متابعات

المهرجان الدولي للفيلم بمراكش

لقطة من فيلم "ملك البلجيكيين"
 
المصطفى الصوفي
 
إنه مشهد سينمائي مغر للغاية في يوم مشمس، منفتح على قمم جبال الأطلس الكبير المكسوة بالثلوج، حيث البياض المطلق، وأثر النسيم. مراكش الحمراء هكذا يحلو للكثيرين تسميتها، وذلك يعود بالأساس إلى لون دورها، ورياضاتها، وفضاءاتها التاريخية التي تأخد لون الطين، والتراب، وأسوارها القديمة ودروبها العتيقة برائحة الأندلس، وأمكنة ساحرة ألهمت الكثير من المخرجين الذين صوروا فيها الكثير من الأفلام، وخاصة التاريخية القديمة.
 
روسيا ضيف شرف
بساط السينما الأحمر لهذا العام يفرش على بوابة قصر المؤتمرات بمراكش، تكريما للدورة السادسة عشرة للمهرجان الدولي للفيلم، والتي انطلقت يوم الجمعة ثاني ديسمبر 2016، واختتمت في العاشر من نفس الشهر، وهي الدورة، التي كانت تعول عليها اللجنة المنظمة، لتكون أحسن من سابقاتها على مستوى التنظيم، وبرمجة الأفلام، ونوعية الضيوف والأسماء المرشحة للتكريم، وخلق مزيد من الدينامية السينمائية والثقافية بشكل عام.
 
وبالمناسبة اختارت الدورة، بعد احتفائها بعدد من التجارب السينمائية العالمية بمختلف القارات، الاحتفاء هذا العام بالسينما الروسية، كضيف شرف، وذلك بعرض أهم الأفلام السينمائية المؤثرة في تاريخ السينما الروسية المعاصرة، فضلا عن حضور وفد سينمائي روسي رفيع المستوى يقوده رئيس مؤسسة "موسفيلم" المخرج السينمائي الشهير كارين شخنازاروف، ويضم ثلاثين مهنيا، من ممثلين ومنتجين ومخرجين وكتاب سيناريو، ما يمكِّن السينمائيين الروس ونظراءهم المغاربة وفي بلدان عربية وأجنبية أخرى بهذه المناسبة، من تبادل التجارب والخبرات، وفتح آفاق جديدة على التعاون الثنائي في مجال الإنتاج والتوزيع وغيرها من القضايا الأساسية التي تهم السينما العالمية بشكل عام.
وقد وقع الاختيار على السينما الروسية لما تمثله هذه الأخيرة، من قيمة كبرى سواء على مستوى أفلامها التسجيلية والروائية أو على مستوى أفلامها الروائية، فضلا عن قوة تأثيرها.
 
بيلا تار
 
"بيلا تار" يحكم المسابقة
وعلى مستوى الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية للدورة الـ 16، فقد اختارت لجنة الانتقاء أربعة عشر فيلما، تمثل ما يقارب ثلاثين دولة عربية وأجنبية، أفلام تختلف من حيث تيمتها ومواضيعها، ومخرجيها، الذين يوجد من بينهم شباب ومواهب جديدة، وتعكس في العمق أحلام مبدعين للقبض على قبس السينما مهما كانت جمرة السينمائي حارقة، وهي أفلام تمثل مختلف القارات، خاصة من بلدان الشرق الأقصى، والقارة الأوربية والإفريقية والأمريكية اللاتينية وغيرها، ما يعطي للجمهور فرصة استثنائية للاستمتاع بسحر السينما عبر العالم، في أفق جعل هذا الفن البصري الرائع، فن يرسِّخ ثقافة الإبداع الخالص الذي يوحد الجميع، وروح الحوار والتسامح والتعايش بين الشعوب، وتلك هي قيم ورهانات المهرجان، الذي انطلق منذ العام 2001.
 
ويتعلق الأمر بأفلام "علم الحيوان" لمخرجه إيفان تفيردوفسكي من روسيا، فرنسا وألمانيا، و"الرحيل" لنويد محمودي من إيران وأفغانستان، و"الطريق إلى ماندالاي" لميدي زيد من تايوان، بورما، فرنسا وألمانيا، و"رعاة وجزارون" لأوليفر شميتز من جنوب أفريقيا، الولايات المتحدة وألمانيا، فضلا عن فيلم"فجأة" لأسلي أوزكي من ألمانيا، فرنسا وهولندا، و"المسيح الأعمى" لكريستوفر موراي وهو إنتاج مشترك فرنسي وتشيلي؛ و"المُتبرع" لمخرجه زوناك كيوو، و"سكين في مياه صافية" لوانغ كسييبو من الصين. كما يشارك في المسابقة  فيلم"النوبات" للمخرج الأمريكي روز هولمار، و"المراسل" لأدريان سيتارو من رومانيا وفرنسا، و"قلب من حجر" لكودموندور أرنار كودموندسون من الدنمارك وأيسلندا، ثم "قصة والدة" للمخرج الفرنسي ساندرين فايسي، و"ملك البلجيكيين" لكل من بيتر بروسينس وجيسيكا وودوورت من بلجيكا، هولندا وبلغاريا، و"ميستر إينيفيرسو" لتيزا كوفي ورينر فريميل من النمسا وإيطاليا.
 
وتنافست أفلام المسابقة الرسمية على أربع جوائز، وهي السعفة الذهبية (الجائزة الكبرى)، وجائزة لجنة التحكيم، وأحسن دور نسائي، وأحسن دور رجالي، ويقوم بالتحكيم لجنة متخصصة يترأسها المخرج المجري بيلا تار، الذي أثرى الساحة السينمائية الأوربية والعالمية بالعديد من الأفلام المشوقة، من أبرزها"عش الأسرة" والذي أخرجه وهو لا يتجاوز إحدى وعشرين سنة، ما أكسبه شهرة عالمية كبيرة، وقاده للفوز بالجائزة الكبرى لمهرجان مانهاتن الدولي للسينما بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 1979. فضلا عن أفلام"حصان تورينو"، و"تانغو الشيطان" المستوحى من رواية شيقة للروائي المجري الكبير اسزلو كراسزناهو راكي.
وتضم اللجنة كلا من الممثلة المغربية فاطمة هراندي، والممثلة وكاتبة السيناريو الهندية كالكي كويتشلن، والممثلة الإيطالية جاسمان ترينكه، والممثلة سوزان كليمون من كندا، إضافة إلى المخرج الأرجنتيني ليساندرو ألونسو، والمخرج والسيناريست الدانماركي بيلي أوغست، وبرونو ديمون، وهو مخرج وكاتب سيناريو  من فرنسا، ثم الممثل الأسترالي جيسون كلارك.
 
لقطة من فيلم "المسيح الأعمى"
 
غياب الفيلم المغربي
ومن مفارقات لائحة الأفلام المدرجة ضمن المسابقة الرسمية أنها لم تضم أي فيلم مغربي، ما أثار انتقادات واسعة من قبل عدد من المهنيين، الذين رأوا في غياب السينما المغربية عن المنافسة للظفر بإحدى الجوائز فيه نوع من التهميش والإجحاف، وعدم تشجيع المنتوج السينمائي الوطني، على اعتبار أن المركز السينمائي المغربي المؤسسة العمومية التي تعنى بالسينما في البلاد، تقدم دعما مناسبا للعديد من المخرجين، لإنجاز أعمال في المستوى، تقارب 25 فيلما في السنة، فضلا عن مشاركة العديد من الأفلام المغربية في تظاهرات سينمائية دولية وتتوج بجوائز مهمة.
ورأى البعض الاخر أن استبعاد الفيلم المغربي من المسابقة الرسمية موضوعي، وراجع بالأساس إلى الشروط الدقيقة التي تفرضها لجنة الانتقاء على كل الأفلام التي تصلها من أجل المشاركة، وبالتالي فإن لجنة الفرز، كانت ديمقراطية وشفافة في اختيار الأفلام دون التقليل من أي فيلم، ودون تهميش أي عمل مع ترك العاطفة جانبا. وقد أكسبت التجربة خلال دورات المهرجان السابقة، مشاركة افلام عدة، منها"حمى" وخيل الله" لنبيل عيوش، و"جوق العميين" للمخرج محمد مفتكر، وغيرها، لكنها كانت تخرج خاوية الوفاض، مما يعني أن الفيلم المغربي بالرغم من الجهود التي تبذل من قبل المخرجين أو المركز السينمائي المغربي، ما يزال يحتاج إلى مزيد من الجهد الإبداعي والخيال الفني، والرؤية الإبداعية الكونية التي تخول له الدخول في منافسة حقيقية في هذه التظاهرة العالمية.
 
"ميموزا" إنتاج قطري مشترك 
وفي قراءة لبرنامج الدورة، وضمن فقرة نبضة قلب، وهي فقرة الأفلام التي ستعرض خارج المسابقة الرسمية، فتم عرض عدد من الافلام، من أبرزها فيلم"ميموزا" لملخرج أوليفيي لاكس، وهو من إنتاج مشترك قطري مغربي إسباني وفرنسي، و"عمي" لنسيم عباسي من المغرب، فضلا عن فيلم "عرس" للمخرج ستيفان ستريكر وهو من إنتاج بلجيكا، باكستان، لوكسمبورغ وفرنسا، و"والو" لداودا كوليبالي من السنغال وفرنسا ومالي، و"صيادة الصقور" لأوتو بيل من الولايات المتحدة وبريطانيا ومنغوليا، و"من السماء" للمخرج الألباني وسام من جنسية فرنسية، و"ليلى مي" لميكي دو يونك وهو إنتاج أردني هولندي بلجيكي ألماني.
 
كما استمتع الجمهور ضمن الأفلام خارج المسابقة كذلك، وفي سابقة من نوعها بالعرض ما قبل الأول لفيلم"فيانا، أسطورة نهاية العالم" لرون كليمونتس وجون موسكر، في رؤية حالة وسوريالية قبل ثلاثة آلاف سنة، هو من إنتاج استوديوهات ديزني، وسيعرض هذا الفيلم مدبلجا باللغة العربية مع عنونة باللغة الفرنسية. كما عرض أيضا فيلمان جميلان، الأول في حفل الافتتاح بعنوان"عصر الظلال" للمخرج الكوري الجبوني كيم جي وون، والثاني بعنوان "وداعا برلين" للمخرج فاتح أكين من ألمانيا في الاختتام، هذا فضلا عن أفلام أخرى وهي "اليتيمة" لمخرج الفرنسي أرنو دي بايير، و"ذكرى" لبافو دوفورن من بلجيكا، و"وقف إطلاق النار" لإيمانويل كوركول من فرنسا وبلجيكا؛ و"المبارز" لأليكسي ميزكيريف من روسيا؛ و"هي" لبول فيرهوفن من فرنسا وألمانيا.
 
تكريمات وازنة
وتكريما لنجوم السينما في العالم، برمجت اللجنة المنظمة،احتفاليات خاصة لأربعة أسماء مؤثرة من المغرب، وفرنسا واليابان وهولندا، حيث تم تكريم الممثل والكوميدي المغربي عبد الرحيم التونسي المشهور بعبد الرؤوف، والممثلة الفرنسية إيزابيل أدجاني التي تألقت في أدوار كثيرة ونالت العديد من الجوائز الهامة، والمخرج والممثل ومدير التصوير وكاتب السيناريو شينيا تسوكاموتو من اليابان رائد السينما المستقلة في بلاده، والمخرج الهولندي بول فيرهوفن، الذي أبدع فيضا من الأفلام الممتعة من أشهرها"خداع"، "فتيات العرض"، "رجل بلا ظل"، وغيرها، هذا المخرج الذي سيكون ضيف المهرجان لتقديم ماستر كلاس، أمام الجمهور، يحكي فيها عن تجربته السينمائية والإبداعية، فضلا عن تكريم ذكرى الراحلين المغربي المنتج عبد الله المصباحي، والإيراني عباس كياروستامي.
 
 

قد ينال إعجابكم