متابعات

الاقتباسات السينمائية لمسلسلات التلفزيون

محمد موسى 

تَعكس ثلاثة أفلام بريطانية مُقتسبة عن مسلسلات تلفزيونية عرضت أخيراً ومنها من يصل إلى الصالات السينمائية هذا العام، أبرز الإتجاهات العامة الأساسية لطبيعة الأفلام المستوحاة من مسلسلات التلفزيون. أول هذه الافلام هو "جيش أبي" (Dad's Army)، الذي يمثل إتجاهاً خاصاً يقوم على تقديم قصص مسلسلات شهيرة مضى على عرض بعضها عقود من الزمن بطاقم جديد تماماً من الممثلين والمؤلفين، فيما لا يفصل فيلم "أبسلوتلي فابليس" (absolutely fabulous) والذي يعرض حالياً في الصالات الأوروبية سوى بضعة أعوام بينه وبين مسلسل مؤسسة "بي بي سي" الذي يستند عليه، كما يحتفظ الفيلم بممثلات المسلسل أنفسهن، ويتابع في حكايته ما انتهى إليه الموسم الأخير من المسلسل.

لقطة من فيلم "أبسلوتلي فابليس"

أما فيلم "ديفيد برنت: الحياة على الطريق" من بطولة وتأليف الكوميدي البريطاني ريكي جيرفيس، والذي تنطلق عروضه في النصف الأخير من شهر أغسطس القادم، فهي يقع في منتصف المسافة بين الإتجاهين السابقين، إذ أنه يدور حول الشخصية الرئيسية التي ظهرت في مسلسل "المكتب" الشهير والذي عرض بين عامي 2001 و 2003، متخلياً عن الشخصيات الأخرى في المسلسل، لتكون الشخصية الرئيسية هي الرابط الوحيد تقريباً بين الفيلم السينمائي والمسلسل التلفزيوني، ولا يُعدّ ما يقدمه فيلم الكوميدي البريطاني "جيرفيس" غريباً، ذلك أن كوميديين آخريين فعلوا الشيء ذاته، وبحثوا في السينما عن فضاءات جديدة لتقديم الشخصيات الناجحة التي ابتكروها على شاشات التلفزيون.

هذا التقسيم يساعد كثيراً في تحليل الذهنيات الإنتاجية والبحث عن مشتركات في قائمة الأفلام المستوحاة من مسلسلات التلفزيون، وهي القائمة التي تطول قليلاً كل عام، بخاصة مع اقتراب التلفزيون من السينما في السنوات الأخيرة، لجهة التكنولوجيا المستخدمة وطبيعة الأداءات وسلاسة انتقال الممثلين والمؤلفين والفنيين بينهما. الأمر الذي يجعل انتقال المسلسل الناجح إلى السينما يعد أمراً بديهياً أحياناً، ينتظره بالحماس نفسه، المعجبون بالعمل الأصلي، وشركات الإنتاج المتلهفة لأيّ نجاحات تجارية في الصالات، ويستثنى من القائمة الأفلام التي تستند إلى كتب أدبية، والتي قدمت أيضاً على شاشات التلفزيون، وإن بدت بعض هذه الأفلام متأثرة بالمعالجات التي قدمها التلفزيون لهذه الأعمال الأدبية.

من فيلم جيش الآباء

وإلى جانب التقسيم على أساس البناء والمعالجة والظروف الإنتاجية، تشترك هذه الأفلام في تعثرها في إيجاد الشكل السينمائي المُتحرر من التركيبة التلفزيونية وسطوة نجاحات شخصياتها على الشاشات الصغيرة، ولا توفق هذه الأفلام الا نادراً في أن تكون أفلام مستقلة بذاتها، ينظر إليها بمعزل عن نجاحاتها التلفزيونية، كما أن الكثير من هذه الأعمال لا تصل بالنهاية الى جمهور جديد واسع، عدا الجمهور الأصلي الذي يُقبل على مشاهدتها في الصالات السينمائية بدوافع الحنين الى العمل التلفزيوني الأصلي، وينتهي غالبا خائباً او راضياً بحدود قليلة على ما يراه على الشاشة السينمائية، لكن مع تساؤلات عن جدوى إنتقال المسلسل الى السينما، واذا لم يكن من الأجدى لهذه الأعمال البقاء في عوالم التلفزيون.

تُراهن هذه الأفلام على ألفة شخصياتها وقصصها عند الجمهور الذي تابعها على شاشات التلفزيون، ذلك أن هذا الجمهور إستثمر لسنوات طويلة في علاقات نفسية مع هذه الأعمال. وحتى في الأفلام السينمائية التي تعود الى حقبات زمنية تسبق التي قدمتها مسلسلات التلفزيون، او تذهب الى المستقبل لتستشرف ما ستؤول إليه الشخصيات، تبقي على علاقات مع الأعمال الأصلية، أحياناً باساليب غير مباشرة، وأحياناً اخرى عن طريق حزمة من الإشارات المعروفة، والإستعانة بممثلين وممثلات بملامح قريبة من الشخصيات التي ظهرت في الأعمال الاصلية.

وعلى رغم أن "الألفة" و"الحنين" هما اللذان يدفعان بالجمهور للتوجه الى الصالات السينمائية، إلا أن الأفلام كثيراً ما تخيب آمال المعجبين، لأنها لا تحسن التعامل مع عنصري الألفة والحنين المهمين، فهي كثيراً (وخاصة في السينما البريطانية)، ما تأخذ شخصياتها في رحلات خارج البيئات الجغرافية التي قدمتها المسلسلات التلفزيونية، هذه الرحلات التي تكون غالباً الى بلدان بعيدة، تخلخل سريعاً الأواصر مع الأعمال الأصلية، دون أن توفر في المقابل قصصاً ببناءات مُحكمة مقنعة وسيناريوهات تكون قائمة بذاتها، تأخذ بحسابها المشاهد الذي لم يشاهد بعد المسلسلات التلفزيونية الأصلية.

"آلان بارتريج" ونساء متمردات

من فيلم "آلان بارتريج"

ولعل شخصية "آلان بارتريج" والتي يقدمها بنجاح كبير منذ أكثر من عقدين الممثل الإنكليزي الكوميدي الموهوب ستيف كوجن، هي مثال مهم عن الشخصية التي يمكن تحقق الإنتقال الناجح الى السينما، لثرائها الكوميدي والمفارقات التي تتضمنها الشخصية، والتي يمكن تطويعها ضمن تركيبات سينمائية متنوعة. فهذه الشخصية التي ابتكرها الممثل الكوميدي البريطاني، أنطلقت من الراديو ثم إنتقلت بعدها الى شاشات " بي بي سي" التلفزيونية، وحققت هناك نجاحات كبيرة، قبل أن يقرر الفريق الذي يقف خلفها التجريب في السينما، وهو ما حصل في عام 2013 عندما قدموا فيلم " آلان بارتريج: الفا بابا" (Alan Partridge: Alpha Papa)، والذي على خلاف معظم الأفلام البريطانية التي استندت على مسلسلات، كان موفقاً في الإشتغال السينمائي على الشخصية الكوميدية، دون الحاجة الى زجها في مغامرات أكبر من حدود هذه الشخصية.

يكاد مسلسل "ابسلوتلي فابليس" أن يكون بالعمر نفسه للبرنامج الكوميدي الناجح والذي قدمه ستيف كوجن، لكن المسلسل الأول تأخر كثيراً قبل أن تقرر مؤلفته وبطلته الكوميدية جنيفر سوندرز الإنتقال إلى السينما، يقترف الفيلم والذي يعرض بنجاح جيد في العديد من الدول الاوروبية اليوم الأخطاء ذاتها التي وقعت فيها معظم الأفلام المقتبسة من المسلسلات التلفزيونية، فهو يأخذ بطلتيه الى فرنسا، ويعرضهن لمواقف كوميدية ترتكز على كوميديا الحركة والتي تخالف مع تميز به المسلسل من سخرية لاذعة من عالم الموضة حيث تعمل الشخصيتان، كما لا يقاوم المسلسل شعبيته الكبيرة لدى النجوم، ويقع في غواية فسح المجال لهولاء للظهور في أدوار صغيرة عبر زمنه، وهو أمر سيطبع الفيلم بنفس خاص، يختلف عن الأجواء الحميمية المُتقنة التي برع بها المسلسل.

أرباح ومساحة جغرافية 

تتصدر الولايات المتحدة وبريطانيا في مجموعة الأفلام المقتبسة او التي تكمل قصص مسلسلات التلفزيون، وتتميز بريطانيا بالعدد الكبير للأفلام الكوميدية المستندة الى مسلسلات كوميدية، بسبب تقاليد الكوميديا التلفزيونية البريطانية العريقة والنجاحات الكبيرة لبعض المسلسلات الكوميدية في بريطانيا وخارجها، في حين تتنوع الأفلام الامريكية المأخوذة من مسلسلات، مع حضور مهم لفئات الحركة والخيال العلمي، كأفلام: "ذي أكس فايل"، "ملائكة تشاري"، "ذي أي تيم"، وغيرها. وتملك معظم الدول الأوروبية تقاليد بتحويل مسلسلات محلية ناجحة إلى أفلام سينمائية.

من فيلم فرونيكا مارس

وشاعت في السنوات الأخيرة وبسبب شعبية مواقع التواصل الإجتماعي على الإنترنت، الدعوات من الجمهور نفسه للصناعة السينمائية من أجل تحويل مسلسلاته المفضلة الى أفلام، وأحياناً شارك الجمهور نفسه في إنتاج هذه الأفلام، كما حصل قبل عامين مع الفيلم المقتبس عن مسلسل "فرونيكا مارس"، إذ بدأت قبيلة المعجبين المتفانين بالمسلسل حملة لجمع أموال لإنتاج فيلم عن المسلسل، وهو الأمر الذي تحقق في عام 2014.

لكن، ورغم شعبية المسلسلات التلفزيونية التي استندت عليها الأفلام السينمائية، إلا أن هذه الأخيرة لم تحقق دائماً نجاحات تجارية باهرة، عدا استثناءات قليلة، مثل فيلم "الجنس والمدينة"، والذي يواصل قصة المسلسل التلفزيوني الذي حمل الإسم نفسه. إذ حصد الفيلم الأول عن المسلسل على مايقارب 415 مليون دولار عند عرضه في الصالات عام 2008، و "21 جيم ستريت" الذي جمع 205 مليون دولار، في حين لم تزد عائدات الفيلم البريطاني "جيش أبي" عن 13 مليون دولار، رغم الشعبية الكبيرة للمسلسل التلفزيوني المقتبس عنه والذي مازال يعرض بنجاح كبير على شاشات " بي بي سي" رغم مرور ما يقارب من 30 عاماً على إنتاجه. 

قد ينال إعجابكم