متابعات

"المتطفل".. الجاني والضحية حين يتبادلان الأدوار

عبد الكريم قادري

قدّم فيلم "المتطفل" شخصياته بكل هدوء، وركز بشكل استثنائي على بطلته "جيوفانا" التي تؤدي دور الأخصائية الاجتماعية.

قدّم فيلم "المتطفل" شخصياته بكل هدوء، وركز بشكل استثنائي على بطلته "جيوفانا" التي تؤدي دور الأخصائية الاجتماعية من خلال ما تقوم به وتفرزه من قيم اجتماعية وفنية، حيث أظهر علاقتها بمهنتها وبمحيطها وإنسانيتها -مع زملائها الأطفال وأولياء الأطفال- لإظهار القيمة الاجتماعية التي تحملها، ناهيك عن خلق علاقة بينها وبين المُتلقي، كي يفهم جيدا الرسالة التي ستُقدم له، ولتكون استنتاجاته تحتكم إلى مرجعية جيدة، بعد أن وقف أمام تصور شامل.

بمعنى أن المخرج وكأنه يسأل المتلقي "لو كنت مكان جيوفانا ما الذي كنت ستفعله"؟ ومبدأ المشاركة هذا وحده من يجرد المخرج والفيلم من الأحكام الجاهزة وينصبه شريكا في الحكم على الطرح السينمائي، أي أن المُتلقي سيكون شريكا قويا في إدانة جهة على حساب أخرى وإعطاء الحق لمن يستحقه، وهذا حين أحاط شخصية جيوفانا بجملة من الأحداث المفصلية، وجعل مفتاح الحل في يدها لتخرج منتصرة لا يعكر صفو عملها أحد، ولا تتأثر المؤسسة التي تشرف عليها بالأحداث الجارية، أي أنه لا يمكن أن يتم إجبارها على القبول بمبدأ الحلول السهلة الآنية، التي لا تحمل أي "قيمة اجتماعية"، حيث إن هذه الحلول لا تستأصل المشكلة، فقط تخمدها إلى حين، لكن "جيوفانا" ما كانت لترضى بهذا، حتى لو وقف الجميع ضدها وضد خياراتها.

 

 

وقد تم استعمال هذه المفاصل كنقاط ذروة رافقت الفيلم إلى غاية انفراجها واحدة تلوى الأخرى إلى غاية نهاية الفيلم، وأهم هذه المفاصل التي تعتبر بؤرة العمل، حين وقف أولياء الأطفال والشرطي والمدرسون وحتى زملاؤها العمال ضد خيار أن تبقى "ماريا" وطفلاها الصغيران في الكوخ، خاصة بعد أن هددت الأطفال حين تشاجروا مع ابنتها الصغيرة.. حتى في هذه الحالة لم تقم "جيوفانا" بطرد "ماريا"، بل تحدثت معها فقط وتركتها، رغم الضغوط الرهيبة التي مورست عليها من كل جهة.

ولأن العنف لا يولد سوى العنف، ولا يمكن هزيمة هذا السلوك إلا بالطيبة والمعاملة الحسنة، فقد انعكس هذا على "ماريا"، حين لاحظت بأن الأطفال لم يحضروا إلى الملجأ بسببها، فانسحبت إلى مكان مجهول هي وأطفالها، وهذا ما جعل الأطفال يعودون بشكل عادي جدا، وفي نفس الوقت حافظت "جيوفانا" على مبادئها وقيمها الاجتماعية رغم الضغط الرهيب الكبير الذي تلقته من الجميع.

حسب ملخص الفيلم فإن الأحداث تجري في مدينة نابولي اليوم، بطلتها "جيوفانا" أخصائية اجتماعية تحب ما تقوم به، ومتفانية فيه، تدير مركزا لاستقبال الأطفال الذين هم بحاجة إلى رعاية، ليمثل لهم حصنا حقيقيا ضد عصابات الكامورا، والأحداث التي عاشوها أو كانوا طرفا فيها، لكن الأمور تتغير عندما تلجأ الشابة "ماريا" -زوجة أحد أعضاء الكامورا- هي وطفلاها إلى الملجأ كي تستقر فيه في أحد الأكواخ القصديرية، وهذا بعد موافقة "جيوفانا" التي لم تكن تعلم بأن زوج ماريا فرد من عصابة "الكامورا"، ومطلوب من طرف العدالة بعد أن قتل أحدهم عن طريق الخطأ، حيث كان يعتقد أنه شخص آخر.

"حين يتحول الضحية إلى جلاد والعكس"، هذه الجملة تعكس جوهر هذا الفيلم ومنطقه.

مافيا الكمورا.. منظمة للإجرام وأخرى للرعاية

"حين يتحول الضحية إلى جلاد والعكس"، هذه الجملة تعكس جوهر هذا الفيلم ومنطقه، وقد عالج مشكلة محورية يُعاني منها المجتمع الإيطالي من خلال الضحايا الذين يسقطون يوميا على خلفية الجرائم التي ترتكبها المافيا "الكمورا"، ناهيك عن التأثير الكبير الذي تملكه هذه المنظمة الإجرامية على الاقتصاد والعدالة والمجتمع كله. ولقد كثر الضحايا، لهذا فقد تم خلق العديد من المراكز المختصة التي تستقبل الأطفال الذين تأثروا بطريقة أو بأخرى بهذه المافيا، والمركز الذي تديره "جيوفانا" يعتبر واحدا منهم.

كان المركز يسير بطريقة عادية، ويؤدي دوره كما ينبغي، لكن حين يتحول إلى ملجأ لأحد أعضاء المافيا ومكان اختباء له بعد أن قتل أحدهم فهنا تتغير المعادلة. لكن في النهاية قُبض عليه من طرف الشرطة، وبقيت زوجته وولداه في هذا الكوخ الذي تنعدم فيه أدنى شروط الحياة، من هنا تحولت هذه العائلة إلى ضحية، وتحول المجتمع إلى جلاد، لأن الأخير رفض وجودهم في هذا المكان رفضا قاطعا، وعليه تحولت الأدوار.

فيلم "المتطفل" عكس مفهوم "البطل الموازي"، أي بطل الفيلم الذي تم عنونة الفيلم من أجله والشخصية المحورية فيه.

انعكست مهنية المخرج من خلال زرع العديد من الإشارات القوية التي تُوحي بأن الزوجة وطفليها ما هم إلا ضحايا مثلهم مثل غيرهم، ووجب على المجتمع معاملتهم على هذا الأساس، والدليل هو رجوع الزوجة إلى الكوخ من أجل أن تبتعد عن عائلة زوجها وعوالمهم، حيث أتت والدة الزوج بسيارة فارهة، وقالت لها بالحرف الواحد إنها ستندم إن لم تأت معها، لكنها رضيت بأن تسكن في هذا الكوخ البائس، لم تندم ولم تقرر العودة رغم عوزها ورغم العز الذي ينتظرها، لأنه من أدبيات المافيا أن أي شخص عضو فيها حين يموت أو يسجن يتم تقديم أجرة شهرية للزوجة مع دفع تكاليف كراء البيت والتكفل بباقي المصاريف، لكن في هذه الحالة سيكبر الأطفال وينخرطون مباشرة في هذه المنظمة الإجرامية، لهذا ابتعدت "ماريا"، كي تحمي طفليها منهم، وفي هذه الحالة هم أيضا أصبحوا ضحايا، وقد جاء رحيل "ماريا" من الملجأ" خدمة لـ"جيوفانا" التي فهمت هذه الرسالة، ولكي لا تفهم هذه القيمة خطأ من المخرج.

وقتها سيقول المُشاهد بأن "ماريا" عادت لأسرتها، ولم يكن هذا تضحية منها بل لاستمرارية المركز، لهذا عادت الجدة مرة أخرى تسأل عن "ماريا" وعن المكان الذي ذهبت إليه، ويظهر تصرفها وعجرفتها بأنها هي الأخرى منخرطة في المافيا، وهذا ما يجعل مسألة التراتبية لا بد منها، الأم في المافيا والابن أيضا، لهذا كان لزاما أن ينخرط الأبناء، وهذا ما فهمته "ماريا" جيدا، فنأت بنفسها وعائلتها عن هذا العالم وإلى مكان مجهول.

حصد فيلم "المُتطفل" (2017) العديد من الجوائز الدولية أهمها الجائزة الكبرى (الهرم الذهبي) بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

بطولة رغم ضآلة الحضور

فيلم "المتطفل" (L' INTRUSA) أو كما يترجمه البعض "المتسلل"، عكس مفهوم "البطل الموازي"، أي بطل الفيلم الذي تم عنونة الفيلم من أجله والشخصية المحورية فيه، لكنه في المقابل لم يظهر سوى بضع ثوان من 95 دقيقة هي المدة الزمنية للفيلم. ورغم هذا نجد بأنه أحد أكثر الشخصيات حضورا وتأثيرا، لأنه محور القصة ومسببها، حتى وإن لم يظهر ماديا لكن هذا الحضور تجلى في أكثر من مستوى، من خلال فعله الإجرامي المباشر حين قتل أحدهم، أو عن طريق إفرازات الجريمة وتنويع أشكال الضحايا: أسرته، أسرة غيره، أقاربهم، المجتمع..

مفاهيم التغيير التي تنشدها المراكز (المصالحة/الإدانة) شخصية فاعلة في الفيلم، أنتجت العديد من ردود الفعل، وحضورها الفعلي في العمل كان رمزيا وخاطفا.

وقد كانت اختيارات المخرج موفقة من خلال "الكاستينغ" الذي أدى ما عليه في الفيلم، وشخصية "جيوفانا" التي عكست شخصية المرأة التي تناضل من أجل قضيتها ولا تضحي بما تؤمن به، ولو كان هذا على حساب معارفها وأقرب أصدقائها.

وفي المقابل هناك أيضا شخصية "ماريا" التي عكست هي الأخرى دور اليائسة، المرأة التي تكتم غضبا كبيرا في قلبها ولا تظهره لأحد (المرأة الكتومة)، ناهيك عن الشخصية التي لعبت دور ابنتها حيث عكست هي الأخرى ثيمة الفقدان، وهو ما جعلها عدوانية تبحث عن من يحتويها ويزيل هذا الغضب، وقد كان هذا من خلال احتكاكها بأطفال المركز ناهيك عن الشخصيات الأخرى.

حصد فيلم "المُتطفل" (2017) للمخرج "ليوناردو دو كوستانزو" -وهو إنتاج إيطالي سويسري فرنسي مشترك- العديد من الجوائز الدولية أهمها الجائزة الكبرى (الهرم الذهبي) بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي انعقدت دورته الـ39 خلال الفترة 21-30 نوفمبر 2017، وهذا بعد أن نافس 15 فيلما في المسابقة الدولية.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

عن الآباء والأبناء

ما المقصود بهذا العنوان الجامع؟ إلى أي شيء كان يهدف من وراء تلك التسمية؟ فهناك أبو أسامة وأولاده الثمانية. وقد تمحور...