متابعات

أهلا بكم إلى عصر البودكاست

محمد موسى

بينما تواصل شبكة الإنترنت وتكنولوجيا الأجهزة الإلكترونية الحديثة تضييق الخناق على وسائط الترفيه التقليدية مثل السينما والتلفزيون، ومواصلة ابتكار أساليب جديدة لمنافسة هذه الوسائط وبالخصوص على الشاشات الصغيرة، والمضي في محاولات الاستحواذ على اهتمام فئات الشباب، أعادت التطورات التكنولوجية ذاتها الحياة للمواد المسموعة (الراديو)، أول الوسائط الترفيهية التكنولوجية من القرن السابق، والتي كانت تواجه أسئلة وجودية، وشكوكا حول مستقبلها على إثر تغيير عادات وطقوس استلام المعلومة والترفيه في العقدين الأخيرين. فالراديو الذي يبث على الإنترنت يحظى اليوم بشعبية كبيرة، فيما شهدنا أخيراً ولادة وسيط جديد يملك كل الأسباب الوجيهة لحياة طويلة قادمة، ونعني هنا "بودكاست" (Podcast)، أحد نجوم الترفيه في عصرنا الحالي.

بالطبع لا يُمكن عزل نجاح "بودكاست" (الاستماع للمواد الرقمية حسب الطلب) عن شعبية أجهزة الهواتف الذكية في العقد الأخير، إذ منحت هذه الأجهزة المنصة المثالية لنمو وتطور إنتاج المواد المسموعة. ذلك أن العلاقة اليوم بين أصحاب الهواتف الذكية وهواتفهم تكاد تكون الأكثر قوة بين المستهلك العادي وكل الأجهزة الإلكترونية التي يستخدمها (تلفزيون، كمبيوتر شخصي)، كما يزداد اتكال هذا المستهلك على أجهزة الهواتف الذكية في توفير كل احتياجاته الخدمية والترفيهية، ومنها استماعه إلى المواد المسموعة الرقمية، التي طورت الشركات المصنعة لهذه الأجهزة برامج وتكنولوجيا خاصة للاستماع لها، ودكاكين إلكترونية للبحث عن جديدها وتحميله على الهواتف.

أعادت التطورات التكنولوجية والبودكاست الحياة للمواد المسموعة (الراديو)

وإذا كانت محطات الراديو التقليدية السباقة في الانتباه لهذه المنصات الجديدة لتبدأ بوضع برامجها عليها، إلا أنه لن يمرّ الكثير من الوقت قبل أن يلتفت كثر إلى الفرص المفتوحة أمامهم لإنتاج ما يشاؤون من برامج مسموعة ووضعها على شبكة الإنترنت لتكون متاحة للراغبين، في اتجاه يعزز من ديمقراطية الشبكة العنكبوتية والتي تمنح صوتاً لكل من يرغب، فمثلما وفرت مواقع التواصل الاجتماعي الإمكانية لكل فرد منا للتعبير عن أفكاره وهواجسه، ومنحت مواقع الفيديو على الإنترنت الفرص لعرض الفيديوهات الشخصية، يوفر "بودكاست" منصة للكلمة المسموعة، والتي كما بينت تجارب الأعوام القليلة الماضية، أنها قد تكون بالغة التأثير وتلقى نجاحاً مُوازياً لما يحدث في عوالم أخرى من الإنترنت.

ماتزال محطات الراديو الأجنبية تتصدر قوائم المجهزين للمواد المسموعة على شبكة الإنترنت، ذلك أن هذه المحطات لا تبذل مجهودات إضافية عدا وضع موادها والتي أنتجتها خصيصاً لمستمعيها على الراديو التقليدي على شبكة الإنترنت (بدأت بعض المحطات أخيراً بإنتاج نسخ مطولة من برامجها لخدمة "بودكاست"). تتصدر هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) هذا المجال، فالمؤسسة البريطانية التي منحت العالم واحدة من أقدم محطات الراديو المحترفة، مازالت تتميز ببرامجها الاذاعية الجديّة، التي ترتكز على تاريخ وتقاليد عريقة، جعل برامجها تلقى الرواج في دول كثيرة حول العالم. " بي بي سي" ليست وحدها، إذ إن كل محطة راديو حكومية في أوروبا توفر اليوم الكثير من برامجها على الإنترنت للتحميل والاستماع المجاني.

"سيريل" (Serial) تم تحميله منذ طرحه على الإنترنت في عام 2014 لما يقارب 250 مليون مرة

هذه الحياة الامريكية

عَبّدَ نجاح البرنامج الإذاعي الأمريكي المعروف "هذه الحياة الأمريكية" على خدمة "بودكاست" الطريق للبرامج الإذاعية الخاصة التي أنتجها فريق البرنامج ذاته لشبكة الإنترنت حصراً. فرغم أن البرنامج الإذاعي المذكور يمثل منذ سنوات طويلة أحد أيقونات الراديو المستقل الأمريكي، إلا أن نجاحه العالمي عبر خدمة "البودكاست" في الأعوام الأخيرة، كان لافتاً كثيراً. ومؤشراً لحاجة الجمهور إلى برامج جدية ومقاربات معمقة للقصص التي تتناولها. أنتج فريق البرنامج الأمريكي برنامجين حتى اليوم كسرا كل الأرقام القياسية في شعبية تحميلها من الإنترنت، الأول هو "سيريل" (Serial) والذي تم تحميله منذ طرحه على الإنترنت في عام 2014 لما يقارب 250 مليون مرة. والآخر هو "ذي أس تاون" (S-Town) الذي طرح هذا العام وكسر بدوره أرقاماً سابقة، إذ تم تحميله في الأسبوع الأول من طرحه على الإنترنت لعشرة ملايين مرة.

يتشابه البرنامجان في هويتهما الاستقصائية، والمهمة التي يهدفان لتحقيقها في التحقيق في قضية ما، والزمن الطويل الذي ستأخذه هذه المهمة (تتوزع على حلقات عدة). هما بذلك يقتربان مما تقوم به شركة "نتفليكس" عبر برامجها التسجيلية المتألفة من حلقات عديدة مثل: "صناعة قاتل" و "الحراس". لجهة أخذ الوقت الطويل في معاينة جميع وجوه القضايا التي تبحث فيها. يحقق "سيريل" في قضية عدنان مسعود سيد، الأمريكي المسلم من الأصول الباكستانية الذي اُتهم في قضية قتل صديقته، والذي يقضي منذ عام 2000 عقوبة السجن المؤبد في أحد السجون الأمريكية. فيما يتناول "ذي أس تاون" حياة أمريكي مصلح ساعات اسمه جون. بي مكليمور اتصل نفسه بفريق البرنامج وطلب منهم التحقيق فيما يجري في بلدته، وأنتحر بعد عام من ذلك.

يأخذ التحقيق في قضية عدنان مسعود سيد برنامج "سيريل" التسجيلي إلى موضوعة الإسلاموفوبيا، ويطرح فريق البرنامج أسئلة لازالت مُعلقة حول علاقة إثنية المتهم بالخفة التي تمت فيها بعض التحقيقات. فيما تقترب مقاربة برنامج "ذي أس تاون" من الرواية الأدبية المتألفة من فصول يقدم كل منها جانبا من حياة شخصية "مكليمور" المُعذبة، وقدره الذي جعله يعيش في مجتمع أبيض معزول في إحدى المدن الأمريكية الفقيرة، وتشتته بين مثله وهويته الجنسية المعقدة والذي قاده إلى التعاسة. لا يحلّ برنامج "سيريل" قضية شخصيته (هناك موسم جديد قادم من البرنامج بموازاة حركة شعبية لإعادة فتح القضية)، في حين يحتفي برنامج "ذي أس تاون" بحياة "مكليمور"، ويحولها إلى أمثولة، ويرفعها من القعر الذي كانت تعيش فيها، ويغلفها بالإنسانية التي تستحقها.

يحقق "سيريل" في قضية عدنان مسعود سيد، الأمريكي المسلم من الأصول الباكستانية الذي اُتهم في قضية قتل صديقته

نموذج اقتصادي

توفر محطات الراديو الغربية الحكومية برامجها الإذاعية عن طريق "بودكاست" مجاناً، وتماشياً مع سياساتها ومسؤولياتها تجاه المستمع الذي تتوجه إليه، رغم الاعتراضات التي تتعالى أحياناً من بريطانيا، حيث يدفع البريطاني العادي مبالغ شهرية لهيئة الإذاعة البريطانية، إذ إن هناك مطالبات للمؤسسة الإعلامية باشتراط مبالغ على برامجها التي تبث خارج بريطانيا. في حين تواصل محطات الراديو التجارية سياساتها الإعلانية ذاتها مع المواد السمعية التي تضعها على الإنترنت، في مسعى إلى توفير مداخيل إضافية لهذه المؤسسات التجارية.

يبدو أن النموذج الاقتصادي الذي يقوم على الإعلانات سيكون الأهم وربما الوحيد المتوافر لصناع المواد السمعية على "بودكاست"، إذ سيكون من الصعب بمكان البدء باشتراط أموال مقابل الاستماع لهذه المواد، وبعد أن تم تعويد المستهلك عدم دفع أموال مقابل ما يحصل عليه من "بودكاست"، وهو الأمر السائد اليوم، سواء مع المواد السمعية المتخصصة ذات الجمهور المحدود، أو تلك المكلفة العملاقة والتي تجذب جمهوراً يقدر بعشرات الملايين، حيث تقطع الإعلانات دورياً المواد السمعية، وكما هو الحال مع القنوات التجارية التلفزيونية. مع الإشارة إلى أن بعض مجهزي المواد السمعية بدأوا بتوفير خاصية الاستماع لبعض الحلقات القادمة من البرامج التي تعرض حالياً مقابل اشتراك مدفوع الثمن.

بغياب استثمار المؤسسات الإعلامية العربية بشقيها الحكومي والتجاري في إنتاج مواد سمعية خاصة بالإنترنت أو نقل موادها التي تنتجها لمحطاتها الإذاعية لتكون في متناول المستهلك العربي على الإنترنت، يبقى عالم "بودكاست" العربي مقتصراً على مبادرات فردية مازالت محدودة للغاية، وتنحصر في برامج غير منتظمة، ومحصورة كثيراً في مجالات محدودة ( برامج التكنولوجيا أو البرامج الدينية على وجه الخصوص)، ولم تتوسع بالشكل الذي يشهده العالم الغربي، حيث إن هناك اليوم "بودكاست" لكل الأذواق والموضوعات، وأضحى يمثل جانباً لا يستغنى عنه لبعض المؤسسات الإعلامية التقليدية مثل المجلات الورقية أو الصحف لتقديم محتوى خاص، هو من جهة استكمالاً لما تقوم به المؤسسات الأصلية، ويروج من جهة أخرى للخدمات الرئيسية التي تقدمها.

قد ينال إعجابكم