا مثيرة للغابة، فهي بالطبع تعرف الخلفيات والتفاصيل للمواد المصورة، في حين أشاهد أنا هذه المواد بعيني رجل غربي يعيش في الدنمارك لا يعرف سورية ولا يتكلم العربية. في محاولتنا الأولى في غرفة المونتاج انتهينا إلى نتائج تخالف أحياناً ما حدث في الواقع، بعدها نبهّتنا "عبيدة" إلى بعض التفاصيل المكملّة للمشهد والتي تضيف جانباً إنسانياً مهمّاً. 
 
هناك مثلاً المشهد الذي يُصوِّر اشتباكاً مسلحّاً، والذي لا تشاهد فيه العدو الذي يتم تصويب النيران نحوه. ولما شاهدت "عبيدة" المشهد ضحكت وكشفت، بأن المسلحين كان يطلقون النار لأني كنت هناك معهم وأصور، يعني المشهد كان مُرتباً، لأنه لم يكن هناك حاجة لإطلاق النار وقتها. وبعدها رجعنا وشاهدنا المشهد مرة أخرى لنكتشف غرابته وفوضاه. هذا مثالاً لنوع الحوار الذي كان دائراً بيني وبين "عبيدة". عن ذلك المشهد بالتحديد، قمنا بإعادة توليفه لنُظهر كيف أن المسلحين كانوا يقاتلون ويلعبون أدواراً معينة أمام الكاميرا في الوقت نفسه.
 
وماذا عن التعليق الصوتي في الفيلم، هل كان لك دور في كتابة التعليق الصوتي، والذي وجدته شخصياً مؤثراً وشاعرياً؟ أم كان التعليق الصوتي مهمة "عبيدة" وحدها؟
مرَّت عمليات كتابة التعليق الصوتي بمراحل عديدة. بدأنا أولاً بكتابة الحوارات التي كانت في الفيلم على الورق، ومنها سيتم استلهام عناصر من التعليق الصوتي. بعد انتهاء عمليات التوليف الأولية، قلت لـ"عبيدة" أن الفيلم سيكون قريباً جداً من هذه النسخة، عندها بدأنا بتفكيك كل مشهد ودراسته والبحث عن التعليق المناسب له. وكجزء من التحضيرات لعمليات وضع التعليق الصوتي أجريت مقابلة طويلة مع "عبيدة" بحضور صحفي كندي يعيش في لبنان منذ سنوات عديدة.
 
وقمنا بعمل نسخة غير نهائية من التعليق الصوتي، لتقوم بعدها "عبيدة" مع اثنين من السوريين الأصدقاء لها بإعادة تعديل وصياغة فقرات منه. لم يكن التعليق الصوتي ترجمة من الإنكليزية إلى العربية بل كتب منذ البداية باللغة العربية على أساس الأفكار والتصورات التي تحدثت عنها. كنت أثناء العمل أحصل على ترجمة للنص بالإنكليزية لأبدي ملاحظات عليها، إذ كنت أخشى أن بعض المشاهد ربما تفقد بسبب التعليق تدفقها وعلاقتها بالقصة الأساسية. لقد كان مُهماً منذ البداية أن يكون التعليق بالعربي ناجحاً ويعكس وجهة نظر "عبيدة".
 
 
ما قامت به "عبيدة" في ظل الظروف السائدة وقتها في بلدها يُعَّد ضرباً من الجنون؟ لقد تعرفت عليها وعملت معها لسنوات، ما هي دوافعها وكيف تصفها كشخصية؟
"عبيدة" قوة من قوى الطبيعة. هي من معدن بشري خاص، كانت دائماً ضد أيّ نوع من القيود. وعندما يحاول أحد تقييدها تتصرّف بعناد كبير. لقد خاضت في نشأتها معارك قاسية من أجل الحصول على الحريات التي تمتعت بها في حياتها. عندما انطلقت الثورة كانت "عبيدة" تعمل كمقدمة برامج إذاعية شعبية كثيراً في بلدها، حيث كانت كلماتها وأفكارها تلهم الكثير من الشباب في سورية. عندما تحدثت معها شعرت أن حياتها سارت ضمن مقادير لم تكن هي نفسها قادرة على تغييرها. الحياة لديها مثل نهر يتدفق بقوة وكل ما عليها فعله هو أن ترمي نفسها بذلك النهر. من أجل خياراتها تخلت "عبيدة" عن عملها وشقتها وكل حاجياتها، وعاشت لعامين متنقلة على الطرق لتسجل الثورة السورية. ولكي أبقى مع المثال السابق، النهر الذي كانت فيه "عبيدة" كان يجري بسرعة مجنونة، وفقدت بالتالي سيطرتها على حياتها في ذلك النهر.
 
عندما كنتما معا في غرفة المونتاج، كيف كان بالنسبة لها مشاهدة الصور القديمة التي صورتها وبالخصوص صور أصدقائها الذين قتلوا؟
لقد كانت مواجهة الماضي أمراً صعباً عليها وحمل الكثير من الألم. والحال أن عمليات المونتاج كانت المرة الأولى التي فُرض على "عبيدة" التعامل مع المادة التي صورّتها ضمن بناء ما، والذي فرضته عمليات صناعة الفيلم. كان من غير الممكن لها الهروب من "الصور" التي صورّتها لأن علينا أن نشاهد كل شيء من أجل هذا المشروع السينمائي. أحياناً لم يكن باستطاعتها التحمُّل فكانت تخرج من الغرفة للتنفس.
أتذكر المرة الأولى التي شاهدت فيها صورة لـ "هشام" (أحد اصدقاء "عبيدة" الذي قُتل في سجن النظام السوري)، والتي حصلت عليها من "لولو" (صديقة أخرى للمخرجة)، عندها بدأت في البكاء ولم يكن بإمكانها العمل طوال اليوم وهو أمر أتفهمّه. عندما كنا في مهرجان فينسيا لعرض الفيلم، كنا في صالة سعتها 500 شخصاً وكانت مشغولة بالكامل. كنت أجلس بجانبها نشاهد الفيلم، وفجأة ظهرت صورة "هشام" تحتل الشاشة السينمائية الكبيرة. كان أمراً مدهشاً مشاهدتها وهي تستجمع قواها لمشاهدة صورة صديقها الميت مرة أخرى.
 
لقد أخفيتم بعض الوجوه في الفيلم وأبقيتم بعضها واضحة، على أيّة أسس تعاملتم مع موضوع الخصوصية للسوريين الذين ظهروا في الفيلم ؟
بالنسبة لنا، كان مهماً منذ البداية أن نكون حازمين جداً بشأن هويات الناس الذين يظهرون في الفيلم، لعلاقة هذا بسلامتهم، خاصة أن بعضهم مازال يعيش في سورية. لقد أخفينا العديد من الوجوه في الفيلم لأننا لا نعرف في الحقيقة ماذا حصل لأصحابها وأين هم الآن. الذين ظهروا في الفيلم هم إما في مكان آمن او أنهم خرجوا من سورية. نحن الآن مشغولين في إيجاد أكبر عدد ممكن من الشخصيات التي ظهرت في الفيلم للحصول على موافقتها للظهور في الفيلم.
عمليات البحث مازالت متواصلة واستغرقت الكثير من الجهد، لأننا نريد أن نحفظ خصوصية وكرامة الذين ظهروا في الفيلم. بعض الأفلام التي قدمت الثورة السورية تعرضت لانتقادات كبيرة من سوريين ومنظمات إنسانية بسبب تعاملها غير المنضبط مع موضوع الخصوصية والسلامة للشخصيات التي تظهر فيها.

قد ينال إعجابكم