متابعات

أصداء الدورة الـ 38 لمهرجان القاهرة السينمائي

قيس قاسم

 السينما المصرية الأعرق ومهرجان القاهرة من بين أكثر المهرجانات العربية أهمية! التوصيفان تكرّسا عبر تاريخ طويل من الصناعة الفيلمية والحضور الفعلي على المستوى الشعبي والفني، مع أن إمكانية التدقيق في صحّتهما تظل متاحة للمعنيين بدراستهما، وعلى مستوى تقويم المهرجان، ولكونه مثل غيره من المهرجانات "غير مُنتِج" للسينما ويمتاز بخصائص ووظائف شديدة الصلة بالمُنتَج السينمائي وتقديمه، فإن معاينة أي دورة من دوراته نقدياً ـ  تفرض الموضوعية ـ مراجعتها بذاتها دون عزلها تماماً عن سابقاتها ولا ينبغي في كافة الأحوال إسقاط مستواها (مهما كان) على بقية الدورات خوفاً من السقوط في فخ "التعميم".

نسوق هذه المقدمة ونحن بصدد مراجعة الدورة الـ 38 لمهرجان القاهرة بعد انتهاء أعمالها وغلبة الجدل والخلاف حول الكثير من تفاصيلها وانتقاد ضعف مستوى تنظيمها، بل يمكن القول أن النقد الموجه إليها قد سبق انعقادها وصار عنواناً لها حتى بعد ختامها، يكفي للتدليل على ذلك أن كُثر من النقاد والصحافيين المصريين قبل العرب ثبتّوا رأيهم فيها وخرجت الصحافة المكتوبة على وجه الخصوص بعناوين تعلن "خيباتها" بل وتدعو صراحة إلى البحث عن علاج فعّال لأمراض المهرجان لا دورته الأخيرة فحسب!

الانقسام الحاد بين إدارة المهرجان وقطاع واسع من النقاد والصحافيين وصناع السينما، ظهر قبل أسابيع من عقد الدورة وسببه الرئيسي "حجب" مشاركة فيلم "آخر أيام المدينة" لتامر السعيد، ولأسباب موضوعية تتعلّق بجودة مستواه، سرى الخلاف وأثرّ على جوانب أخرى كان المهرجان بأشدّ الحاجة إليها مثل الدعاية والترويج للدورة إعلامياً بسبب انشغال "الإدارة" بمعالجة وتبرير قرارها ودخولها في "معركة" لا يرغب أي منظم دورة الدخول فيها، والأكثر من ذلك المضيّ فيها دون إيجاد حل "توافقي" يضع حداً لها. ببساطة كان "آخر أيام المدينة" أول السهام التي اخترقت جسد الدورة وأدمته.

لقطة من فيلم "آخر أيام المدينة"

ارتباطاً بإحدى وظائف المهرجان كـ"عارض" للمُنتَج السينمائي وبسبب شح المتوفر منه وضعفه ـ باستثناءات قليلة مثل فيلم "اشتباك" على المستوى المصري ـ زاد "الحجب" من عمق الخلاف لينتقل إلى الاختيارات الأخرى من بينها؛ فيلم "البرّ التاني" التي وجد المهرجان نفسه بسببها مُنجرّاً للخوض في تفاصيل وأسباب اختيارها، وبالتدريج وجد نفسه أمام موضوع خلافي جديد عنوانه: "لجنة المشاهدة" الاستشارية الطابع وآلية عملها.

بدا واضحاً الارتباك على الإدارة حين أعلنت بنفسها عن فهمها ورؤيتها لعمل اللجنة وإقرارها بحق تفردّها بالقرارات دون الرجوع إليها؟!

الانجرار إلى موقع التبرير والتفسير لكل رد فعل وموقف منتقد لتصريحاتها وقراراتها أصاب الدورة في مقتل ولم يعد ممكناً السيطرة على الانطباعات السلبية التي في الأحوال العادية لا يتوقف عندها النقاد والصحافيون، في كتاباتهم بل يكتفون بتداولها غالبا في أحاديثهم الخاصة، مثل موضوع؛ عدم دقة تنظيم العروض وضعف الجوانب اللوجستية والفنية الأخرى، لكن هنا وارتباطاً بها برزت مسائل أكثر جدية مثل؛ موضوع الجمهور وأماكن عرض الأفلام وأسئلة أخرى تشير إلى مقدار نجاح الدورة في كسب جمهور مدينة عملاقة كالقاهرة يقطنها الملايين.

دون تردد كان حجم الحضور الشعبي متدنيّاً، يدعو للتساؤل عن أسباب انسحابه، وينبغي على إدارة المهرجان التوقف عندها لأن مهرجانها جماهيري لا نخبوي مصنف دولياً من فئة "أ" يقام في عاصمة بلد توصف بكونها المدينة الصناعية الوحيدة للسينما في العالم العربي وبالتالي غياب مواطنيها عن مهرجانهم الأكبر "خيبة" تضاف إلى الخيبات التي ألمّت بدورته الأخيرة وفتحت باب النقد ضدها واسعاً.

لقطة من فيلم "اشتباك"

من سوء حظ إدارة الدورتين الأخيرتين أنها تولّت مسؤوليتها بعد دورة (2014) التي هي من بين أقوى الدورات حسب رأي كُثر من الذين رافقوا مسيرة المهرجان منذ انطلاقته، لدرجة صارت تسمّى باسم منظمها: "دورة سمير فريد".

لقد وضع منجزه الباهر على أكثر من صعيد إدارة المهرجان بعده في وضع لا تحسد عليه وبدلاً من جعل "واقع الحال" تحدّياً يصب تجاوزه في صالحها ويضاف إلى رصيد المهرجان، صار كل ضعف يخرج منها يقارن بالدورة "المثال" وبالرجل الذي عرف جيداً كيف يصنع مهرجاناً ناجحاً بامتياز.

إذا كان شح المنتج العربي يبرر لإدارة مهرجان القاهرة وغيره من المهرجانات العربية قلة حيلتها وحصر خياراتها في أضيق مساحة ممكنة، تتقلص أكثر بالمنافسة بينها، فالعروض العالمية لا تعطيهم الشيء نفسه وعدم حصول مهرجان كبير مثل القاهرة على أبرز الأفلام المعروضة في كبريات المهرجانات يقودنا للسؤال عن طبيعة علاقته بالوسط السينمائي العالمي وبسمعته بينها، لكن ما يهمنا أكثر، بالرغم من أهمية توفير أفضل ما أُنتَج عالمياً للجمهور المصري، غياب سينما الجوار ونقصد بها بالتحديد: السينما التركية والإيرانية. فالاثنتان لهما سمعة جيدة تكونت عبر منجز رائع فرض نفسه عالمياً ناهيك عن قرب موضوعاتها من همومنا وثقافتنا.

في هذا العام أنتجتا ما لا يقل عن خمسة أفلام مهمة، استدعى غيابها عن الدورة الـ 38 التوقف وطرح الأسئلة. إذا كان "التغييب" يعود إلى وصول ترددات الموقف السياسي الرسمي إليه فهذا من بين أسوأ ما يمكن لمهرجان سينمائي أن يتعرض إليه، لما فيه من مفارقة صارخة كون أغلبية الأفلام الجيدة الخارجة من إيران وتركيا ليست "دعائية" بل العكس؛ هي ضد النظامين بمعنى "الضد" الواسع. هي منتقدة للبنيّة السياسية والأيدولوجية وتتناول المشكلات الاجتماعية بمنظور نقدي، لهذا يتحمل الكثير من مبدعيها وزر مواقفهم "الشجاعة" وخاصة في إيران، وبالتالي عدم عرضها على الجمهور يُخَسره فرصة الاطلّاع عليها ومعرفة أحوال الناس في كلا البلدين.

لقطة من فيلم "قتلة على كراسي متحركة"

على مستوى ثانِ ينجح المهرجان في الحفاظ على الإرث الإيجابي لـ"فريد" المتمثل في إشراك أطراف أخرى فيه مثل نقابة السينمائيين وغيرها، ويحسب له محاولته توسيع مساحة عروضه لتصل إلى جمهور أوسع من الحاضر إلى تجمع "دار الأوبرا". ما حققته خطوته لا يمكن تقويمها بقلة عدد الحاضرين إليها فحسب، بل في دراستها والبناء عليها مستقبلاً، فلن يشفع لمهرجان شعبي غياب الناس عن فعالياته وهنا لا بد من الإشادة بنوعية الندوات وتنظيمها فالدورة ليست كلها أفلام ومشاكل!

يجدر التوقف عند عروض مختلف الخانات وبشكل خاص نجاح الدورة في جمع كم جيد من المنتج الشرق أوروبي والمعروضة أغلبيتها في مهرجان "كارلوفي فاري" و"برلين" وأخرى إقليمية تبدو بصمة المدير الفني للمهرجان يوسف شريف رزق الله واضحة في اختيارها. إذا كان لكل مهرجان تميّزه فعلى الأقل لا بد من الإشارة إلى تميز الدورة الأخيرة في هذا الحقل، وإن كان عند مهرجان قرطاج ذات الحرص، فيما تنجح دورة القاهرة أيضاً في جمع الكثير من الأفلام القصيرة جيدة المستوى إلى جانب إتاحتها للطلبة المصريين والشباب فرصة عرض نتاجهم على جمهور واسع وضمن إطار تظاهرة كبيرة.

 أما على مستوى نوعية أفلام شرق أوروبا فمن بين أجملها؛ الصربي "زوجة طيبة" وفيه حاولت مخرجته "ميرجانا كارانوفيتش" مراجعة الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة من منظور نقدي تحاكم فيه المتسبّبين في نشوبها والصرب المرتكبين لجرائمها، خروجاً عن نمطية أفلام صربية فضلت الابتعاد عن تناول التجربة بعين راصدة لبشاعتها على عكس "زوجة طيبة" الذي قال أشياء كثيرة عن بلد تمزّق جسده وحتى يتعافى وتشفى جروحه لا بد له من مراجعة تجربته نقدياً.

إلى جانبه هناك التشيكيان "لسنا بمفردنا أبداً" و"المُدرِسة" وأيضاً الرائعة الهنغارية "قتلة على كراسي متحركة". يضاف إليها السينما الآسيوية وأعمال مهمة جُمعت في خانة "ضيف شرف المهرجان: السينما الصينية" أما اللافت فقلة الأفلام الوثائقية وضعف ما عُرض منها إلى درجة توحي بأن الدورة لم تكن معنية بها أصلاً!

المؤكد أن الضعف غلب على الدورة الـ 38 وصاحبتها مشاكل كثيرة تضع إدارته ومسؤوليها، الذين لا تنقصهم الكفاءة ولا التجربة بل على العكس عندهم من المؤهلات ما يضمن إقامة دورات جيدة، أمام تحدّي حقيقي عنوانه الأبرز؛ مراجعة الأخطاء بشجاعة وتجاوزها، فمهرجان القاهرة يستحق أكثر من هذا بكثير.     

   

 

 

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

حكايات وثائقية...

ما الفرق بين الفيلم التسجيلي والفيلم الوثائقي؟ وكيف نميز بينهما؟ وهل التسجيلي هو أقصر طولاً من الوثائقي أم العكس؟