متابعات

الدورة العاشرة لمهرجان وهران للفيلم العربي

قيس قاسم - وهران

اهتمت الدورة العاشرة للمهرجان بالورشات والندوات مثل إخراج وتصميم المؤثرات البصرية"، "عملية إنجاز الفيلم من الكتابة للإنتاج" و"علاقة المخرج بالممثل أمام الكاميرا".

كل ما في وهران يشجع على إقامة مهرجان سينمائي فيها. مدينة جميلة كما يسميها أهلها "الباهية" جوها معتدل حتى في عز الصيف وناسها منفتحون. مرجعياتها الثقافية عريقة وعلاقتها بالمحيط العربي قوية، فكان من المنطقي أن يقام فيها مهرجان اختص بالسينما العربية ويسعى لنقلها إلى جمهور مقبل عليها بفارق أنه يوفر لهم جديدها والمتفرد منها رغم ذلك ثمة تباين في نوع الفيلم المختار وتباين واضح في مستوياته، ما يطرح أسئلة حول ضوابط الاختيارات ومعاييرها ويمكن ملاحطة ذلك بوضوح في مسابقاته الرسمية؛ ففي الروائية هناك أفلام جيدة مثل الجزائري "في انتظار السنونوات؟ المشارك في دورة مهرجان "كان" الأخيرة وإلى جانبه أفلام أقل مستوى منه بكثير والحال نفسه يمكن ملاحظته في الوثائقية والقصيرة لكن يبقى ما دام جماهيرياً أو ينشد ذلك مصدراً لعرض الجديد منها إلى جمهور ربما لا تتوفر له فرص مشاهدتها في بقية أيام السنة.

وهران.. مثله مثل بقية المهرجانات العربية يسعى لاستضافة أسماء مهمة ويكرم شخصيات لعبت دوراً مهماً في تاريخ السينما العربية، لكن اهتمامه بالورشات والندوات لافت ولعل ورشات؛ "إخراج وتصميم المؤثرات البصرية"، "عملية إنجاز الفيلم من الكتابة إلى الإنتاج" و"علاقة المخرج بالممثل أمام الكاميرا" تقترح معاينة بعض مضامين السينما العربية طلبتها بأشد الحاجة إلى التفاعل معها، كما تضفي ندواته السينمائية أهمية له، لتناولها جوانب من المشهد السينمائي العربي ومحاولة الكشف عن جوانب غير معروفة كفاية بالنسبة للجمهور والنقاد والمهتمين على حد سواء، فندوة "الأرشيف ورقمنة الأفلام: ذاكرة الأفلام الجزائرية في الخزانة الألمانية" والتي تتناول واحدا من التحديات المعاصرة التي تواجه مهمة الحفاظ على الأرشيف الفيلمي في أكثر من بلد فيما تحتفظ الخزانة الألمانية بتراث مهم لا يقدر بثمن لكلاسيكيات السينما العالمية بما فيها الجزائرية وفي حقل النقد اكتسبت ندوة "النقد.. أفلام وأفلام" وساهم فيها مجموعة من النقاد العرب أثاروا فيها أسئلة تحاول بدورها الإحاطة بـ"مفهوم النقد السينمائي" والتقرب من سؤال "من هو الناقد؟" وأخرى تتعلق بالسينما وحقوق المؤلف ودور السينما في الحفاظ على الذاكرة وكتابة التاريخ صورياً.

لوحظ التباين في نوع الفيلم المختار وفي مستوياته، ما يطرح أسئلة حول ضوابط الاختيارات ومعاييرها

الفرقة والافتراق العراقي 

التباين الحاد ذاته موجود في وثائقيات وهران وإن كانت الغلبة للجيد منها، ففي هذا العام أدرج مبرمجوه؛ الفائز بجائزة مهرجان برلين: "اصطياد أشباح" للفلسطيني "رائد أنضوني" واللبناني "المخدومين" وفيه يتناول "ماهر أبي سمرا" موضوع الخدم الأجانب في لبنان بأسلوب، دون مبالغة، يمكن وصفه بالطليعي فيما يتعلق بالاشتغال العربي للوثائقي. فهو مال إلى عرض المشهد الجانبي منه وترك لنا تخيل الجانب العميق وفق تصوراتنا الخاصة واعتماداً على ما نشاهده أمامنا، وفي ذلك دعوة لمشاركتنا الفيلم وصانعه الأمر الذي قلما نجربه في السينما الوثائقية العربية. هناك أيضاَ فيلم اللبنانية "إليان الراهب" "ميّل يا غزيّل" و"حزام" للجزائري "حميد بن عمره" ويظل الجديد المهم من بينها "الفرقة" للعراقي الباقر جعفر.

على موضوع بسيط، يتعلق بمحاولة تقديم فرقة موسيقية حفلة لها في مدينة "الصدر" الفقيرة في بغداد، بنى جعفر هيكل فيلمه وراح يراكم طبقات من المشهد العراقي المشحون بالـ"الفرقة" والاختلاف حد التقاتل. عرض حال مدينة يسكنها الملايين وطريقة تسيّر دفتها سياسياً عبر الظاهر المتدين، وكيف بالغ رجال الدين فيها بإضافة طبقات إلى خانة "الممنوعات" لتصل إلى الموسيقى والغناء فبات من المستحيل تحقيق حلم المنضمين اليها، من فنانيين شاب آمنوا بضرورة إشراك الفن في عملية التغيير الاجتماعي، بتقديم ما يريدون تقديمه لأهلها.

من أفراد الفرقة وحكاية كل واحد منهم سيدرك المشاهد جانباً من الواقع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي وكيف استغلت القوى المتنفذة الشعائر الدينية والحدة الطائفية لتحقيق طموحاتها وبرامجها السياسية. لا يذهب الوثائقي لعرض المدينة ومكنوناتها الغنية، فـ"الصدر" ومن قبل كانت تسمى "الثورة" مدينة تعبر بدرجة عالية عن المزاج المتقلب للجمهور العراقي والتحولات الدراماتيكية التي ظلت تنقله من حال إلى حال فيما الفن يحاول أن يجد له مكاناً وسط فوضى وحدة قد لا تتناسب مع مزاج سكانها في العمق، ومكوناتهم الشخصية كونهم من أبناء المدينة ربما تفسر بعض ذلك الميل والبحث عن لغة غير تلك السائدة المستفيدة من المناخ "الديني/ السياسي".

شغل جعفر بسيط وجميل في آن غير مدعٍ يحاول تقديم عمل سينمائي بأقل قدر من الأخطاء والعيوب فكانت صورته مقبولة وصوته ينشد التناغم فيما المونتاج يحاول الإحاطة بالمسار الوثائقي ولا يضيعه في اشتغال تلفزيوني طالما أطر أعمالاً عراقية ادعت "الوثائقية" وفي حقيقتها تلفزيونية وللأسف تلفزيونية سيئة في الغالب. السؤال الأهم في "الفرقة" هل سيستطيع صاحبه عرضه في المدينة التي خرجت منها؟ وإذا ما وصل اليها فأي أثمان على السينمائي دفعها؟. ربما من المرات القليلة التي نرى فيها عملاً معانداً للواقع متحدياً له بلغة سينمائية مقبولة إمكانياتها التقنية شحيحة لكن ما يشفع لها محليتها وصدقها.

"في انتظار السنونوات" مبني على ثلاث قصص وجد لها خيطاً يربطها ببعض. كل حكاية منها لها مناخها الخاص

السنونوات الجزائرية

عين "كريم موساوي" سينمائية بامتياز تعرف كيف تلتقط الغائص في المشهد الاجتماعي السياسي الجزائري وتلامسه ملامسة ناعمة بعيدة عن الفجاجة والمباشرة. "في انتظار السنونوات" مبني على ثلاث قصص وجد لها خيطاً يربطها ببعض. كل حكاية منها لها مناخها الخاص لكنها كلها تجري في بلاد ما انقطع عنها سؤال الهوية تكوين الشخصية بمعناه الإشكالي. فالعلاقات العاطفية تتحكم فيها قوانين المجتمع الغالب فيما هي في الجوهر فردية بامتياز والحالة الاقتصادية وبخاصة للطبقات المتوسطة تحمل في ثنايا حياتها اليومية أسئلة الشروط  الاجتماعية. أما "التحدي" الأكبر فيتمثل في مجابهة "السنوات الجزائرية السوداء" بشجاعة.

الهروب من المواجهة عنوان مشترك للحكايات الثلاث والخوف من مصارحة الماضي تمرض وتتعب ولعل القصة الثالثة الأكثر وضوحاً في طرح سؤال المراجعة النقدية للمرحلة الأكثر دراماتيكية في حياة المجتمع الجزائري. تخليص أرواح الكائنات المثقلة بالكتمان والماضي الملتبس كتب بأسلوب رائع على الورق ونقل بذات الجمال على الشاشة. من المفارقات أن اختلاف مستوى سقف الاشتراطات مالت لصالحه حين ابتعد من مسابقات مهرجان "كان".

فيلم المصري "تامر السعيد" "آخر ايام المدينة" واحدمن أفضل الأفلام العربية المنتجة في العام الفائت وفقا لكثير من النقاد.

اليوم في وهران يعرض دون سقوف اشتراطية عالية لجمهور يعرف ما يعرض عليه لهذا أحبه كما أحبه النقاد. التمثيل كان متبايناً ومستوى القصص لكن المحصلة كانت؛ عملاً جميلاً يشير إلى تحسن مسار السينما المغاربية وتجاوزها أحياناً المشرق رغم أن فيلم المصري "تامر السعيد" "آخر ايام المدينة" لا يقل جمالاً مع تقادمه النسبي زمنياً إلا أنه يظل فيلماً مهماً على مستوى الموضوع والإخراج، أعاد دون رغبة متعمدة النقاش الأول حول أسباب "منع" عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي العام الفائت وهو الحائز على رضا مهرجان برلين وشبه إجماع النقاد على اعتباره واحداً من أفضل الأفلام العربية المنتجة في العام الفائت.

في نفس السياق يطرح سؤال آخر عن سبب اختيار فيلم جاسم محمد جاسم "صنع في العراق" الضعيف المستوى للمسابقة الرسمية؟ ونفس السؤال حول اختيار الروائي السوري "ليليت السورية" لغسان شميط لافتتاح الدورة العاشرة، كونه فيلم أقل ما يوصف؛ بالدعائي المهلهل المستوى فنياً. تلك الأفلام وغيرها تشير إلى حاجة المهرجان لتعزيز لجان مشاهدته واختيار أفلامه. فقوة المهرجان من قوة ما يوفره من أفلام، وإذا كانت الأخيرة تقرر مستوى كل دورة، فالمهرجان حاله حال البقية لا يصنع أفلاماً لكنه قادر على إبعاد الغث منها على الأقل عن برامجه ومسابقاته على وجه التحديد والتركيز على الأفضل حتى لو جاءت على حساب ذلك على حساب الكم فأقسام المهرجان الأخرى (الندوات، الورشات، الاستعادات والتكريم المنظم التفاعلي) ربما ستغطي النقص وربما أيضاً قد تمنحه هوية وشخصية تميزه عن بقية المهرجانات العربية!. 

قد ينال إعجابكم