متابعات

"الواقع الافتراضي" في التجارب التسجيلية

محمد موسى

سَبَقَ مهرجان شفيليد للسينما التسجيلية في دورته الأخيرة التي انقضت قبل شهر تقريباً، المهرجانات السينمائية الأخرى بتخصيص برنامج عروض وجائزة لأفضل فيلم مصنوع بتقنية "الواقع الإفتراضي" (virtual reality)، ليكرس المهرجان البريطاني هذه الأفلام التي تجمع بين الإيهام الصوري والصوتي والنفس والمقاربة التسجيلية كفئة خاصة، هي في موقع اليوم بين السينما والخيال الالكتروني.

إمراة تشاهد فيلما عبر نظارة الواقع الافتراضي

وكان المهرجان نفسه قد عرض في العامين الماضين أفلاماً من هذا النوع على هامش عروضه وبرامجه، لكن وفرة أفلام "الواقع الإفتراضي" في العام الأخير، وتنوع الموضوعات التي تقاربها، والتكنولوجيات المستخدمة فيها، جعلها تشكل جنس فيلمي لحالها، يستفيد من شعبية تكنولوجيا الواقع الافتراضي اليوم، وفضول جمهور كبير وبخاصة الشباب لما توفره من خيال وتجربة حسيّة غير مسبوقة.

والحال أن التجربة الحسيّة للواقع الافتراضي يتم تطويعها في الأفلام كجزء من البنيّة الكاشفة والتعليمية للسينما التسجيلية، يساعد في هذا المجال أن تكنولوجيا "الواقع الإفتراضي" متاحة وقابلة للتشكيل والتطويع لتلائم أغراضاً عديدة، منها: الألعاب الالكترونية، والسينما السرديّة والمهام التعليمية، كما تناسب هذه التكنولوجيا، التي تطبق على حواس المستخدم وتهمين عليه طوال فترة التجربة/ المشاهدة، مع غايات الفيلم التسجيلي الذي يسعى إلى شد انتباه مشاهديه الى قضاياه في عصر التشتت الذهني الذي نعيشه، والذي بدأ يتسلل الى طقوس المشاهدة في الصالات السينمائية نفسها، إذ حالما تبدأ تجربة "الواقع الإفتراضي"، يصبح من العسير، إن لم يكن من المستحيل الإفلات من سطوتها، لإعتبارات لها علاقة بتركيبة أجزائها التقنية، والتصاقها بالعينين والأذنين، مانحة هامشاً ضئيلاً لمستخدميها للحركة او البدء بانشغال آخر.

من فيلم "ملاحظات على العمى: الى الظلام"

لكن هل يمكن اعتبار ما يجري في شاشات الواقع الافتراضي حقيقة، لتستوفي الأفلام التي تقدم هذه "الحقيقة" تعريفات السينما التوثيقية؟ بالاستناد إلى الأعمال المتوافرة اليوم، والتي عرض بعضها مهرجان شفيليد البريطاني، هناك جواب مرحلي على هذا التساؤل، يفيد هذه الأعمال بصيغتها الحالية هي جنس فيلمي خاص يرتكز على التكنولوجيا لسرد القصص التي يقدمها، وأن هناك عناصر من الواقع في هذا النوع من السينما، في حين يجري التحكم إلكترونياً بالعناصر الأخرى، لتكون الحصيلة هي مزيج من الإثنين، مع ضرورة التنويه بمشاريع تسجيلية، قدمت نسخة فيلمية خاصة من الواقع الافتراضي إلى جانب العمل الأساسي الذي صور بطرق تقليدية، كفيلم "ملاحظات عن العمى: إلى الظلام" والذي فاز بجائزة أفضل فيلم واقع افتراضي في مهرجان شفيليد نفسه.

ولعل دخول مؤسسات إعلامية عملاقة مثل "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) في مجال إنتاج أفلام الواقع الإفتراضي، يشير الى الأهمية التي توليها هذه المؤسسات لهذا النوع الجديد من الأفلام والإثارة التي يتضمنها هذا الأسلوب المبتكر في سرد القصص، فهذه المؤسسة قدمت ضمن مهرجان شفيلد ثلاثة أفلام واقع أفتراضي، وتوفر دقائق مجانية لهذه الأفلام على موقع إلكتروني خاص، صحيح أن هذه الافلام يمكن درجها ضمن سياسة المؤسسة البريطانية العامة المتجددة، التي شأنها شأن مؤسسات عملاقة أخرى على تماس بما يجري في عالم التكنولوجيا، لكن هناك إشارات صادرة من المؤسسة بأنها تخصص أهمية استثنائية لأفلام الواقع الإفتراضي، وأنها تشترك على نحو ما مع شركات التكنولوجيا والجمهور في تطوير مفاهيم وأساليب لصناعة هذا النوع الجديد وتحديد منصات عرضه.

من فيلم "نحن ننتظر"

أفلام "بي بي سي"

تتنوع موضوعات أفلام "بي بي سي"، من أزمة اللاجئين المتواصلة التي يقدمها فيلم "نحن ننتظر" للمخرجين دانيال افرغان ودارين دوبيكي والذي يؤفلم وقائع حقيقية و يقدمها ضمن رسوم تحريك سوداوية. الى ما يحدث بعيداً عن هذه الأرض ومشاكلها التي لا تنتهي في فيلم "البيت: تجربة تفاعلية في السير في الفضاء" للمخرجين كيت بارتليت وتوم بورتون، الذي يصور الحياة اليومية في مركبة فضائية. فيما يعود فيلم "ثورة عيد الفصح: صوت متمرد" للمخرجتين كاثرين ألين وكاتي موريسون الى الثورة الشعبية في إيرلندا في عام 1915، والتي ساهمت في تشذيب مستقبل البلد للأبد. والملاحظ في أفلام " بي بي سي" هو قصرها اذ لا يزيد طولها عن أثنتي عشر دقيقة.

حبس إنفرادي وعيادة إجهاض

بعيداً عن الترفيه الخالص الذي ارتبط ببدايات تجارب "الواقع الإفتراضي"، تغوض الأفلام التي عرضت ضمن مسابقة أفلام هذا النوع من التكنولوجيا في مهرجان شفيليد للسينما التسجيلية في متاعب العام وهمومه وتحدياته الصعبة، فهناك ثلاثة أفلام عن أزمة اللاجئين، إذ يعرض وبالإضافة إلى فيلم مؤسسة ال "بي بي سي" فيلمي: "البلد: أمير" للمخرجين: توبي كوفي ،عرفان ساداتي، روفوس نوريس، والذي يمثل جزءاً من مشروع كبير لإنتاج 360 فيلم قصير عن اللاجئين، ويتناول الفيلم قصة "أمير" الشاب السوداني الذي عَلِقَ بين الحدود الفرنسية البريطانية وبعد أن هرب من بلاده بسبب خوفه من القتل، وفيلم "غير المرئي" للمخرج دارين ايمرسون عما يتلقاه بعض المهاجرين في سجون خاصة في بريطانيا.

تجربة افتراضية من الحبس الانفرادي

وليس بعيداً من القضايا الإشكاليّة المعاصرة، عرض في المسابقة ذاتها أفلام: " 6×9: تجربة افتراضية من الحبس الإنفرادي" للمخرجتين فرانشيسكا بانيتا وليندسي لبولتون، وهو مشروع لصحيفة الغارديان البريطانية يعيد تجسيد تجربة البقاء في الحبس الإنفرادي في السجون الأمريكية.

وفيلم "عبور الخط" للمخرجين: نوني دي لا بينيا، جيف فيتزسيمونز، براد ليختنشتاين، الذي يقدم الحياة اليومية لعيادة إجهاض أمريكية، وفيلم "اصطدام" للمخرجة لينيت ويلوورث، الذي يكشف العلاقة بين "العلم" و"الروح" لمجتمع السكان الأصليين في أُستراليا.

وتنوعت الأفلام الأخرى من المسابقة، إذ يُقدم فيلم "ملاحظات عن العمى: إلى الظلام" للمخرجين: ارنو كولنآرت، أموري لا برثيه، بيتر ميدلتون، جيمس سبينس، المذكرات التي كتبتها بريطاني أثناء وبعد فقدانه لنظره والتي بدئها عام 1983، وفيلم "في حذائي: الرقص مع نفسي" للمخرجين أندرو سومرفيل وجين جاونتلت، عن التحديات التي تواجهها إمراة مصابة بمرض الصرع، وفيلم "مارس 2030" للمخرجة جوليان رييس الذي يوفر إطلالة على الحياة في كوكب مارس، وفيلم "الأصل" للمخرجين: وليام أ. كيركلي، آدم أمارال، جلين سنايدر، الذي يغوص في عالم تجارة الحشيش والحبوب المخدرة.

من فيلم "مارس 2030" للمخرجة جوليان رييس

المُستقبل 

يُعَد مصطلح " الواقع الإفتراضي" عنواناً فضاضاً للتطورات التي تجري في مجال استخدام نظارات خاصة للدخول في الواقع المتخّيل والذي تقوم عليه تكنولوجيا الواقع الإفتراضي بخطوطها الأساسية. فهناك اليوم عدة أجهزة الكترونية توفر نماذج مختلفة للتجرية التي يمنحها الواقع الإفتراضي، منها أجهزة مخصصة أصلاً لهذا النوع من الترفيه، او أجهزة أخرى تركب على الهواتف الذكية لتوفر مع برامج تطبيقية موجودة على الهواتف، تجربة الواقع الإفتراضي. هذا التنوع يفرض بدوره بدوره تحديات على صناعي أفلام الواقع الإفتراضي، اذ عليهم وقبل الشروع في مشاريعهم تحديد الواسطة التي يرغوا بعرض أفلامهم عليها. في حين يشير الزمن الكليّ للأفلام (لم يزيد طول أفلام مهرجان شفيليد عن 14 دقيقية)، بأن هذه الأعمال لن تزاحم الأفلام العادية على صالات السينما او على أوقات البرمجة التلفزيونية، بل ستجد مكانها ضمن تقاليد جديدة في المشاهدة، هي أيضاً تمرّ في سيرورة لم تتبين جميع ملامحها بعد.

قد ينال إعجابكم