متابعات

"الساعة الأشد ظلمة" في الأوسكار

يارا بدر

فيلم "الساعة الأشدّ ظلمة" من إخراج "جو رايت"، ويتناول قصة رئيس الوزراء البريطاني "تشرشل".

بالتأكيد لم يعد الوقت مُبكراً لتوقع نتائج حفل أكاديمية العلوم السينمائيّة "الأوسكار" للعام 2018، وإن كُنّا في عالم المراهنات فالجولات سوف تُفتتح قريباً، إذ أعلنت كل من الجوائز التمهيديّة نتائجها، وبالأخص جائزة الصحفيين والنقاد، المنافس الأمريكي الأبرز للأوسكار "غولدن غلوب".

غالباً لن تفاجئنا "الأوسكار" هذا العام بانحرافات حادّة عن "الغولدن غلوب" على ما نأمل، على الأقل فيما يتعلّق بجائزتي أفضل ممثل وأفضل ممثلة، فكلاً من "غاري أولدمان" بدور رئيس الوزراء البريطاني "تشرشل" و" فرانسيس مكدورماند" بدور أم غاضبة في "ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميزوري" الأمريكية تبحث عن قاتل ابنتها قد استحق ترشيحه وفوزه السابق بأكثر من جائزة حصدها على الطريق إلى الأوسكار.

الترويج للحرب.. خيار اللحظة السياسية

يتجاوز فيلم "تشرشل" محدوديّة السرد التاريخي لرجل سياسي بارع، ففي حال كان هذا الهدف إذاً لَفَرَضَ غِنى التجربة امتدادها على زمن أطول في التناول السينمائي. أمّا اختيار الأيام القليلة السابقة (9 أيار 1940-28 أيار 1940) لقرار بريطانيا التاريخي برفض مفاوضات السلام مع "هتلر" ومشروعه النازي الآخذ آنذاك في التهام أوروبا الغربية وتصويتها للخيار العسكري عملاً برؤية "تشرشل" السياسية- إن صحّ القول-: (لا يمكنك أن تفاوض النمر ورأسك بين فكيه)، فهذا اختيار يمتدّ أبعد من مساحة الخيار الفني ليفتح إلى قراءات أكثر معاصرة تفرضها سياسة الإدارة الأمريكية الحاليّة، التي وإن وصفت بالمتذبذبة بين أطراف حادة إلاّ أنّها أكثر حزماً تجاه خياراتها العسكرية التي لوّحت بها أكثر من مرّة تجاه الملف "الكوري الشمالي" وطبقتها بضربة سريعة و"نظيفة" ومفاجئة في الملف السوري في نيسان 2017، أي بعد أيام معدودة من استلام الإدارة الحالية الفعلي لقواعد إدارة البيت الأبيض.

حالات نادرة سينمائيّاً تلك التي تتطلب حضوراً باهراً لقوّة الكلمات في السيناريو بما يفوق حبكته الدراميّة، ومن أبرز الأمثلة فيلم يعرض لشخص "تشرشل" وهو الذي وصفه خصمه السياسي الفايكوننت "هاليفاكس" حين نجح بقلب البرلمان البريطاني لصالح قرار الحرب بأنّ الذي قام به هو "حشد اللغة الإنجليزية وإرسالها إلى الحرب". في فيلم "الساعة الأشدّ ظلمة" لمخرجه "جو رايت" بُني الفيلم على ثلاثة ركائز هي السيناريو، التصوير و"غاري أولدمان" والثالثة في هذه الركائز أي قوّة الممثل هي العامل الأساسي في أفلام السيرة الذاتية ولطالما انتهى الأمر إن أجاد الممثل/ة عمله/ها إلى حصد الأوسكار، وتطول القائمة من "نيكول كيدمان" في "الساعات" (2003) عن شخصيّة الكاتبة الأمريكية الشهيرة "فرجيينا وولف" إلى "دانييل دي لويس" بدور الرئيس الأمريكي "لينكولن" عام (2013) مررواً ب "ماريون كوتيار" عن شخصيّة المُغنيّة الفرنسية الأيقونة "إديث بياف" في "الحياة الوردية" عام (2007).

لعب "غاري أولدمان" دور ونستون تشرشل كاملاً، بمكياج ثقيل ولهجة جيدة.

أداء "أولدمان" مُميّز جداً في الحقيقة، إذ يُبقي بقدرة فنيّة خاصّة على مسافة بينه وبين الشخصيّة التي يلعبها، وهي حالة قلّما نراها، إذ لطالما سهل الانزلاق إلى التماهي مع الدور والشخصيّة القويّة كما تُعرَض في أفلام السير الذاتيّة بشكل عام. هل هذا أمر جيد؟ ما هو الجيد في الفن؟ الجيد هنا أنّ هذه المسافة الحاضرة في الأداء تساعدنا نحن المُشاهدين على إنشاء مسافتنا النقديّة الخاصّة من "تشرشل" وعدم الإغراق في عاطفة تبجيليّة شعوريّة غير عقلانيّة. في فيلم يختار ساعات حاسمة لبلد تتخذ قراراً هو الأصعب ربما الذي تواجه أيّ إدارة سياسية "قرار أن تخوض بلادها الحرب" لا بُدّ لنا من مسافة نقديّة. ولهذا نشكر "غاري أولدمان" على اختياره الفني لهذه التقنيّة في الأداء.

تعارضت تقنيّة "أولدمان" الأدائيّة التي أبقتنا مشدودين إلى عالمنا الواقعي مع حركة الكاميرا والتصوير الذي حاول وضعنا في ذات الغرف الضيّقة مع "تشرشل"، ذات الجو الخانق المملوء بثقل التوتر حتّى لا تكاد تقوى على التنفّس. لقد دخلنا معه إلى أكثر الأماكن خصوصيّة "الحيّز الضيّق" الذي يخلو به إلى نفسه.  أماكن مُعتِمة، خالية من المساحات الفارغة، مضغوطة بما بها من أشياء أو أشخاص، لكن كل هذا ليس أكثر من إكسسوار بلا غايات مؤثّرة، وحده المؤثّر هو الكلام، وتموضع الأشخاص. وكأنّنا في عرض مسرحي "أدائيّ" رفيع المستوى.

دراسة سينوغرافيا المشهديّة البصريّة في هذا الفيلم فبالضرورة نحن مجبرون على التوقّف مع التميّز في تموضع الأجساد ضمن هذا الفضاء، والتي يمكن قراءة مختلف العلاقات الدراميّة من خلالها. منذ اللحظة الأولى حين يغيب "جسد" تشرشل عن جلسة البرلمان المُنعقدة، إلى المشهد الختامي بحضوره الذي يملأ المكان. في علاقته بخصومه السياسيين وحلفائه في إطار المجلس الحربي الذي شكله ويضم كلا التنويعتين، من يجلس بجانبه ومن يجلس في مواجهته على بعد صفيّن. في علاقته مع الملك التي تبدأ من علاقة مواجهة حادة مع وقوف كلا الطرفين وتشرشل أقرب إلى الباب في حين يتكئ "معنويّاً" الملك إلى مكتبه، في اللقاء الثاني يجلسون على طاولة واحدة ولكن أيضا متواجهين، ثمّ أخيراً يجلسان إلى جانب بعضهما البعض على مقعد واحد، كحليف واحد.

يدور في فيلم «الساعة الأكثر ظلمة» نقاش في الإمبراطورية البريطانية حول القتال ضد هجوم النازيين، أو محاولة التفاوض معهم على السلام.

"هتلر" العدو لا يحضر سوى كصورة باهتة، تاريخيّة "من الأرشيف"، في إشارة واضحة ومباشرة إلى أنّ العدو "الحقيقي"/ المعاصر يمكن أن يتخذ أيّ وجه آخر، وسيبقى ذات الصوت المُزعج، الهادر بالغضب والقسوة والتهديد، تماماً كأيّ إرهاب آخر. حتى أننا لا نرى جرائم أو وحشيّة النازية، الأمر الذي قد يُبرّر دراميّاً بفتح مجال أمام خيار المفاوضات وبالتالي ضرورة التخفيف من حضور وحشيّة الآخر، لكنه وفي الوقت ذاته يفتح المجال لتنوّع صور العدو وحمل أسماء وهويّات "أيديولوجيّة" مختلفة. وبالتالي لن نفاوض مع الإرهاب، وستكون الحرب والنصر "بأيّ ثمن"/ وفق كلمات "تشرشل"/ هي الخيار الوحيد.

تتوافق الرسالة السياسية مع موجات الحاضر التي حسمت وفقها العديد من الإدارات السياسية الأوروبيّة والأمريكية خيارها في العمل العسكري ضدّ الإرهاب الداعشي منذ بدء أعمال التحالف في حزيران 2014 (بأمر من إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما")، لكن لم يزل السؤال قائماً حول الإرهاب من الطرف الآخر، الطرف الرسمي "إرهاب الدولة"! فهل سوف تحسم الإدارة الأمريكية الحاليّة خياراتها السياسية بالتفاوض أم بالحرب؟ وهل ترى رأسها بين فكيّ "الأسد"؟! خاصّة وأنّ خطاب "تشرشل" التاريخي في المشهد الختامي إذا ما أفرغناه من حشو اللغة الطنانة تكون رسالته الأساسيّة: (سنواصل النضال، حتى يشاء الله، في الوقت المناسب العالم الجديد بكل ما لديه من قوّة وإمكانيّة سيخطو نحو إنقاذ وتحرير القديم). أيّ أنّ "تشرشل"- كما يُقدّم في الفيلم- مُدرك تماماً أنّ ما يُحارب من أجله ليس النصر حقيقة، بل الوقت كي لا يستسلم أو ينهزم، ريثما تأتي أمريكا بالنصر!

هذا السؤال سوف يُقرأ في حفل العلوم السينمائيّة بأنّه لن يُحتفى بفيلم "الساعة الأشد ظلمة" كما تمّ الاحتفاء بشكل مبالغ به، ولا داعي له، بالفيلم الاستعراضي "لا لا لاند" العام الفائت، وغالباً سوف يخرج على أفضل تقدير بجائزة أفضل ممثل، إذ وفي الوقت ذاته، لن يخرج خالي الوفاض تماماً.

هذه قراءة، تفصلنا عن صوابها أو خطئها أيام قليلة.  

 

 

 

قد ينال إعجابكم