متابعات

الفصول.. رهانات الوعي الأخضر

وسيم القربي

قليلة هي الأفلام الوثائقية التي تختصّ بمعالجة القضايا الشائكة للبيئة، طبيعة تحتاج حتما للتوعية باعتبار أنّ العبث الإنساني هو المهدّد الأوّل لها، ولهذا فإنّ الصور السينمائية تمثّل إحدى هذه الوسائط التي يمكن أن تدعّم بإبداعيّتها جهود المدافعين عن البيئة، وتتّخذ الصور مكانة مرموقة لخدمة قضايا الإنسانية والدفع بنسق المبادرات التي تخدم البيئة.

المخرج "جاك بيران" أثناء التصوير

من بين المبدعين الذين اختصّوا في هذا النوع من الأفلام الوثائقية يمكن أن نذكر "جاك بيران" الذي أنجز بإخراج مشترك مع "جاك كلوزد" مجموعة من الوثائقيات التي تحتفي بالطبيعة، ولعلّ آخر أعمالهما فيلم "الفصول" الذي بدأ عرضه في القاعات السينمائية الفرنسية خلال شهر يناير الماضي.

"جاك بران" انطلقت مسيرته منذ سنة 1946 كممثل في فيلم "أبواب الليل" لـ "مارسال كارني"، مرورا بدوره في فيلم "سينما باراديزو" لـ "جوزيبي تورناتوري" لتجمع مسيرته المهنية أكثر من مائة وخمسين عملا سينمائيا ومسرحيا وتلفزيونيا.. وتستقرّ بإنتاجه لمجموعة من الأفلام الوثائقية مثل "شعب العشب" و"أطفال النور" و"الشعب المهاجر".

"الفصول".. نظرة علمية.. تقنيات متجدّدة..

"الفصول" الفيلم المُنتج سنة 2015 والذي خرج للقاعات منذ أشهر قليلة، تبلغ ميزانيته 33 مليون يورو، طيلة 96 دقيقة يحملنا "جاك بيران" في غياهب الطبيعة حيث يُعيد خطّ تاريخ الغابة الأوروبية ويُحيلنا إلى الإشكاليات والمتغيّرات التي تسبّب فيها الإنسان، فبعد أن كان الشتاء فصل أوروبا وبعد أن كانت الغابة تغطّي أرضها بكثافة في عصر الجليد، انقلبت المعطيات ليتمّ استنبات دورة الفصول ويتغيّر حتى شكل البيئة.

لقطة من فيلم "الفصول"

يمكن اعتبار هذا النوع من الأفلام من أصعب الوثائقيات باعتباره محاولة خطّ تاريخ يعود بنا إلى ما يزيد عن 20 ألف سنة من تاريخ أوروبا البرّيّة ليفصّل للمُشاهد فواصل تشرح التغييرات المناخية وكيف استنبتت الغابة لننتقل إلى تفسير كيف استطاع الإنسان سابقا أن يتعايش مع طبيعته من أجل مواصلة الحياة.

"الفصول" هو مجموعة فواصل أثبتت من خلال نسق سردي بطيء حبكة المخرجين والسيناريست "ستيفان دوران" من خلال مساءلات جعلت تعبيرية الصمت صورة لرهانات الوعي الأخضر أو الوعي بالطبيعة الخضراء وجماليات الحياة. بالإضافة إلى جماليات الصورة في تكوين الإطار والألوان، تقودنا في الفيلم حبكة سردية تجعل من الغابات عالما رائعا تزيد من مشاهده الخلابة بشكل استطاعت المشاهد أن تقتنص من حركيّة الحيوانات القاطنة هناك (الدببة، الذئاب، الأبقار الوحشية، الغزلان...)، لتجعلها واقعية إلى درجة مدهشة. يُخيّل لك من خلال اللقطات الساحرة التي تنمّ عن مجهودات خارقة، أنّك فعلا داخل تلك الغابة مما يزيد من واقعيّة الواقع... حيوانات في أغلبها تعيش صراعا يبدو هادئا مقارنة بصراعات الإنسان..

تقنيّا، تُظهر الدقيقة 26 من الفيلم حرفيّة عالية حيث يمزج المخرج مجموعة من اللقطات الكبيرة والمتحرّكة لمجموعة من الكلاب البرّية بصدد الهجوم على خنزير وحشي هارب، يستمرّ الهروب إلى أن يلقى هذا الأخير حتفه، ولعلّ قوّة هذا المشهد تكمن في جعل الحيوانات لا تشعر أصلا بوجود الكاميرا بالإضافة إلى متابعة اللقطات بدقّة عالية.

لقطة من الفيلم

من جهة أخرى يتّخذ الفيلم الحيوانات في حدّ ذاتها كأبطال رئيسيين لينتصر المخرج دفاعا عنهم ويوجّه الفيلم من وجهة نظرهم، فحتى الأشجار في فيلم "الفصول" تصبح شخصية قائمة بذاتها، فالمخرج يبرز لنا شجرة يحاول إنسان أن يقتلعها من جذعها، في حين تبني الطيور أعشاشها فوقها.

يمرّ بنا "جاك بيران" بالفصول متابعا أدقّ تفاصيل حياة الحيوانات بأشكالها المختلفة، في المقابل يُظهر لنا الإنسان في مناسبات قليلة بصدد الحصاد أو اقتلاع الأشجار، وهي رسالة الفيلم التي توجّه أصابع الاتهام إلى الإنسان الذي تسبّب في الاحتباس الحراري والتعدّي الصّارخ على الطبيعة، عبر صور الوسط وتطوّراته يحيلنا المخرج إلى عامل التاريخ ومفهوم الزمن ليجعل من القارة الأوروبية محورا لصراع الإنسان والطبيعة.

عبر تدرّج موضوعاتي، يمكن استخراج ثلاثة تمفصلات انبنى عليها الشريط الوثائقي، ويمكن تصنيفها كالآتي:

نظام الحياة..

يبرز لنا "جاك بيران" ضمن هذا المحور مجموعة من نظام عيش الحيوانات في الغابات الأوروبية، حيث ينقل لنا تفاصيل حيّة من شذرات يومية لأصناف متعدّدة من الحيوانات، ثم يتدرّج لينقل لنا الصراع من أجل الحياة بين الحيوانات في حدّ ذاتها، فالحيوانات تكون فريسة لبعضها البعض، ينتصر في هذه الحرب اليومية من هو الأقوى... ثم يحيلنا نحو التغيّرات في الفصول حيث تتبع الحيوانات منهجا آخر للبحث عن الفريسة.

من الفيلم

الإنسان والطبيعة:

وهو ما تبرزه الصور لتدخّل الإنسان على الطبيعة بين سعي للتقدّم الحضاري والضرورة التي تجعل هذا التعامل من تحصيل الحاصل من أجل لقمة الحياة، وبين صور ناقدة للتدخّل الإنساني وإنهاك مبالغ فيه للطبيعة..

التطوّر المتوازي بين الحياة والأرض:

شهدت الإنسانية أحداثا دفعت بها إلى التطوّر والتقدّم على المستوى الحضاري، كما شهدت الأرض بدورها تغيّرات مناخية طبيعية، وهو ما يرصده المخرج ليبيّن أثر ذلك على التنوع البيئي والظروف التي أثّرت على الطبيعة في حدّ ذاتها وعلى الحيوانات. وهي مشاهد تضمّنها الفيلم كتوثيق لحقبة طويلة من تاريخ أوروبا وتلخيص بلّغه المخرج من خلال صوت الراوي السّارد لتفاصيل تاريخية تنتقل بنا من جغرافيا الأمس إلى جغرافيا اليوم.

يحيلنا المخرج عبر توثيق جمالي إلى التزام ذاتي تجاه الطبيعة وهو المشترك الذي يجب أن يجمعنا، فيلم "الفصول" هو تطلّع لرهانات الوعي الأخضر، الوعي الذي جعل هذا السينمائي ينجز فيلما ملتزما تجاه الطبيعة ليكون لفت نظر وناقوس خطر. اعتمد "جاك بيران" على لقطات مكبرة وأخرى مكبّرة جدّا من أجل الاقتراب من الحركات التي استطاع اقتناصها بمهارة بفضل تقنيات متطوّرة وهو ما يفسّر الميزانية الضخمة، بالإضافة إلى التحضير المسبق الذي نتبيّنه من خلال شكل الوثائقي الذي يلوح بدوره وثيقة علمية بامتياز.

المخرج "جاك بيران"

سينما الطبيعة: نظرة جديدة..

من بين الأفلام الوثائقية التي اهتمّت بقضايا البيئة يمكن أن نذكر الفيلم الوثائقي البرازيلي "جزيرة الأزهار" لجورج فورتادو حيث مزج فيه رسائل تتعلّق بالعولمة وبالجزيرة الخاصّة التي تُرمى فيها النفايات، هناك تغيب إنسانية الإنسان. كما يمكن أن نذكر أفلاما أخرى مثل وثائقي "عالم الصمت" لـ"كوستو" و"لويس مال"، وفيلمي "مسيرة الإمبراطور" و"كانت هناك غابة" لـ "لوك جاكي" وفيلم "يوم على الأرض" لـ "ألستار فوذار" و"مارك لينفيلد".

ولعلّ من بين هذه التجارب نجد تجربة المخرج والممثل والمنتج "جاك بران" ورفيقه "جاك كلوزد" حيث توّج فيلمهما "محيطات" بسيزار أحسن فيلم وثائقي سنة 2010، كما حقّق نسبة مشاهدة بالقاعات قُدّرت بأكثر من 10 مليون مشاهد في العالم (2مليون بالقاعات اليابانية، و2.5 بالقاعات الأمريكية)، وهو ما يعكس إمكانية نجاح الفيلم البيئي على المستوى الربحي والحضور الجماهيري والإفادة كعمل إنساني إبداعي.

تقنيات تصوير فيلم المحيطات

اليوم، تعدّدت المهرجانات التي تهتمّ بسينما الطبيعة حيث يمكن أن نذكر المهرجان الدولي لسينما البيئة بباريس وآخران ببروكسل وكيبك بكندا، أما على المستوى العربي على سبيل المثال فقد غابت تقريبا مثل هذه المهرجانات ما عدا بعض التظاهرات التي ضمّت في طيّاتها قسما يحتفي بالطبيعة. وقد انفتحت سينما الطبيعة لتشمل مواضيع وقضايا آنيّة تهتمّ في مفهومها الواسع بالتنمية المستدامة. ولعلّ أبرز المحاور التي تشملها هذه السينما، كل ما يتعلّق خاصة بحماية الطبيعة، وحسن التصرّف في الثروات الطبيعية، والصحة في علاقاتها مع الطبيعة، والتلوث بأنواعه... وهو ما يجعل الانتقال بهذه المحاور سينمائيا هو ولادة لفنّ سينمائي جديد يجمع بين روافده الإبداعي والتقني والعلمي والإنساني..

إنّ العودة إلى بدايات السينما هو عودة لفيلم "خروج عاملات من المصنع" سنة 1895 وهو ما يعني أنّ الأخوين لوميير، جعلا من آلة السينماتوغراف بمثابة الحداثة التي صنعها المجتمع الصناعي آنذاك. كما يمكن أن نذكر أنّ أول فيلم حول الحيوانات، أنجزه "ألفريد ماشان" بعنوان "صيد فرس النهر على ضفاف النيل الأزرق" سنة 1908 ليكون المنطلق لسينما جديدة بدأت تتبلور ملامحها اليوم من خلال مساءلة السينما للإنسان، وانتقال محاور البيئة إلى السينما ليتمّ معالجتها بإبداعية تختلف في هيكلها عن الوثائقيات التلفزيونية.

قد ينال إعجابكم