متابعات

الدورة الـ 29 لمهرجان إدفا السينمائي

 
محمد موسى
 
للعام الثالث على التوالي، تُهيمن أفلام اللاجئين على مسابقات وبرامج مهرجان "إدفا" للسينما التسجيلية IDFA 2016، مُكرِّسة تيمة اللجوء والتهجير القسري كإحدى التيمات الثابتة في المهرجان الهولندي التسجيلي الأكبر والأكثر جماهيرية في العالم، جنباً إلى جنب مع قضايا تتكرر كل عام، مثل: الحروب ومفاعليها، والتغيير المناخي والتلوث، والجندرية، والصراعات التي تخوضها النساء حول العالم لنيل حقوقهن، وقضايا أوروبية وهولندية محلية تعكس اهتمام وقلق مخرجين تسجيليين من هذه المنطقة الجغرافية المختلفة بمشاكلها وتحدّياتها.
 
اختار المهرجان لدورته التاسعة والعشرين والتي انطلقت في السادس عشر من شهر نوفمبر وتختتم في السابع والعشرين من الشهر ذاته، فيلماً مختلفاً عن اللاجئين ليفتتح به دورته الجديدة. ذلك أن فيلم الافتتاح "غريب عن الجنة" للمخرج الهولندي الشاب "غودو هندريكس" يخالف السائد التسجيلي عن اللاجئين، والذي يقارب الموضوع غالباً من وجهات نظر اللاجئين أنفسهم. إذ يُخضع الفيلم مجموعة من اللاجئين الذين وصلوا لتوهم إلى إيطاليا لمجموعة من الاختبارات والتحدّيات الفكرية التي تفتح النقاش حول سياسة اللجوء الأوروبية، كما يدفع الفيلم شخصياته وعبر الاستعانة بممثلين محترفين يلعبون أدوار موظفين حكوميين إلى الحديث عن أحلامهم في القارة التي قطعوا من أجلها آلاف الكيلومترات وخاطروا بحياتهم في بحار هائجة من أجل بلوغ أرضها.
 
وفي إيقاع ومقاربة مُختلفين يبشر فيلم "أطفال السيدة كيت" للثنائي الهولندي: "بيتر لاتيستر"، و"بترا لاتيستر – كيزيش" لما يمكن أن يكون بداية اندماج ناجح وحياة جديدة لأطفال لاجئين قذفت الأقدار بأهلهم إلى قرية هولندية صغيرة، ويذهبون جميعهم إلى صف تديره مُدرّسة هولندية متفانية تجتهد لأن تضع هؤلاء الأطفال على أول طريق الحياة السويّة في البلد الجديد. يسجل الفيلم يوميات المدرسة الابتدائية ولعام كامل. 
 
 
ومن بلغاريا يخالف فيلم "رجل البريد الطيب" للمخرج "توتسلاف هريستوف" النظرات النمطية عن البلد الأوروبي الشرقي والتي طبعتها أخبار من العامين الأخيرين عن عدم ترحاب بلغاريا باللاجئين، إذ يقدم الفيلم قرية على الحدود البلغارية التركية تبحث عن لاجئين سوريين لاستضافتهم، وبعد أن هجرها معظم أهلها في العقد الأخير. يعود الفيلم إلى تاريخ القرية التي كانت دائماً معبراً لهجرات عبر التاريخ تحت تسميّات مختلفة. 
 
وقصص اللجوء في المهرجان لا تنحصر في الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، إذ يُقدِّم فيلم "العودة" للمخرج العراقي "زهاوي سنجاوي"، والذي يُعرض ضمن مسابقة الأفلام التسجيلية المتوسطة الطول، المحنة اليزيدية العراقية، عبر تصويره ليوميات ممرضة كردية تعمل في مخيم للاجئين اليزيديين في كردستان العراق، يقع على عاتقها يومياً الاستماع إلى قصص مروعّة عما تعرض له اليزيديين على أيدي تنظيم داعش. وضمن المسابقة ذاتها، يذهب الفيلم التسجيلي "بولنجو: غابة الحب" للمخرج الأسباني "أليخاندرو سالغادو" إلى معسكر لاجئين في شمال المغرب، ليصور بأسلوب طغت عليه الشاعرية والتأمّل حياة خمس نساء أفريقيات فشلن في عبور المحطة الأخيرة إلى أوروبا، وبقين في المغرب. بعضاً من نساء الفيلم أصبحهن أُمّهات عبر زمن رحلتهن الطويلة من بلدانهم الأصلية. 
 
مخرجون أجانب وقضايا عربية 
 
لن يكون اللاجئين الآتين من الشرق الأوسط الوحيدين الذين يمثلون منطقة المتاعب في المهرجان السينمائي الهولندي، إذ ذهبت العديد من الأفلام التسجيلية في دورة هذا العام إلى الشرق الأوسط لتسجل مفاعيل الأحداث العنيفة والثورات والحروب على حياة السكان هناك. واللافت في هذا العام وفرة الأفلام التي تتناول الشرق الأوسط والتي يقف ورائها مخرجون ومخرجات أوروبيين، وهولنديين على وجه الخصوص.
 
فالمخرج الهولندي "ريبر دوسكي"، يذهب في فيلمه "راديو كوباني" إلى المدينة السورية "كوباني" ليقدم من هناك قصة محطة راديو صغيرة نشأت بجهود فردية من سكان المدينة وبعد تحريرها من "داعش". يسجل الفيلم ثلاث سنوات من حياة سكان كوباني على وقع حرب شرسة للغاية تركت مدينتهم شبه مدمرّة. وللمخرج الهولندي "دوسكي" فيلماً آخر في المهرجان يحمل عنوان "الفتيات اليزيديات"، ويقابل فيه فتيات يزيديات عراقيات من أعمار مختلفة للحديث عما تعرضنّ له بعد وصول "داعش" إلى مناطقهن.
 
وينقل المخرج الهولندي "ماركو دي ستيفانيس" في فيلمه "في انتظار الزرافات" لا معقولية وتراجيديا الحياة اليومية في مدينة غزة الفلسطينية، إذ أن حديقة الحيوان في المدينة (حديقة الحيوان الوحيدة في العالم التي تعيش تحت الاحتلال وحسب الفيلم) والتي قُتلت زرافاتها في الحرب الأخيرة مازالت تنتظر زرافات جديدة تأخر وصولها بفعل الإجراءات الإسرائيلية التي تخنق المدينة منذ عقود.
وتوجِّه المخرجة الهولندية "كاثرين فان كامبين" في فيلمها "جن الزعتري" الاهتمام إلى ما يعانيه أطفال في مخيم اللاجئين السوريين الشهير في الأردن، مركزة على أربعة أطفال من المخيم والذين سترافقهم لفترة أشهر.  ومن الأفلام التي ستُعرض في برنامج "أفضل ما في المهرجانات"، والتي يُتوقع أن تحظى باهتمام مضاعف لإشكاليّة وقسوة مواضيعها: فيلم "لا مكان للاختباء" للمخرج العراقي المقيم في السويد "زرادشت أحمد"، وهو تعاون بين المخرج وبين ممرض عراقي يعمل في ما يُعرف بمنطقة مثلث الموت في وسط العراق لتسجيل يوميات المستشفى الذي يعمل فيه ذلك الممرض. 
 
 
وفيلم "الزر" للمخرج "باول صلاح الدين ريفسدال"، والذي ينجح في كسب ثقة رجلين كانا يعدّان أنفسهما لعمليتين انتحاريتين في سورية وبعد انضمامها إلى جبهة النصرة للحديث بحميمة كبيرة للمخرج، وفيلم "إسعاف" للمخرج الفلسطيني محمد الجبالي، والذي يتنقل مع كاميراته في سيارة إسعاف في غزة مسجلاً يوميات فريق سيارة الإسعاف لفترة امتدت إلى 51 يوماً، وفيلم "نقيّ للأبد" للمخرجة الإسرائيلية "مايا زيهستان"، عن المشاعر العنصرية التي تتفجر عند مشجعّي نادي إسرائيلي شعبي لكرة القدم وبعد انضمام لاعبين عربيين إلى صفوفه.
 
كما سيعرض ضمن البرنامج السينمائي السابق، والذي يجمع أفلاماً متميزة كانت قد عُرضت في مهرجانات سينمائية هذا العام: فيلم "بيشمركة" للمخرج والمفكر الفرنسي الإشكاليّ "برنار هنري ليفي"، والذي حصل على معاملة خاصة من السلطات الكردية العراقية لتصوير القوات الكردية وهي تقاتل تنظيم داعش.
 
وبعد أن عُرض في مهرجان تورونتو السينمائي، يصل فيلم "نادي غزة للقوارب الشراعية" للمخرجين: "فيليب غاندت" و"ميكي يماني" إلى مدينة أمستردام. يُعرّف الفيلم بفلسطينيين يمارسون رياضة القوارب الشراعية في غزة المحاصرة من كل الجهات، حتى من البحر الذي يضيق عليهم. ويعرض أيضاً في المهرجان الهولندي فيلم "استعراض الحرب" للمخرجين: عبيدة زيتون والدنماركي "أندرياس دالسجارد"، وبعد أن تنقل على مهرجانات فينسيا، تورونتو، ولندن. ويمكن وصف الفيلم بالكابوس المروِّع الذي يكشف صفحات مجهولة من الثورة السورية، تركز بعض دقائق الفيلم على الألم الذاتي للمخرجة وأصدقائها، وتسجل دقائقه الأخرى مسار الثورة السورية الذي انتهى بحفرة معتمة.
 
ويستعيد المخرج المصري محمد صيام في فيلمه "بلد مين" والذي يعرض في برنامج "أفضل ما في المهرجانات" ثورة يناير في بلده والتي أطاحت بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، عبر تركيزه على شرطي مصري كان من ضمن الذين وقفوا ضد الثورة، ليعرض الفيلم وجهة نظر غير شائعة إعلامياً عن الحدث العام مدعومة بشاهدة طويلة للشخصية الرئيسية سُجلت على طوال ثلاث سنوات. 
 
وفي برنامج "بانوراما" يُعرض فيلم "سعداء  في النهاية" للمصريين: ندى رياض وأيمن الأمير والذي يقدم قصة شخصية عن المخرجين أنفسهم، الذين يرتبطان بقصة حب يقطعها سفر "أيمن" إلى خارج مصر بعد أن ضاقت به الحياة في بلده، وليستمر تواصلهما عبر الإنترنت. يهيج الفيلم أسئلة عن الانتماء والثقة في مستقبل بلد ما زال بعيداً للغاية عن تحقيق أحلام أبنائه. 
 
 
احتفاء بالأوكراني "سيرجي لوزنستا"
 
تتوزع أفلام المهرجان والتي يقترب عددها من 300 فيلماً على مسابقات وبرامج المهرجان، منها ما يعرض ضمن عشر مسابقات، بينها واحدة للفيلم التسجيلي الطويل وأخرى للفيلم المتوسط الطول. كما ينظم المهرجان 12 برنامجاً للعروض، يواكب ويستشرف بعضها مستقبل السينما التسجيلية وعلاقتها بالتكنولوجيا والإعلام الحديث. ويحتفي المهرجان في هذا العام بأفلام المخرج الأوكراني "سيرجي لوزنستا" Sergei Loznitsa بعرض 10 من أهم أفلامه مع تخصيص لقاء بالمخرج يتحدث فيه عن هذه الأفلام .
 
كما يخصص برنامجاً خاصاً بعنوان "تبدل وجهات النظر". تتناول أفلام هذا البرنامج مسألة الأعراق والهويات في الزمن المضطرب الذي نعيشه. نجح المهرجان في الحصول على حقوق العرض العالمية الأولى لحوالي 103 فيلماً، والعديد من العروض الدولية والأوروبية الأولى. كما يوفر المهرجان الفرصة وعبر برنامجه الموسيقي لمشاهدة أفلام تسجيلية عديدة عن مطربين ومطربات وظواهر موسيقية عالمية. 
 

قد ينال إعجابكم