حوارات

نورا كيفوركيان.. البحث عن الصوت الصامت لأبيها

د. أمــل الجمل 

نورا كيفوركيان مخرجة ومنتجة لبنانية تعرفت عليها من خلال فيلمها "23 كيلومتر" الذي أثر في على المستوى الإنساني والفني، لأنه يطرح أكثر من إشكالية بأسلوب رقيق وفاتن، أهمها في تقديري أسلوب التعامل مع آبائنا أو أمهاتنا عندما يُصيبهم الكِبر والوهن. اللافت في شريط كيفوركيان أنه رغم كون البطل الرئيسي عندها رجل مُسن مصاب بمرض الرعاش "الباركنسون" لكنها برغبتها المخلصة وقدراتها الإبداعية قدمت قطعة سينمائية شاعرية جميلة ومؤلمة.

المخرجة "نورا كيفوركيان"

لم تتح لي فرصة لقاء نورا أثناء عرض فيلمها بمهرجان دبي السنيمائي الأخير، لكن أحد الأصدقاء المقيمين بلندن والذي يعرف نورا جيداً قرأ مقالي الذي كتبته عن الفيلم وأرسله إليها، فأخبرتني في رسالة لاحقة أنها بكت أثناء قراءته، وأنها على استعداد لإجراء الحوار الذي اقترحته عليها لموقع الجزيرة الوثائقية عن رحلة صناعة فيلمها، وإليكم نص الحوار: 

كيف ومتى ولدت فكرة الفيلم؟ 

في عام 2009كنت في انتظار طفل، ولا يوجد فيض عاطفي أقوى من الإعداد لوصول حياة جديدة. كنت في حالة ذهنية أتأمل طفولتي، حياتي مع والدي وشقيقاتي. من الصعب أن يتخيل الطفل أن والده أو والدته سوف يختفي يوما ما من الوجود. لكننا ذات يوم سنلاحظ أن والدينا أصابهما الكبر وأصبحا ضعيفين. ستكون الصدمة مؤلمة لأنها لن تكتفي بأن تخبرنا بأننا سنواجه فقدهم في القريب وفقط، لكن أيضاً لأنها تجعلنا نكتشف أننا أنفسنا لم نعد صغارا. عندما كنت في الأشهر الأخيرة من حمل طفلتي لارا - والتي أعطيناها هذا الاسم بسبب حب أبي الشديد للدكتور زيفاجو- قررت أن أصنع هذا الفيلم.   

في أي مرحلة من مرض الوالد؟ 

كان أبي يشكو من مرض الباركنسونية منذ عشرين عاما. لم تعرف أسرتنا هذه الحقيقة إلا على مدار السنين وببطء.

بذلنا جهوداً لكي ندرك الجوانب الجسمانية والنفسية المتعلقة بهذا المرض المعوق إلى درجة كبيرة، حاولنا أن نتعلم وأن ندرب أنفسنا على العناية به، وعلى ما يجب أن نتوقعه كلما تقدم المرض، لكن الواقع دائما أقسى بكثير مهما كان الإنسان يتعرف على الحقائق المتعلقة بها. عندنا أتتني فكرة إخراج هذا الفيلم كان أبي في أواخر سنين الحياة التي يمكن فيها أن يعتمد على نفسه كمريض مصاب بالباركنسون. في هذا الوقت كان لايزال قادراً على المشي وعلى الكتابة وعلى أن يقوم بالأشياء المتعلقة به وإن كان ببطء شديد، وبجهود مضاعفة. كان لايزال قادرا على النطق ببعض الكلمات القليلة بين الحين والحين، ولكن قسوة هذه القصة الملحة كان واضحاً إلى درجة أنه عندما حضر وجدي عليان المصور من بيروت وانتقل للسكن معي في وادي البقاع ليقوم بتصوير ما يحدث لأبي عن قرب، وقتها لم يكن عمر طفلتي لارا قد تعدى السبع أسابيع. هنا، بدأنا تصوير هذا الموضوع الحساس ونحن نُدرك أن الوقت المتاح لنا محدود. كان المرض يتقدم بسرعة وحشية.

باركيف والد "نورا كيفوركيان" كما بدا في الفيلم

هل كان هناك لقطات يتحدث فيها والدك ولم يتضمنها الفيلم، وقررت الاكتفاء بالبداية من تلك اللحظة التي نطق فيها آخر مرة بالكلام عام 2001؟  

من المعروف جيدا أن المصابين بمرض باركنسون لديهم القدرة على تضليل أسرهم والذين يعتنون بهم بإعطائهم لحظات من الأمل، لأنه في بعض اللحظات المتتالية تهدأ الأعراض المتعلقة به، ويبدو عليهم نسبيا قدر من الطبيعية. من حين لآخر كان أبي يتحرك كأنه شاب، في أوقات أخرى كان ينطق بجملتين متتاليتين على نحو لا خطأ فيهما كأنه استعاد صحته تماماً، لكن كان لابد أن تنتهي هذه الحالة فجأة فيبقى غير قادر على النطق تماماً. هذه الظاهرة مرتبطة ارتباطا وثيقا بمرضى باركنسون. في أوقات أخرى كان ينطق بكلمات قليلة ثم يتلعثم تماماً بعدها، على نفس المنوال. في بعض الأوقات كانت ذاكرته تُصبح قوية للغاية فيتذكر التفاصيل الحميمية، ثم بعدها يُصبح في حالة من التشوش الكامل. ولأنني أردت أن يكون بناء الفيلم واضحاً فكنت أتفادى تصوير مثل هذه اللحظات الطبيعية، أردت أن يشعر المُشاهد أنه يعيش داخل حياته، أدركت أنني إذا قمت بنسج علاقة بين جمل لم يكن بينها أي علاقة حتى وإن لم ينطق بها إلا لفترة قصيرة سيكون ذلك مشتتا لجمهور المشاهدين، عوضا عن هذا كنت أريد أن أصور أبي أثناء واقعه اليومي عندما يكون غير قادر على النطق لمدة 98 % من الوقت. بالنسبة إلىًّ كان هذا هو ما يعكس تجربته الحقيقية والألم الذي يعاني منه. 

إذن لم يكن ما ظهر بالفيلم هو التسجيل الصوتي الأخير له بالفعل؟ 

افتتحت هذا الفيلم بالتسجيل الذي قمت به لصوت أبي وهو يتحدث بسهولة نسبية. كان هذا في عام 2001. بعد ذلك كان يتحدث وإنما بشكل فيه توتر متزايد. لم نفكر أنا أو شقيقاتي في أي وقت من الأوقات أن نسجل كلامه أو صوته. في هذا الوقت أيضاً – أقصد 2001– لم أكن أفكر في أن أصنع فيلماً عن أبي. لقد قمت بعمل أفلام تسجيلية كثيرة عن الأحداث والقصص المتعلقة بما حدث في لبنان، لكن للأسف، أهملت أن أسجل صوت أبي وهو يتقدم ومرضه وصمته يتقدمان بشكل متزايد.  

هل تم هذا التصوير المسجل لصوته بالصدفة، ثم تم توظيفه فيما بعد لخدمة تيمة وفكرة الفيلم؟  

في سنة 2001 كنت أقوم بتصوير أول فيلم وثائقي لي في دمشق والذي أعطيته عنوان "وكُشف النقاب." يوم 11 سبتمبر كنت أقوم بالتصوير سرا في السوق لأن الفيلم دراسة وثائقية عن الملابس السورية الداخلية والجنس. كنت وحدي وتملكني الذعر إزاء الفوضى والحديث الذي سمعته من الناس الذين كانوا يخشون من ردود الأفعال الأمريكية في أعقاب ضرب مركز التجارة العالمي. قفزت داخل تاكسي واجتزت الحدود عائدة إلى لبنان إلى أن تهدأ الأمور. وقتها كنت أحمل آلة التصوير الخاصة بي فخطر في بالي أن أُجري حوارا مع أبي وأُسجل نظرياته عن الكون والكواكب لأحتفظ به في أرشيف الأسرة. لم يخطر ببالي أنني سأستخدم هذا الحوار في فيلم بعد هذا بسنوات. 

لقطة من الفيلم

كان حلم والدك أن يستعيد القدرة على الكلام مرة أخرى، وكنت تحاولين تحقيق حلمه رغم قسوة المرض، فقد جعلته ينطق بشكل آخر، عندما أتحت له فرصة التعبير عن أفكاره بالكتابة.. كيف جاءتك الفكرة؟ أم أنها كانت طريقة التواصل معه عندما فقد القدرة على الكلام؟ 

كان أبي رجلا مفكرا، رجلا يعشق الأفكار، والكلام، وتفسير الأشياء، كان يقول أشياءً هامة وفلسفية في كثير من الأحيان. عندما أصابه المرض أصبح يُعاني من صعوبة إيصال أفكاره على نحو فعال.

كان أبي كثيرا ما يبكي إزاء الإحباط الذي يشعر به عندما كان يصارع حتى يقول شيئا عجز عن قوله، وكانت عيونه الكبيرة الجميلة تبدو حزينة ودامعة. عندما فكرت في صناعة هذا الفيلم كنت أُريد أن أعطيه الفرصة كي يتحرك مرة أخرى لكي يقود سيارته في الشارع، والأهم من ذلك لكي يتمكن من الكلام. كان التحدي الأكبر الذي واجهني هو أن أقوم بعمل فيلم عن رجل عاجز عن الكلام. كان خط أبي باركيف قد تدهور ولذلك فإن مذكراته لم تكن كافية لإيصال هذه القصة حتى نهايتها كاملة. لم أكن أريد أن أستخدم صوت معلق أولا أن ألجأ إلى التعليق السردي في هذا الفيلم، ففي النهاية هو فيلم عن رجل لا يستطيع أن يتكلم. وكنت أريد أن أضع المشاهد في نفس الحجرة مع باركيف، أن يجلس مع صمته، وأن يعيش تجربة السير لمدة ميل وهو في نفس حالته، أي يتوحد معه. هكذا اخترعت شيئاً أطلقت عليه اسم "الحوار الصامت". 

وكأنها رحلة البحث عن صوت باركيف؟

كان الحوار الصامت في الأساس نتاجاً لجوهر الشخصية الأساسية بالفيلم، لحدوده التي تُوضح دوره بصفته هذه. المرضى المصابون بالباركنسون يتميزون بالبطء، بغياب ردود الفعل عندهم، وبقلة التعبيرات التي تظهر على وجوههم. إنهم يدخلون ويخرجون من الهلاوس. من الصعب جدا أن نحمل المشاهدين للتجاوب أو التواصل مع شخص لا يُعبر عن شيء، وصوت يظل صامتاً، كان لابد أن أهتدي إلى وسيلة لأعطي لباركيف صوتاً، لكن كنت أريد بأي وسيلة أن يبقى هذا الصوت صامتا. لذلك وضعت أفكاره على الشاشة مبدئياً مصاغة بلغته الأمريكية التي ورثها عن أمه، لكن بعد ذلك لجأت إلى اللغة الإنجليزية لأصل إلى أوسع نطاق ممكن من المشاهدين. في حدود معلوماتي لم يفعل هذا أحد غيري من قبل، ولذلك وجدت نفسي وأنا أبحث عن ألفاظ  تصف هذا الاستخدام الجديد للنصوص على الشاشة عند الممولين في البداية، وبعد ذلك عند الأعداد الكبيرة من الفريق الفني بما فيهم مصممي الصوت والألوان، والمؤثرات البصرية الذين تعاونوا معي. كان علي أن أوضح أن هذا الحوار الصامت كان حوارا بالفعل لكن من دون أن يُعبر عنه بالأصوات. إن هذا جزءا لا يتجزأ من صميم صورة هذا الفيلم، ولذلك بينما يمكن ترجمته بالمشاعر بصرياً لكن يستحيل الإشارة إليه في شريط الترجمة على الفيلم.

ماذا كان رد فعل والدك عندما اقترحت عليه تصوير فيلم عن معاناته؟ 

كل شخص يظهر في فيلم وثائقي يشعر بالقلق، وفي أحيان كثيرة جدا يشعر بالتردد أمام فكرة ظهوره وانفتاحه أمام الكاميرا. أبي لم يكن استثناءً. كان لدي أبي تحفظاته، لكنه كان يثق في أنني سأعبر عن حياته بطريقة فيها احترام وفي ذات الوقت تكون قادرة على تعميق المعرفة بمرضه. كان يكره مرض باركنسون، وكان يُريد أن يشعر الناس في العالم بما يشعر به أثناء هذا المرض. لقد فتح نفسه لي لكي أقتحم معه هذا الموضوع أولا لأنني كنت ابنته، ولكن أيضاً وهذا كان الأهم لأنني أردت أن أركز على الآثار السيكولوجية لهذا المرض، والذي كان يعلم أنها غير معروفة بشكل عام. كان يريد للناس أن يدركوا أن مرض باركنسون أكثر من مجرد رعشة في الأيدي أو خطوات متعثر. كان أيضاً سعيدا بحقيقة أنه سيترك وراءه إرثاً سينمائياً لأحفاده الذين لم تتح لهم فرصة التعارف إليه قبل مرضه. 

لقطة من الفيلم

هل تدخل أو رفض بعض الأشياء أثناء التصوير؟  

لم يتدخل باركيف في الفيلم إطلاقا. على العكس، بذل جهدا كبيراً لكي يُعطينا دائما ما كنا نحتاج إليه للتصوير. تعاون معنا وأعطانا أقصى ما يمكن أن يعطيه، أكثر مما كنا نظن أنه قادر على إعطائه. كان دائما مريضاً مثالياً. بدا لي كما لو أنه كان يُدرك قيمه ما الذي كنا نقوم بتسجيله. وقد كنت أتحدث معه باستمرار وأشرح له ما الذي نقوم به. كان سعيداً جدا بهذا وكان يضحك بصوت عال كلما أخبرته أننا فقدنا مورداً للتمويل لأنني رفضت أن أعرض أبي في مرضه "وهو فاقد القدرة بطريقة واقعية" كما يشترط الممولون. لم أكن أصنع برنامجاً تليفزيونياً واقعياً عن مرض باركنسون بما فيه من سيلان اللعاب واصطكاك الأسنان. كنت أصنع فيلما عن تجربة تتعلق بالشعور، عن طبيعة الأحاسيس والمشاعر المرتبطة بمعاناة مرض الباركنسون، عن المسائل العاطفية والنفسية، فكان أبي يقدر هذا تقديرا كبيرا. 

كيف واتتك الجرأة والشجاعة للعمل على مثل هذا الموضوع الموسوم بالقسوة؟ 

كنت أعلم منذ البداية أن صنع فيلم 23كيلومتر يستلزم أن أكون المخرجة وليس الابنة، أن صناعة فاصل بيني وبين أبي كانت ضرورة لأن الوقت والموارد كانت تعوزنا إلى درجة متزايدة. لم يكن لدي الوقت لأكون عاطفية لأننا كنا نفقده يوما بعد يوم. من الأسهل أن نقول هذا بالطبع، لكن من الصعب جداً تنفيذه. 

كيف تأتّى لك أن تحتملي رؤية والدك هكذا وأن تقومي بتصويره أيضاً تحت عدستك الفاحصة طوال هذه المدة والمرض يحاصره يوما بعد الأخر؟

رؤيتي للفيلم كانت أن أصنع منه أبدع فيلما غير تقليديا جميلا ومؤثراً، فيلم يكشف عن حياة أبي اليومية الجسمانية والذهنية للمشاهدين لكي يروا ويعيشوا ويشعروا وينفذوا إلى ما يدور في ذهنه. أن يكتشفوا حقيقة ما يشعر به واقعيا المريض الذي يعاني من باركنسون من وجهة نظر خاصة. كنت أعيد الصوت إلى صمت أبي، أن أجعله ينطق بالكلمات التي كان يريد بكل كيانه أن ينطق بها، كلمات الخوف، وكلمات السعادة. كنت أريد عن طريق الصور أن أعيد إلى أطرافه المرتعشة قدرتها على الحركة، أن أساعده على أن يقتحم الجدران المحاطة به، وأن يتقدم على طريق الحرية. كنت أحبه كثيراً، وكنت أُدرك أنني أفقده. هذه الضغوط جعلتني أكثر جرأة. لكن بعد أن انتهينا من التصوير ورحل أبي تحولت جرأتي إلى حزن، وكنت مضطرة أن أعيش فترة من الراحة حتى أتمكن من الاستمرار. بعد هذا كان التزامي إزاءه وإزاء الفيلم الذي أعطاني القوة لكي أواصل حتى النهاية.  

لقطة من الفيلم

سؤالي السابق سببه أن معاناة والدك كانت هي موضوع فيلمك؟

عشرون سنة تعتبر فترة طويلة للغاية. أبي عانى من المرض الرعاش طوال هذه الفترة. أثر هذا على حياته، وعلى كل فرد من أفراد الأسرة. مرض باركنسون كان جزءاً من أبي، جزءاً مما أصبح عليه. وجزءاً يُشير إلى كل ما فقداناه من حياته نتيجة لمعاناته به. لذلك كان من الطبيعي أن أركز على هذا المرض. 

هل كان التصوير تعويضاً لكليكما عن الألم؟ بمعنى آخر؛ هل كان محاولة للانشغال عن الحزن والألم واستعداداً لتقبل الفقدان الطويل؟ 

إنه أمر مخيف للغاية أن نعلم أن الموت أصبح قريباً، "أن المستقبل أصبح أقرب إلينا عن الماضي" كما كتبت في شريط الفيلم. عندما نكون في سن الشباب نخطط لمستقبلنا على افتراض أنه أمامنا فترة طويلة سنعيشها، لكن فيما يتعلق بكبار السن والمرضى لا توجد خطط للمستقبل، المستقبل فضاء أجوف خالي تماما من أي شيء، فضاء بارد ومخيف، لكني أعطيت لنفسي الحرية بأن أعبر عن نظرة أبي للحياة وللموت. 

ربما كان قرار صناعة الفيلم محاولة للإفلات من إحساسك بأنك تعيشين وفاته على مدار سنوات تلك المحنة؟

كتبت هذا الفيلم لكي أحافظ عليه حيا في الذاكرة، ذاكرتي وذاكرة الجموع، لكي أتعامل مع النهاية التي كانت تقترب يوما بعد يوم بحيث أدخل الأمل في حياة الأب الذي كنت أحبه، في حياة رجل كان يملك عقلاً ذكيا ذكاءً لامعا.

كان يكتب الشعر، ويُقيم أبنية، ويصنع آلات مازالت تدور حتى اليوم على نطاق لبنان، ولايزال يتردد أصوات سيورها حتى الآن على نطاق لبنان. أثناء قيامي بعمل هذا الفيلم قضينا أنا وأبي لحظات ثرية سوياً. عشنا مرات أخرى لحظات من الماضي شاركنا فيها من قبل، وساعدنا هذا على تقبل موته المقترب لعلمنا أننا كنا نقبض على هذه اللحظات في الفيلم، وأنها كانت ستبقى للأبد. أعطانا هذا إحساسا بالسلام الداخلي. يقول الفيلم في جملة شاعرية أن "الحياة كوكبة من الذكريات، لحظات مُعاشه ومحتفظ  بها في الكون".   

الفيلم لا يحكي فقط عن محنة المرض التي مر بها والدك ولكنه يمزج الخاص بالعام، ويعقد مقارنة بين حال لبنان في الماضي القريب وبين الحاضر المأساوي، ليقول بشكل شاعري كيف خربت الحرب ذلك البلد الجميل الذي أنهكه الانقسام الطائفي،؟ فهل منذ بداية العمل على الوثائقي قررت الجمع بين الخاص والعام؟ أم في أي مرحلة من العمل اتخذت هذا القرار؟ 

منذ البداية كنت قد قررت أن أضع رحلة رجل يحتضر جنبا إلى جنب مع لبنان المضطربة والمحبوبة في آن. كانت الفكرة التي سادت دائماً أن ننتج بين رحلة رمزية لشباب رجل وأحلامه مع تاريخ البلاد الماضي والحاضر، مع بلد استهلكت من الانقسام الطائفي، كما استهلك جسمه المريض، بحيث لم يبق لها سوى صدفة خارجية لكيانها السابق، بسبب الحرب، وأن نتوقف عند  الماضي كأننا كنا عاجزين عن تصور مستقبله. لكي ينجح الفيلم في هذا كنا نصنع الخيوط بين الأفكار العامة والأحداث التاريخية وبين ما هو شخصي فنحن جميعا نتاج للبيئة التي نحيا فيها. لذلك فحياة أبي رسمت لبنان خطوطها الأساسية ابتداء من اليوم الذي ولد فيه وسط إبادة الشعب الأرمني والتي أفلت منها في مخيم "كارنتينا" لللاجئين في بيروت. قامت لبنان بتشكيله وهو كبر ونضج كشاب رائع، لكن حياته تأثرت بشكل خطير نتيجة للحرب الأهلية التي بدأت في 1975 واستمرت مدة عشرين عاماً. كان باركيف فخوراً جدا أنه لبناني، وكان يحب وطنه حبا كبيرا. عندما كان يسمع أغنية لفيروز كانت عيناه تدمعان. حتى بعد مرور عشرين سنة على الحرب تلتها عشرون سنة من مرضه الرعاش، فلبنان والمرض كان لهما دور بارز في حياة أبي. في الكارت الأخير الذي يسجل رصيدي توجد أربع جمل تلخص الزاوية التي أرى منها الحياة؛ أننا لا نملك أي سيطرة على المكان الذي ولدنا فيه، على مَنْ هم أهلنا، أو على الظروف التي ستحيط بحياتنا فيما بعد، لكننا نستطيع أن نختار كيف نريد أن نعيش؟ كيف نريد أن نحلم؟ وكيف نريد أن نموت؟ ماذا ومن وأين ليست مجالات لاختيارنا. هي فقط أشياء مقررة لابد أن نتحملها، ولكن كيف هو الحلم الذي يتخلل طريقنا في الحياة حتى ما بعد النهاية.

نورا كيفوركيان

ما هي أصعب المشاهد عليك نفسياً؟ ولماذا؟

كان المشهد الأخير أصعب المشاهد. توفي أبي يوم 2مارس، في يوم غطى الثلج الأبيض لبنان. كانت الطرق الجبلية - ضهر البيدر-  التي تصل بيروت بووادي البقاع مغلقة. لم أتمكن من حضور جنازته أو دفنه. كان من الصعب للغاية أن أتقبل وفاته من دون تنظيم جنازة.قررت أن أضيف مشهداً جديداً للفيلم حتى أكون بشكل أو بآخر إلى جانبه عندما أتت النهاية، كان هذا المشهد أصعب المشاهد كتابة ومونتاجاً، أن "أقتل" أبي بالفعل على الشاشة. لكني كنت أريد له أن يموت بطريقتي، وسط النجوم التي كان يحلم بها كصبي. هكذا كان يمكنني أن أضعه في راحته الأبدية. قضيت ثلاثة أسابيع أبحث في الأرشيفات أو جمع الصور. بعد ذلك استغرق ترتيبها وتنسيقها مدة دامت أسبوعين. بعد مضي أكثر من شهر، توصلت إلى نهاية قوية تجعلني أبكي حتى بعد أن رأيت المشهد مئات المرات. مع ذلك من الناحية التكنولوجية كان هذا نوع من الكابوس لتحقيق تتابع زمني معين في ظل طبقات عديدة للقطات التي بلغت 18 طبقة بدرجات مختلفة من الكثافة والسرعة و"الفلترة". وأنا بأمانة أتمنى ألا أُضطر في أي وقت من الأوقات أن أكتب مشهداً بهذه الصعوبة مهما طال عمري الزمني كمخرجة. 

العمل السينمائي سواء كان وثائقيا أو روائيا لا يتم وضع سيناريو متكامل له منذ البداية، ولكنه أشبه بعملية أو جنين ينمو بالتدريج في كافة المراحل من الفكرة والتصوير والمونتاج وأعمال ما بعد الإنتاج، ففي هذه التجربة 23 كيلو متر هل نعتبر مرحلة التصوير  هي البطل الأول، ثم يأتي المونتاج ليُعيد خلق هذا الكائن، أم ماذا في رأيك؟؟ 

سيناريو فيلم 23كيلو متر كُتب في شكل درامي. لم يتم تصويره مثل الفيلم الوثائقي العادي الذي يحتوي عادة على عدد كبيرة من الساعات المُصورة واللقطات، والتي يتم فحصها بدقة ثم بعد ذلك يتم تجميعها في غرفة المونتاج لتُصبح قصة. في رأيي أن الفيلم الذي يتم نحته بطريقة جيدة هو الفيلم الذي يتم تصوره ورسمه لكي يعكس المحيط والخصائص لتيمة القصة الأساسية. بخصوص فيلم 23 كيلو متر فهو عن رجل اسمه باركيف في نهاية عمره يعاني من المرض كان يتحرك بصعوبة، كان يهلوس في أحيان كثيرة أو يسقط في النوم. لم يكن لدينا الفرصة لكي نصوره لمدة طويلة، كنت أعلم منذ بداية الفكرة أن الفيلم سيكون خليط من الدراما والوثائقية لكي نقلل على قدر الإمكان من الوقت والموارد المطلوبة لمعالجة القصة. كان لابد من أن نقوم بتخطيط اللقطات بدقة وبطريقة فعالة حتى لا نتعبه لأن التصوير كان أمرا صعبا بالنسبة إليه. كنا أحيانا نضطر للتوقف فترات طويلة حتى يصبح قادر على التعاون معنا من جديد.عندما جلسنا في نهاية الفيلم لنقوم بالمونتاج أدركت أنه لم يكن لدي سوى ثلاث ساعات وعشرين دقيقة تتعلق بأبي تم تصويرها عنه. كان هذا يتضمن الوقت الحقيقي للقطات وهو يسير أو يتناول الأدوية أو يقرأ أو يكتب. وكانت كل هذا يتم ببطء شديد. ونظرا لأن انقطاع الكهرباء يحدث في لبنان بصفة متكررة كانت النتيجة أن نصف اللقطات فقط كان له قيمة، إذا كانت اللقطات تنتهي في السواد، وتصبح غير مستقرة.

هكذا فإن الفيلم الذي أصبح طوله 82دقيقة كان في متناولنا نفس الزمن من اللقطات الخاصة بأبي ولذلك أضفنا إلى الفيلم بعض اللقطات الأخرى التي لا تصور باركيف، وإنما تصور أشياء أخرى. فإلى جانب تصوير طريق دمشق السريع يتضمن الفيلم أيضاً لقطات متعلقة بتذكر الماضي تم تصويرها بمشاركة الممثل يانو شربيتيان الذي جسد دور باركيف في شبابه، والطفلة لارا شرزر التي جسدت دور الابنة. كذلك تم إضافة لقطات أرشيفية لبنانية. كانت هذه العناصر المختلفة هي جميع مكونات الفيلم لذلك كنا نعلم بأنه من البداية لابد من التخطيط على نحو جديد.  

ما هو عدد ساعات التصوير؟ ما هي المشاهد التي قمت بتصويرها وتم حذفها في المونتاج وحزنت عليها؟ ولماذا؟ 

إحدى المشاهد التي تمثل بالنسبة الي مشهد جميل للغاية وذات معنى والتي حذفناها من النسخة الأخيرة للفيلم هو مشهد تم التقاطه في الوادي بسوق زحلة. في هذا المشهد الممثل الذي قام بدور باركيف في شبابه وهو يمشي أو يسير مع ابنته طوال الطريق وصولا إلى السيارات، لكن في النهاية اتضح لنا أنه أطول مما نستطيع وفيه إسراف. مع ذلك كان من الصعب جدا إسقاطه من الفيلم بسبب ارتباطه بذكريات طفولتي مع أبي. أيضاً كان هناك عدد قليل آخر من المشاهد انتهت في غرفة الإلغاء مثال ذلك المشهد المحبب لي في السيارة التي فيها ينظر أبي إليَّ ويبتسم أجمل ابتسامة فهو انجاز ضخم لأحد مرضى الباركنسوية لأنه يجد صعوبة في التعبير بوجهه، لكن حتى نحافظ على تناغم الفيلم المصور من وجهة نظر باركيف اضطررنا إلى إلغائه.

باركيف في الفيلم

بالفيلم لغة سينمائية بارزة لها جمالياتها الخاصة والمميزة بالمعادل البصري الموسوم بالابتكار، فهل كان هناك رسم للديكوباج قبل التصوير وإعداد متكامل أم أنه أثناء التصوير كانت هناك هدايا – يمكن أن نصفها بالهدايا ربانية - ومفاجآت لم تتوقعها نورا، لكنها وظفتها واستفادت منها بقوة؟ 

منذ البداية من ناحية فكرة الفيلم تم تخطيطه ورسمه بطريقة متناسقة باستثناء شيئيين أولهما هو استخدام الحوار الصامت، والثاني هو القرار الذي اتخذناه هو نبقى مع وجهة نظر باركيف وألا نحيد عنها حتى النهاية. رغم أنه كان لدينا لقطات إضافية غير مصورة من وجهة نظر باركيف لكني التزمت برأي ونصيحة المنتج وكانت النتيجة عمل فيلم أقوى بكثير. فقد تم رسم الفيلم لكي يعبر عن الطابع الشاعري والغنائي المتوافق مع شخصيته الرئيسة. كان الهدف أن نصور باركيف كإنسان أولا، وكرجل مريض ثانياً. كان لابد من تصويره بطريقة جميلة وحميمية، وندخل في صميم حياته ومرضه. 

هو الخوف من نفور الناس من مشاهدة كبار السن المرضى؟ أو ربما رغبتك في جذب المتلقي؟

كنت أريد للمشاهدين أن يقعوا في حب باركيف، أن يروا فيه آبائهم، وأيضاً أن يتجاوزا ذلك فيروا أنفسهم كبشر. لم أكن أريد أن أركز على طبيعة المرض، على الارتعاشات والكحة الخانقة التي نتجت عن عجزه في أن يبتلع لعابه. كان هذا قرار واع مني، أن أستبعد هذه الأشياء عن الفيلم، لقد كبرت وسط ناس كبار السن وأنا أرتاح إليهم كثيرا، ولكني أيضاً أدرك أن كيف مجتمعنا يتحيز للشباب، وللأشخاص الذين يتمتعون بالجمال ويمتلكون صحة جيدة، أننا نتفادى التجاعيد والصور اللاصقة بالسن الكبير بسبب الإعلانات وعملية التكييف والموائمة التي تحدث للناس، فأغلب البشر يرون في السن الكبير شيئاً يثير القلق عندما ينظروا إليه إن لم يكن شيئاً مقززاً. ولأن فيلم 23 كيلو متر عن رجل مسن في نهاية عمره يعاني من مرض الباركنسون لم يكن من المفيد أن أجعل المشاهدين ينتابهم شعورا من القلق وينظروا في الاتجاه الآخر بعيدا عنه. مدير التصوير أدرك هذه الحقيقة وساعدني كثيرا في أن نصنع طابع الفيلم عن طريق تصويره الجميل والمضاء بشكل رائع. وذلك رغم أنه بسببها في بعض اللحظات كان أبي يشعر بأن الإضاءة تدوم أكثر من اللازم وكان من الصعب أن يظل متيقظاً، لكن في النهاية انتهت الأشياء على نحو جيد. 

الفيلم تحقق عن طريق الإنتاج المشترك بين كندا والإمارات؟ كيف تم ذلك، أيهما كان الأساس في الدعم الإنتاجي؟

تحقق الفيلم عن طريق الإنتاج المشترك بين كندا ولبنان والإمارات العربية المتحدة، بهذا الترتيب. في كندا نجحت في مسابقتين كبيرتين، ولذلك أغلب تمويل الفيلم جاء من منح الإدارات أو من خلال شركة سيكس أيلاند للإتناج، ثم حصل الفيلم على دعم صندوق إنجاز من مهرجان دبي السينمائي بعد مشاهدة - "الروف كات" - النسخة العمل الأولية. 

ماذا عن مشاريعك القادمة؟ وأحلامك السينمائية؟ 

مشروعي القادم ينتمي للوثائقي الحقيقي الذي بدأت تصويره منذ 2010، وعنوانه المبدئي "بطاطا" والتمويل أساسا من معهد الدوحة للأفلام، ودبي. يدور عن العمال السوريين المهاجرين في لبنان الذين وجدوا أنفسهم بعد سنوات قليلة لاجئين بلا دولة. كذلك لدي مشروعات روائية عدة أعمل على تطويرها، وأشعر أنني مستعدة للروائي خصوصاً بعد تجربتي مع فيلم صعب وإبداعي مثل "23 كيلو متر"، لكن حبي الحقيقي للوثائقي الإبداعي خصوصا تلك الوثائقيات المصنوعة بلغة سينمائية.

 

 

قد ينال إعجابكم