متابعات

النقاد في مرمى نيران نيتفليكس

محمد موسى

وصف مؤسسا نتفليكس ريد هاستينغز وتيد ساراندوس نقاد السينما بأنهم: "منفصلون عن الآفاق التجارية للأفلام ومفهوم الانجذاب الجماعي للجمهور".

أظهرت شركة نتفليكس امتعاضها من نقاد السينما في الولايات المتحدة... والسبب هو النقد القاسي الذي صدر من هؤلاء بحق فيلم "برايت"، جديد الشركة والذي كلفها مبالغ طائلة. وصف مؤسسا نتفليكس ريد هاستينغز وتيد ساراندوس نقاد السينما بأنهم: "منفصلون عن الآفاق التجارية للأفلام ومفهوم الانجذاب الجماعي للجمهور". وأضافا: "بأن نقاد السينما يتوجهون إلى جمهور محدود من الذي يهتم بموضوعية إذا كانت السينما جيدة أو سيئة"، إلا أن النقد السينمائي نفسه - ووفق مديرا نتفليكس - ليس له أهمية لدى الجمهور الواسع، والأخير هو الذي يقرر إذا كانت الأفلام تحقق النجاحات المالية أم لا.

جاءت تصريحات شركة نتفليكس والتي كانت ضمن مؤتمر صحفي عقد أخيراً للإعلان عن التقرير المالي لربع السنة الماضية للشركة، مفاجأة على أكثر من صعيد، فهي المرة الأولى التي تهاجم نتفليكس نقاد السينما، كما أنها المرة الأولى التي تدافع عن عمل من إنتاجها، وهي التي يعرف عنها صرامتها وتقشفها فيما يخص التصريحات التي تصدر عنها. كما أن الشركة تمتنع تماماً عن الكشف عن أرقام المشاهدة لأعمالها الحصرية، أو للمواد الفنيّة التي تعرضها على خدمتها الإلكترونية. هذه السياسة الأخيرة استمرت في المؤتمر الصحفي، إذا امتنع المسؤولون عن الشركة عن الكشف عن عدد الذين شاهدوا فيلم "برايت" على خدمتهم، وهو الفيلم الذي أثار الكثير من الجدلّ بسبب النقد اللاذع الذي ناله في العديد من الدول الغربية.

تتضمن تصريحات شركة نتفليكس الأخيرة تناقضات واضحة، فهي من جهة تعتقد أن النقد السينمائي ليس له تأثير يُذكر في تحديد ما يُقبل عليه الجمهور الواسع، ومن جهة أخرى تُهاجم النقاد السينمائيين الذين اعتبروا فيلمها "برايت" فشلاً كبيراً للشركة. فإذا كان النقد السينمائي ليس له قيمة في حسابات الشركة، وليس له تأثير على مستقبل فيلم إنتاج ضخم مثل فيلم "برايت"، فلماذا توجه الانتباه إلى هذا النقد، والذي جاء ضمن مؤتمر صحفي نادر للشركة، وهي التي يُعرف عنها قلة الإطلالات الإعلامية لمسؤوليها، وحذرهم الشديد في تعاملهم مع الإعلام؟

تعرض فيلم "برايت" من إنتاج شركة نتفليكس وبطولة "ويل سميث" إلى نقد قاسي وهو ما دفع الشركة لمهاجمة النقاد.

ولعل البحث في الإجابة عن هذا السؤال، يقود إلى أرقام العائدات التي حققتها أفلام الإنتاج الضخم في هوليوود في الأعوام الأخيرة، والتي ينتمي إليها فيلم "برايت" الذي كلف إنتاجه تسعين مليون دولار. إذ بينت الإحصاءات الأخيرة عن إيرادات الأفلام السينمائية الأمريكية الضخمة الإنتاج، انخفاضها في العام الماضي في الولايات المتحدة بنسبة خمسة عشر بالمائة عن العام الذي سبقه. يقلق هذا التراجع شركات السينما الأمريكية ويجعلها حساسة لكل ما قد يكون السبب وراء هذا التراجع، بخاصة أن هذه الشركات تعتمد اليوم بشكل كبير على ما تجلبه أفلام الإنتاج الضخم من إيرادات، وهي التي غيرت منذ سنوات عدة خططها الإنتاجية، لتركز بشكل رئيسي على أفلام الميزانيات الضخمة، على حساب أفلام الميزانيات المتوسطة، مما أدى إلى انتقال الأخيرة إلى قنوات تلفزيونية تنتج بين الحين والآخر أفلاماً سينمائية، وإلى شركات الترفيه الإلكترونية العابرة للقارات مثل "أمازون" و "نتفليكس".

وإذا كانت نتفليكس لا تندرج ضمن قائمة الأستوديوهات الهوليوودية الضخمة، لأنها تعرض أفلامها على المشتركين في خدمتها حصرا، وليس في الصالات السينمائية، إلا أن النقد القاسي لفيلمها الذي كلف ميزانية كبيرة، جاء ضربة لسمعة الشركة، التي اعتادت على النجاحات الكبيرة لأعمالها الحصرية، سواء على صعيد المسلسلات التلفزيونية مثل "العرش"، أو الأفلام السينمائية ذات الميزانيات المتوسطة، والتي شاركت فيها في بعض المهرجانات السينمائية العالمية، قبل أن تقرر الأخيرة عدم السماح لأفلام شركات الإنترنت الاشتراك في المهرجانات السينمائية، مالم تعرض هذه الأفلام في الصالات التجارية في البلدان التي تنظم هذه المهرجانات.

نتفليكس ليست وحدها التي يغضبها النقد السينمائي، فالمخرج الأمريكي المعروف مارتن سكورسيزي، والذي تلقى أفلامه بالغالب احتفاءً نقدياً كبيراً عند عرضها، هاجم بدوره موقع "الطماطم العفنة" والذي يجمع هذا ما تنشره الصحف الورقية والمواقع الإلكترونية من نقد سينمائي على الأفلام إضافة لإفساحه مساحة للجمهور لتقييم الأفلام، ويخرج من هذا النقد بأرقام تعكس تقييمات منفصلة للنقاد والجمهور، واعتبر أن ما يقوم به هذا الموقع لا يمت إلى النقد السينمائي الحقيقي بصلة.

يلعب ويل سميث دور شرطي في مدينة لوس أنجلوس، ويعمل سوياً إلى جانب شرطي من جنس "أوركس"، والأخير هو الوحيد من هذا الجنس الذي وصل إلى هذه المرتبة، فيما يتعرض أبناء جنسه لمعاملة قاسية من الجميع.

هذا النقد الموجه إلى النقد السينمائي وإلى نظام تقييمات النجوم الخمسة التي تعتمده الكثير من الصحف الغربية، هيج نقاشاً لم يتوقف منذ سنوات عن موقع النقد السينمائي في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الحديثة، كما بدأت صحف أوروبية عديدة بتغيير سياساتها الخاصة بمنح نجوم للأفلام التي تنشر مراجعات نقدية عنها في صفحاتها، حيث ألغت بعض هذه الصحف نظام النجوم، لأنه يوقف جمهوراً كبيراً من قراءة المقالة النقدية ويكتفي بالاطلاع على تقييم النجوم، ولأن هذا النظام يُستَّغل أحياناً ضمن سياسات تسويق الأفلام، حيث تتصدر ملصقات كثير من الأفلام، النجوم التي منحتها لها هذه الصحيفة أو تلك.

والحال أن النظر إلى دور وأهمية النقد السينمائي لم يتوقف منذ بداية عصر النقد السينمائي الذي ينشر على الصحف والمجلات، إذ اعتبر النقد السينمائي في الغالب نخبوياً وليس له تأثير على الجمهور الواسع الذي يذهب إلى دور السينما. دعمت هذا الاعتقاد إحصاءات أجريت في الولايات المتحدة وبريطانيا، التي بيّنت أن النقد السينمائي ليس له دوراً يذكر في دفع الجمهور أو وقفه من الذهاب إلى الأفلام الشعبية. كما كان وصول الإنترنت بما يمنحه هذا الأخير من حريات كبيرة للجميع لإبداء آرائهم عما يرووه في الصالات، هزة قوية أخرى للنقد السينمائي التقليدي، فتناقصت مساحة هذا على الصحف والمجلات. بيد أن شعبية مواقع متخصصة بالسينما والنقد السينمائي على الإنترنت، مثل "الطماطم العفنة"، جعل النقد السينمائي يحجز مكانة مهمة في النقاش حول السينما ومستقبلها وآفاقها.

حصل "برايت" على تقييم 27 بالمائة، في قسم تقييمات النقاد على موقع "الطماطم العفنة"،بينما حاز على 86 بالمائة، والتي جاءت من تقييمات 17,347 ألف مشتركاً.

ماذا عن فيلم "برايت"؟

يستحق فيلم "برايت" للمخرج الأمريكي ديفيد أير النقد القاسي الذي أخذه، فهو خليط غير متجانس من عدة فئات سينمائية، حيث ينتمي في جوهره للأفلام التي تركز على علاقات صداقة غير مألوفة بين أبطالها، والتي كان المخرج نفسه قد قدمها بشكل أفضل كثيراً في فيلمه "نهاية المناوبة" (2012). كما يقدم الفيلم عوالم خيالية من بيئة قاسية في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، والتي تشبه - وكما تظهر في الفيلم - المدن التي تتعرض لكوارث وإفلاس أخلاقي.

من أبطال الفيلم، شخصية تنتمي لجنس من العفاريت اسمه "أوركس"، وهو الجنس الذي يتعرض إلى اضطهاد البشر، فيما أصبح الجنس البشري نفسه تحت رحمة كائنات خرافية أخرى. يلعب النجم الأمريكي ويل سميث دور شرطي في مدينة لوس أنجلوس، ويعمل سوياً إلى جانب شرطي من جنس "أوركس"، والأخير هو الوحيد من هذا الجنس الذي وصل إلى هذه المرتبة، فيما يتعرض أبناء جنسه لمعاملة قاسية من الجميع، دفعتهم للعيش على هامش المجتمع.

يتجلى سوء تقدير صناع الفيلم في كل مفصل للعمل، فعوالم شخصيات الفيلم تبقى نافرة، وتفشل الجهود بجمعها معا في قصة مقنعة أو متجانسة، والشخصيات والمشاهد نمطية للغاية، كما يتعثر الفيلم وهو يحاول أن يمزج الكوميديا بالدراما والحركة، فيما بدت إشارات الفيلم الرمزية إلى ما يجري في الولايات المتحدة اليوم، وبالخصوص إلى حركة "حياة السود لها أهمية"، مقحمة تماماً ومبتذلة. حتى النجم ويل سميث الذي يتميز بالعادة بحضوره السينمائي الطاغي، بدا في هذا الفيلم ثقيل الظل والحركة، وضاع في تفاصيل ومطاردات لا تتميز عن كثير من أفلام الحركة التجارية السائدة.

قررت شركة نتفليكس إنتاج جزءاً ثانياً من فيلم برايت، وبنفس فريق الإنتاج والنجوم رغم النقد القاسي له.

جزء ثان لفيلم "برايت"

على الرغم من النقد العنيف الذي طال فيلم "برايت"، إلا أن نتفليكس قررت أن تنتج جزءاً ثانياً منه، وبنفس فريق الإنتاج والنجوم. هذا في الوقت الذي كشف فيه مركز "نيلسون" الأمريكي للبحوث أن 11 مليون أميركياً شاهدوا الفيلم على خدمة نتفليكس في الولايات المتحدة وحدها، وهي الإحصائية التي لم تنفيها أو تؤكدها شركة نتفليكس. وهذه ليست الإحصائية الأولى لمركز أبحاث "نيلسون" عن أعداد مشاهدي المواد الفنيّة التي تُعرض على خدمة شركة نتفليكس، حيث أصدرت في الماضي إحصاءات مماثلة، نفت شركة نتفليكس بعضها.

وكان فيلم "برايت" قد حصل على تقييم 27 بالمائة، في قسم تقييمات النقاد على موقع "الطماطم العفنة"، حيث أخذ الموقع بالاعتبار آراء 88 ناقداً. أما بالنسبة لتقييم الجمهور العادي، فالفيلم حصل على مرتبة جيدة جداً، إذ حاز على 86 بالمائة، والتي جاءت من تقييمات 17,347 ألف مشترك. مما يؤكد أن الجمهور الواسع يُخالف غالباً آراء النقاد بخصوص بعض الأعمال الشعبية.

 

 

 

قد ينال إعجابكم