حوارات

"ليلى".. جهادية من أمستردام

 
محمد موسى 
 
يُزاحم الفيلم الروائي "ليلى إم" للمخرجة الهولندية "مايكه دي يونغ" التغطيات التلفزيونية الغربية المُكثفّة عن انخراط شباب أوروبي مسلم في صفوف المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط والمتواصلة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، ويقدم بورتريه إشكاليّ وقاسي عن فتاة هولندية من أُصول مغربية تنزلق ببطء إلى وحل التطرف، ولتجد نفسها بعد ذلك على تخوم مناطق النزاعات العنيفة في الشرق الأوسط. يبدأ الفيلم، الذي كان مفاجأة الربع الأخير من عام 2016 وعرض في مهرجانات عالمية مرموقة، من مدينة أمستردام حيث ولدت وتربّت "ليلى"، الفتاة الثورية والمتمردّة بالفطرة، والتي يقودها غضبها وبحثها عن أجوبة وتحدّيات إلى الحركات الإسلامية المنظمة في أوروبا، والتي يرى بعضها في التنظيمات المتشددة في الشرق الأوسط النموذج الوحيد الذي يتوجب الاقتداء به.
 
تبتعد المخرجة الهولندية المعروفة ببلدها بمستوى أفلامها المتقدم وحساسية موضوعاتها في فيلمها الجديد عن التنميط، وترسم شخصيات يسهل تصديقها والتفاعل معها، وبالتالي مرافقتها في رحلاتها الذاتية المدمرّة. إلى جانب "ليلى" هناك "عبد"، الشاب المسلم الذي تقع في حبه البطلة والذي سبقها في اعتناق الفكر المتطرف. ابتعدت قصة الحب في الفيلم حالها حال رحلة "ليلى"، عن البناءات الشائعة والمسارات المتوقعة، إذ لم تتخلَ "ليلى" عن شخصيتها المتمردّة في علاقة الحب التي ربطتها بحبيبها ومن ثم زوجها، رغم أنها كانت تغيب تدريجياً خلف دخان حروب الشرق الأوسط. لعبت الممثلة "نورا ألكسور" دور "ليلى" بتمكُّن رائع، إذ نقلت في الآن نفسه تعقيد الظروف التي تحيط بالأوروبيين الشباب من أصول مسلمة، وفي الوقت نفسه خصوصية شخصيتها وعنادها اللافتين.
 
وفي الآتي لقاء مع المخرجة الهولندية "مايكه دي يونغ" عن فيلمها "ليلى إم" ..
 
المخرجة الهولندية "مايكه دي يونغ"
 
هناك مفهوماً شائعاً في السينما الروائية بأن على المخرجين والمخرجات أن يبتعدوا عن القضايا الآنية الساخنة والتي مازالت وقائعها متواصلة.. لماذا اخترت موضوع فيلمك الروائي عن موضوع يحدث الآن؟
 
أولاً لأن الموضوع يثيرني للغاية، أي موضوع التحول إلى التطرف، والتطرف الفكري بشكل عام. في عقد الثمانينات كنت ضمن حركة "المتجاوزون" (حركة يسارية أوروبية متشددة كانت قوية في السبعينات والثمانينات، ويقوم أعضائها بالاستيلاء على مباني فارغة والسكن فيها بسبب ما يرونه من إسراف غير مبرّر لأصحابها من شركات أو حكومات). كنت متطرّفة أيضاً، لذلك أستطيع التعرف على شخصيات مثل "ليلى".
كما أن الدين عموما من المواضيع التي تشغلني، إذ أني تلقيت تربية دينية، وقد صنعت أفلاما تتناول موضوع الدين ومكانته في حياة الأفراد. هذه العناصر تُعاود الظهور في أعمالي. هذا إلى جانب الأحداث الواقعية الموجودة في القصة، أي ما يحدث الآن. كما أن فيلمي السابق "الإيمان" (2011) يدور في المدار نفسه، والذي يتناول قصة عن التحول من ديانة إلى أخرى. في عملي ذاك تعرفت على مجموعة من المسلمّات. كل هذه العوامل قادتني إلى إخراج هذا الفيلم.
 
ما نوع البحوث التي اشتركتِ فيها مع زوجك كاتب السيناريو "يان ايلندر"؟
أثناء تحضيراتي لفيلمي "الإيمان" قمت بالحصول على الكثير من المعلومات وأقمت علاقات مع مسلمات.. كما قرأنا الكثير عن الموضوع، قرأنا مثلاً عن الجهاد. وقد استغرق هذا وقتاً طويلاً للغاية. ثم بدأ "يان" بالكتابة. بعد ذلك بدأت بالتردد على الجوامع ولقاء مجموعة من الفتيات واللواتي ظهر بعضهن في الفيلم، فالفتيات الاتي شاهدتهن في الفيلم لسن ممثلات بل لعبن شخصياتهن الحقيقية. اصطحبت أثناء التحضيرات الممثلة التي لعبت دور نادية (نورا ألكسور)، وقضينا سوياً أوقاتاً طويلة مع مجموعة من الفتيات المسلمات، وهو الأمر الذي كان مُهماً كثيراً للممثلة. تحدّثنا أيضاً مع فتيات تحولن إلى التطرُّف وبعدها عدن إلى الحياة السويّة وودعنّ الفكر المتطرف.
 
كيف سار التعاون مع "يان ايلندر"، هل كنت تقومين بالبحوث ثم تتناقشين معه حولها ليبدأ هو بالكتابة؟
في الحقيقية قام "يان" بكتابة الجزء الأعظم من السيناريو. الفكرة الأساسية للفيلم كانت لي، والتي ولدت عندما كنت أقضي وقتي كله مستلقية على ظهري بعد أن كسرت رجلي. "يان" قام بتطوير الفكرة وكتابتها، بالتأكيد كنت أتناقش وأضيف بعض التفاصيل التي كنت شاهدة عليها أثناء بحوثي. لقد بدأنا في المشروع قبل أربعة أعوام تقريباً، أيّ في بداية الربيع العربي. في نفس الوقت تقريباً لانتفاضة ميدان التحرير في القاهرة. والفيلم في الواقع مستوحى من تلك الأحداث، إذ أن "ليلى" هي في جوهرها ناشطة ومُقاتلة من أجل الحريات. لم تكن قد بدأت وقتها عمليات تجنيد المسلمين من أوروبا وإرسالهم إلى مناطق الحروب في الشرق الأوسط. لذلك كان صعبا تبديل مسّار الفيلم ليكون عن تحول "ليلى" إلى التطرف، لكن هذا ما فرضته الأحداث في الواقع.
 
 
في النهاية أعتقد أن القصة أضحت أكثر إثارة لأننا أظهرنا بتحول "ليلى" إلى التطرف تفاصيل مهمة. كما أن الفيلم يتطرق إلى مواضيع كونية مثل: الحب، والبحث عن الهوية، وموضوع الهوية تحديدا كان أكثر قسوة من المعتاد. كما أن شخصية "ليلى" كانت تزداد تعقيدا بمرور الوقت.
أثناء كتابة الفيلم حدثت كل العمليات الإرهابية في أوروبا، والتي حاولنا الاشتغال عليها واستلهامها في فيلمنا. كان من الغريب العمل على سيناريو الفيلم أثناء تفجير المتحف اليهودي في بروكسل وبعدها العمليات الإرهابية الكبيرة في المدينة الأوروبية ذاتها. في تلك الأثناء كنا نحاول تضمين هذه الأحداث في الفيلم رغم أنها لا ترتبط بحكاية "ليلى"، وشعرنا وقتها بانحراف القصة عن مسارها. عندما عدنا إلى التركيز على شخصية "ليلى" بدأ السيناريو بالتحليق. وعرفنا وقتها من أي وجهة نظر نريد أن نروي الحكاية. الأحداث في العالم تتجّه إلى مزيد من الغرابة ، فقبل أشهر تفجرت قضية "البوركيني"، وهو يشبه ما تحاول "ليلى" إثارته في محيطها من جدال.
 
هل كان اختياركم من البداية بأن تكون القصة عن فتاة؟
كان التفكير من البداية بفتاة، وهو الاختيار الذي شكّل نقطة الانطلاق للمشروع. هذا يعود في جزء منه لأني امرأة وأستطيع أن أتحسس العواطف النسائية. وعلى صعيد المحتوى وجدنا منذ البداية أن تقديم قصة فتاة هو أكثر غنى وإثارة من تقديم قصة شاب. ربما لأن معظم ما نقرأه عن قصص انضمام شباب بالحركات الإرهابية يدور غالباً حول أشخاص معزولين عن المجتمع، وحتى فيما نسمعه عن قصص الفتيات اللواتي التحقن بالحركات المتطرفة، يتناول غالباً نساءً كن يرافقن أزواجهن، فيما هناك الكثير مثل "ليلى" اللواتي اخترن عن وعي التوجه إلى الشرق الأوسط. الكثير منهن أنهى دراسات عليا وذكيات وماهرات في الدفاع عن أنفسهن في حياتهن الخاصة. لقد قرأت البارحة في الجريدة أن هناك تنظيماً جديداً في فرنسا أطلق على نفسه "الحركة النسوية الجهادية"، ويتألف من نساء حصلن على تعليم عالي ومثقفات بدرجات كبيرة. مثل هذه التنظيمات الجديدة أراه تطوراً طبيعياً للحركات الإسلامية النسائية الأولى في أوروبا.
 
كيف يمكن أن تصفين بطلتك "ليلى"؟
"ليلى" فتاة من أمستردام من أُصول مغربية. لا تشعر "ليلى" بالانتماء للمدينة التي ولدت فيها. هي تملك شخصية الناشطة الراديكالية والتي لا تقبل الضيم، والتي تستطيع بفضل جرأتها المدافعة عن حقوقها. لكنها وبعد وصولها إلى الشرق الأوسط تكتشف أن الواقع يخالف الأفكار والتوقعات، وستكتشف أيضاً أنها لن تقبل أن يتحكم بها الرجال المتشددين الذين كانوا حولها في محيطها الجديد. ليلى فتاة ذكية وساذجة في الآن نفسه وفي معترك أسئلة الحياة. لقد كانت بحاجة للمنهج المتطرف لتنظيم وتحديد الأفكار المشوشة المبعثرة التي تدور في رأسها. كما أنها لا تستطيع أن تفكر بلون وسط يقع بين الأسود والأبيض، لذلك تراها دائماً تختار الحل المتطرف.
 
واحد من المشاهد الأكثر ألماً وإزعاجاً في الفيلم، ذلك الذي يظهر المواجهة بين "ليلى" وصديقتها في المدرسة، عندما يتبين أن البطلة أضحت في مكان بعيد جدا عن الواقع ولم يعد ممكناً الوصول إليها، هل هناك مرجعيات خاصة لذلك المشهد؟
كل الشخصيات التي تحيط ب "ليلى" من أهلها وصديقاتها، والذين يشكلون نسيج الحياة الاجتماعية حولها انتقدوا التصرفات المتشددة للبطلة. نحن فكرنا بأنه سيكون من المؤثر كثيراً أن نترجم ما يمكن أن يفكر به الجمهور تجاه "ليلى" على لسان صديقتها. وأن تنقل الأخيرة بعض المخاوف الشائعة تجاه الذين يختارون التطرف. رغبنا أن نظهر هذا العجز الذي يشعر به القريبين من الشخص الذي ينقلب إلى الأفكار المتطرفة.
 
 
كان دور "ليلى" هو تجربة التمثيل الأولى للممثلة نورا ألكسور التي كانت تدرس في معهد المسرح، إذ أنها لم تقف أمام الكاميرا قبل هذا الفيلم. صرفنا الكثير من الوقت في البحث والدراسة مع " نورا ألكسور" و "إلياس أديب" الذين لعبا الدوريين الرئيسين في الفيلم. ومما ساعد أن الممثلين هما من المسلمين المؤمنين وهذا منح الفيلم عمقاً مُهماً. كما حاولنا مع كل الشخصيات الثانوية أن نجعلها تقضي أوقاتاً مع بعضها وأن تحاول أن تفهم الظروف التي تمرّ بها الشخصيات التي تلعبها في الفيلم. مثلاً أرسلت الممثلتين اللتين لعبتا دوري: "ليلى" وصديقتها ليقضيا أوقاتاً معا في الأسواق ليتقربّا من بعضهما. هذا الرابط الذي تشكّل في الواقع نراه في الفيلم، وهو ما حصل مع الشخصيتين الرئيسيتين حيث نضجت علاقتهما في الواقع كما في الفيلم، وكان وجودهما في "الأردن" النقطة التي شهدت انفصالهما وابتعادهما في الفيلم كما في الواقع.
 
نعرف أن التصوير في بعض الأحياء في أمستردام يعدّ مشكلة بسبب التوترات هناك. كيف صورتي ذلك المشهد الذي يظهر مجموعة من الشباب المتشددين وهم يلعبون كرة القدم في ساحة عامة؟ 
نعم كان الأمر مُتطلباً للغاية. الحيّ الذي صورنا فيه في أمستردام يعيش فيه الكثير من الهولنديين المغاربة لذا وقع اختيارنا عليه. في الاستعدادات لذلك المشهد، اتصلنا بجميع المنظمات في الحي والساكنين فيه. هذا الأمر أخذ الكثير من الوقت والطاقة حتى تمكنّا من إقناعهم برسالة الفيلم. قبل التصوير بأيام حدثت الأعمال الإرهابية في باريس، عندها قررت جميعات الحي وقف عمليات التصوير لأنهم اعتبروا عملاً مثل هذا سيتضمن مخاطرة كبيرة. عندها أجلّنا التصوير. بعد فترة حضر رئيس بلدية أمستردام مع ممثلين من جمعيات الحي ووافقوا بالنهاية على التصوير. من المواقف المضحكة أن فريق محطة تلفزيونية محلية في أمستردام صوّر المشهد التخيُّلي من الفيلم بكاميراته وعرضه على قناته معتقداً أن ما يجري أمامه هو مشهد حقيقي. 
 
في القصة وصل البطلان الى الأردن كمحطة في الطريق إلى وجهتهم النهائية في سورية وهناك حدث التصادم الأول بينهما. ماذا كانت خططك لهذا الجزء من الفيلم؟
هناك عدة أسباب لمحطة الأردن كما أسميتها، أولها أننا لا نستطيع التصوير في مدينة الرقة السورية. ولم نكن نريد أن نعيد خلق أجواء المدينة السورية لأنه سيكون أمراً من الصعب تصديقه. كنا نريد أن نبقي على مجهولية المكان الذي وصل إليه البطلين على الحدود مع سورية. من الأسباب الأخرى، أننا لو نقلنا الأحداث إلى الرقة، فسيتوجب على البطلة البقاء ضمن النساء وعدم الاختلاط مع الرجال، لأن الاختلاط لا يحدث أبداً هناك كما نسمع . بينما توفر المحطة الحدودية الفرصة للتقاطع بين الشخصيات، وهذا بدوره ينتج الدراما. "ليلى" كان بإمكانها الاختلاط مع رجال في المكان الذي وصلت إليه، لكنها تعاني مع ذلك من الوحدة والإنعزال.
لقد فكرنا كثيراً بهذا الجزء من الفيلم وكيف يمكن أن ننفذّه في الواقع. كنا نعرف ماذا نريد بشكل عام، وهو أن تعيِّ البطلة في النهاية أنها تريد مغادرة هذا المجتمع الذي فرض عليها، لكن الحيرة كانت بكيفية الوصول إلى هذه الخلاصة.
 
نسمع قصصا عن الأوروبيين المسلمين الذين يلتحقون بالمنظمات الإرهابية في العراق وسورية، وكيف أن معظمهم يُرسل مباشرة لتنفيذ عمليات انتحارية، وهو أمر ستتعاملون معه في الفيلم، فهل وصلتم إلى هذه التفصيلة عن طريق البحث أيضاً؟
نعم. هناك الكثير من التفاصيل المروِّعة. سمعنا أن الجهاديين الجدد يتم وضعهم في قوائم خاصة لتنفيذ عمليات انتحارية وقبل حتى أن  يتعرفوا على مجتمعهم الجديد.
 
يتركنا الفيلم بنهاية مفتوحة، ما الذي يمكن أن يحصل لفتاة بظروف "ليلى"؟
ماحاولته في الفيلم، هو دفعك كمشاهد لتبدأ بطرح الأسئلة عن مصير البطلة، وإذا كانت مُعرضّة للسجن أم لا. لقد تحيرنا كثيراً في تحديد النهاية، ونأمل أننا قدمنا ما يُعين المشاهد على التفكير والنقد، ليس فقط بخصوص ما فعلته "ليلى" ومصيرها بعد ذلك، ولكن أيضاً حيال أداء الاجهزة الأمنية في هولندا وسياساتها تجاه الجهاديين الذين يعودون إلى هولندا. فنحن جميعا مسؤولين عما يجري حولنا. 
 

قد ينال إعجابكم