متابعات

تجارب عُمانية واعدة بمهرجان مسقط

ندى الأزهري- مسقط

في الدورة التاسعة لمهرجان مسقط السينمائي 21-26 مارس، كان ثمة مسابقة للفيلم العربي الطويل وأخرى للقصير والوثائقي العربي وثالثة للعماني شارك فيه اثنا عشر فيلما بين تسجيلي وروائي قصير، أي ثمة فصل بين الإنتاجات المحلية والعربية، خشية المنافسة ربما مع مخرجين أكثر احترافية وكنوع من الحماية والتشجيع للسينما العمانية الوليدة.

شعار المهرجان
عرضت الأفلام في كلية جامعية بهدف حث الطلاب على مشاهدة إنتاجات من بلدهم، أيضا عرضت لهم أفلام قصيرة وتسجيلية قادمة من بلدان عربية أخرى كتونس ومصر وفلسطين وسورية ولبنان والعراق والكويت والبحرين. امتلأت القاعة بطالبات يدرسن الإعلام، هل لأن هذه الدراسة تجذب أكثر الجنس اللطيف أو لأنهن ملتزمات أكثر؟ مجرد تساؤل لن ندخل في تفاصيله.

إنما كانت فكرة عرض الوثائقي والقصير لطلاب جامعيين، فكرة جيدة مهما كانت نوعية التلقي. إذ قد تكون تلك الوسيلة الوحيدة في البداية أي احضار الجمهور للسينما. لاسيما في بلاد تخطو على طريق السينما والجمهور فيها لن يذهب في الأحوال العادية لرؤية أفلام روائية غير تجارية فكيف بالتسجيلية و القصيرة. عملية التعويد مهمة في كل بلد لا ثقافة سينمائية فيه ولا عادة الذهاب للسينما، تعويد قد يتطلب نوعا من " الجبر" الإرادي! الأستاذ يحضر طلبته والمخرجون يناقشون الجمهور وهذه تجربة مهمة في مسيرة الطلبة الإعلامية و يمكن تعميمها على كليات أخرى، فالخلفية الثقافية ضرورية حتى لأصحاب التخصصات العلمية. بالطبع قد لا يهتم بالمعروض من الحاضرين سوى فئة صغيرة، لكنها تكفي. مجرد وجود ولو شخص واحد تأثر بما شاهد فيه كسب كبير.

صورة عامة للفائزين

للأسف لم يحضر المخرجون العمانيون للنقاش في الفترة المخصصة لعروض أفلامهم، فيما جرت نقاشات مدهشة أحيانا بين طالبات من كلية البيان للدراسات الإعلامية والأساتذة من جهة وبين بعض المخرجات العربيات اللواتي عرضت أفلامهن. كهذا النقاش الغني الذي جرى بينهم وبين المخرجة العراقية السويسرية عايدة شليفر حول فيلمها التسجيلي" نون" الذي يصور معاناة المسيحيين العراقيين من تهجير وقتل، وكذلك مع المخرجة السورية البحرينية إيفا داوود حول فيلمها الروائي القصير" سارق النور" الذي يحكي عن سرقة " شغف الحب" والقلوب المنكسرة . ما يثبت اهتماما مبدئيا بهذا النوع من العروض، ربما كان مجديا تطبيقه على الأفلام الروائية الطويلة أيضا، فلا يمكن التعويل على التوزيع التجاري للفيلم الجيد والمهرجان وسيلة لا تفوت لإعطاء الفرصة للاطلاع على نوعية أخرى من السينما، يمكن أن تستمر فيما بعد مع عروض دورية في " الجمعية العمانية للسينما" التي تنظم مهرجان مسقط.

عرض في القسم العربي ثلاثة عشر فيلما تسجيليا وتسعة أفلام قصيرة من مختلف الدول العربية. نال" الخنجر الذهبي" كأفضل فيلم تسجيلي" حياة طاهرة" للمصري مهند دياب وهو عن كفاح امرأة مصرية وعملها كي تعيل أطفالها في مجال البناء المخصص للرجال. أما جائزة الفيلم القصير فذهبت إلى " ارجع لسطر" للتونسي بلال بالي وهو عن فتاة كومبارس حالمة بالشهرة. فيما حصل على جائزة كلية البيان للدراسات الإعلامية للأفلام الوثائقية والقصيرة المخرج الفلسطيني فائق جرادة عن فيلمه التسجيلي "مؤبد مفتوح" وجائزة الفيلم القصير حصدتها العمانية رقية الوضاحية عن "تاجر الزمن"، هذا الفيلم الذي يحكي عن الزمن الذي يمكن استرداده  أحيانا باللجوء إلى شخصية غريبة، نال كذلك تنويها من لجنة تحكيم الأفلام العربية.

يغرينا الحديث هنا عن هذه الحركة السينمائية العُمانية سواء أكانت مجرد محاولات فردية أم ضمن تيار قيد التأسيس، والتي تحاول شق طريقها بصعوبة ربما، فجمع اثني عشر فيلما عمانيا لعرضها يستحق التنويه.

إنما ماذا عن المستوى وهل ثمة خصائص عامة تميّز هذه السينما الشابة؟

أنبدأ بتلك التي لا تقول شيئا أو التي تحاول إنما بأسلوب متعثر؟ أم تلك التي لم يكن مكانها هنا فهي مجرد أشرطة دعائية سياحية لا تحمل مقومات بناء الفيلم... من الأفضل التركيز على الإيجابيات وذكر ما لفت انتباهنا وكان نفس ما لفت انتباه لجنة التحكيم المكونة من سينمائيين عرب من سورية وفلسطين ومصر وعمان والعراق.

يطغى الموضوع الاجتماعي على معظم الأفلام الروائية القصيرة (لقيط، فرار من العائلة، التحدي، العوز..) كما مواضيع التراث الشعبي الذي تطرقت له عدة أفلام تسجيلية. كان بعض هذه الأخيرة يبدأ بفكرة مهمة سرعان ما كانت تغور وتبهت في ظل ضعف تقني لأمور أساسية كجودة الصوت والصورة. كذلك كانت المعالجة غير مكتملة وتجسدت في نقص المعلومات عن القضية المثارة وعدم كفاية الشهادات الشخصية وعدم ذكر الأسماء وصفتها. وكل هذه عوامل يبنى عليها الفيلم الوثائقي تحديدا، فكانت شهادة المشاركين أي الموقع الذي يتحدث منه الشاهد ومدى علاقته الحالية والماضية بالموضوع غير جلية.

لقطة من فيلم "انعكاسات"

عن الفئة التسجيلية فاز "ذاكرة الحجر" لحميد العامري الذي يتناول الذاكرة الشعبية التي مازالت "مشتعلة" لسكان وادي مستل وحياتهم على ضفاف الوادي وسفوح الجبال، حفل الشريط بأغان تراثية فردية ("تغرودة" النساء و" العازي" للرجال كما شرح لنا عضو لجنة التحكيم العماني مشكورا) أداها مسنون مع صور خلابة لهذا الوادي وعنزاته السارحة..
فكرة حلوة رغم صعوبة فهم الكلام من جهة بسبب لهجة المتكلمين ومن أخرى بسبب مشاكل تقنية، ما دعا البعض للجوء للترجمة الإنجليزية التي كانت تختفي أحيانا. وكان مهما هنا إعطاء معلومات أكثر عن المتحدثين وليس فقط أسماءهم، مثلا أعمارهم وماذا يفعلون اليوم وعائلاتهم.. ينطبق الكلام على "السقي بالساعة الشمسية" لعمران المحروقي و"تحفة" لطالب البلوشي.

في" انعكاسات" لميثم الموسوي الفائز بجائزة الفيلم العماني القصير، اهتمام واضح بالزوايا التصويرية، فيلم شبه صامت اعتمد بنجاح الصورة للتعبير عن رؤية طفلة تجول في الشوارع في مسقط القديمة لمحيطها وناسها، عامل يطرد فيهجر أسرته وتعمل الصغيرة في جمع العلب المعدنية الفارغة لمساعدة أمها المريضة.

مهرجان مسقط  تنظمه " الجمعية العمانية للسينما"، وقد أقام دورته الحالية تحت شعار" السينما فن التسامح والجمال" وهو ينعقد كل سنتين منذ 2001 وشارك في هذه الدورة 63 فيلما من 25 دولة.

قد ينال إعجابكم