متابعات

تحديات "نتفليكس" في المنطقة العربية

 
محمد موسى 
 
منذ أن أعلنت شركة "نتفليكس"  NETFLIX الأمريكية إدراج الدول العربية ضمن المناطق التي توفِّر فيها خدماتها الترفيهية، وهناك غموضاً يُفسّر ربما بعدم اهتمام، يُحيط بطبيعة خطط الشركة الإنتاجية التي تعدّها لزبائنها العرب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى خلاف ما يتردد من أخبار عن استثمارات للشركة الأمريكية في إنتاج محتوى أصلي (سينمائي وتلفزيوني) في مناطق جغرافية أخرى وصلتها "نتفليكس" في نفس التوقيت الذي دخلت فيه الأسواق العربية. 
حتى يبدو أن الشركة الأمريكية ستكتفي في الوقت الحاضر بتوفير موادها للراغبين في الدول العربية، دون أن تحاول أن تهزّ البنى الإنتاجية وسياسات التوزيع التقليدية للنتاجات السينمائية والتلفزيونية العربية وكما تفعل اليوم في بعض المناطق التي وصلتها.
 
وعلى الرغم من أن الشركة الأمريكية تحيط أرقامها بالكتمان الشديد، ولا تفصح عن أعداد المشتركين في خدماتها أو مشاهدي المواد الترفيهية التي تبيعها مقابل اشتراكات شهرية، إلا أنها لا تتحكم في المقابل فيما يصل من أخبار عن أعمال حصرية لها والتي يتم إنتاجها عن طريق شركات إنتاج محلية معروفة. إذ أن هناك معلومات مؤكدة عن خطط إنتاجية طويلة الأجل للشركة في الهند مثلاً، البلد الذي يشهد تغييرات كبيرة على صعيد البنى التكنولوجية التحتية، والتي كان فقرها عائقاً أمام وصول خدمة "نتفليكس" وغيرها من الشركات التي تبث موادها عبر الإنترنت. 
 
والهند ليس البلد الوحيد الذي ستقوم "نتفليكس" بإنتاج مواد حصرية بلغاته المحلية وتتوجه بالدرجة الأساس إلى الساكنين فيه، فالشركة أعدت خططاً إنتاجية للعديد من الدول التي تتواجد فيها، وبخاصة الدول الأوروبية، بما تمثلّه من سوق مستقرّ وغني، ويمرّ بتغييرات كبيرة في طريقه تلقّيه للمواد الترفيهية، حيث تنخفض كل عام تقريباً أعداد مشاهدي التلفزيون هناك، مقابل الذين يتلقون معلوماتهم وموادهم الترفيهية عبر شبكة الإنترنت. 
وتلعب "نتلفيكس" وشركات مماثلة بعضها محلي دوراً مهماً ومتصاعداً في تغيير عادات المشاهدة في أسواق الدول الأوروبية، حتى أن هذه الشركات تتحول تدريجياً إلى جزء من الثقافة الشعبية الشائعة، والتي يمكن الاستدلال عليها اليوم في الإشارات التي لا تتوقف في الإعلام التقليدي حول مكانة هذه الشركات، والهزة التي تحدثها في الحياة اليومية والمشهد الإعلامي المحلي والدولي.
 
والحال أن المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية التي بدأت هذه الشركات بإنتاجها حديثاً، وبعد أعوام فقط من بدء نشاطها على الإنترنت، صارت تحتلّ مرتبة مُتقدمة من أوليات هذه الشركات، فمع اقتسام هذه الأخيرة حقوق عرض مسلسلات وأفلام شركات أخرى، دون أن تهمين أيَّا منها على النسبة الأعظم من النتاجات الفنيّة الشعبية، تسعى هذه الشركات لإغراء الزبون بما تقدمّه من مواد حصرية لا يجدها في "كاتلوغات" الشركات الأخرى أو ما تعرضه القنوات التلفزيونية على شاشاتها. وبعد أن كانت شركات الإنترنت تنتج في العام مسلسلات على عدد أصابع اليد الواحدة، تحولت هذه الشركات في العام المنصرم على وجه الخصوص إلى ما يقترب من المصنع الذي لا يتوقف عن إنتاج أعمال فنيّة شديدة التنوع.
 
 
كشف "ريد هاستنغ"، مؤسس شركة نتفليكس في إطلالة إعلامية نادرة قبل شهر تقريباً، أن توجّه شركته في الأعوام الثلاث الأخيرة إلى الإنتاج المكثّف للمواد الفنيّة الحصرية، كان استجابة للنجاح الهائل لمسلسل "بيت من ورق"، والذي كان بدوره مراهنة إنتاجية للشركة لاقت استحساناً نقدياً وشعبية كبيرة لدى المشتركين في خدمتها، لتبدأ بعدها سيرة إنتاجية مذهلة، حولت "نتفليكس" إلى لاعبة عالمية أساسية في سوق الإنتاج التلفزيوني في العالم الغربي، ولتكسر الشركة بما تصرفه من مبالغ هائلة على أعمالها أرقام الموازنات الشائعة للمسلسلات التلفزيونية الغربية، كما أصبحت أعمال هذه الشركة الأمريكية وشركات أخرى مماثلة، منافسة دائمة على الجوائز التلفزيونية العالمية، وبخاصة في الولايات المتحدة.
 
لا يُميز شركات الإنترنت ميزانياتها العملاقة فحسب، إذ أنها تتنافس بينها وبين محطات التلفزيون التقليدية على استقطاب النجوم من كل الأنواع، وكتاب السيناريو والمخرجين المعروفين. فشركة "أمازون"، المنافسة الأهم لشركة "نتفليكس" في السوق الأمريكية، نجحت العام الماضي في إقناع الممثل والمخرج المعروف "وودي آلن" في المشاركة في أحد مسلسلاتها الكوميدية، وهو الذي توقف منذ سنوات عن التمثيل مفضلاً الوقوف خلف الكاميرا. كما دفعت "أمازون" ذاتها، مبالغ طائلة (تتكتم الشركة على ميزانيات أعمالها الحصرية)، من أجل الحصول على فريق برنامج "توب غير" البريطاني، وبعد أن ترك هذا الأخير برنامج قناة "بي.بي.سي" بعد خلافه الشهير مع المؤسسة البريطانية العام الماضي.
 
تحديات المنطقة العربية
لا ريب أن تحديات جمَّة تُقيد وتعرقل إلى حد كبير نجاح شركات الإنترنت العابرة للقارات في المنطقة العربية، بدئا من البنية التكنولوجية الضعيفة للمنطقة وسرعة الإنترنت والتي تتفاوت من بلد عربي إلى آخر، كما تشكل أسعار الاشتراك الشهري في الإنترنت عقبة عند كثر للانضمام إلى الشبكة. وسرعة الإنترنت هي الركن الأهم الذي يقوم عليه النموذج التكنولوجي لشركات الإنترنت العالمية، وبدون سرعة مناسبة لن يكون ممكناً لها عرض بضاعتها بالشكل المريح والسلس الذي ترغبه. إذ أن هذه الشركات صرفت مبالغ كبيرة من ميزانياتها على إتفاقات تعاون مع شركات إنترنت محلية في الدول التي تتواجد فيها لأجل توفير السرعة المناسبة لزبائنها وضمان انسيابية خدماتها.
 
وإلى جانب البنية التكنولوجية الضعيفة وغير المستقرّة لعدد مهم من الدول العربية، تواجه شركات الإنترنت العالمية معضلة آليات الدفع لاشتراكاتها والتي تقوم على الدفع الآلي من الحسابات المصرفية للمشتركين. إذ مازالت بعض الدول العربية، وبخاصة الدول ذات الكثافة السكانية الأكبر في الشرق الأوسط بعيدة وإلى حد كبير عن ربط كل ساكنيها بنظام مصرفي مستقرّ أو متقدم. ولم تقم الشركة الأمريكية التي يعرف عنها الابتكار في البحث عن حلول تساعدها في الوصول إلى زبائن، سيحبط عزائمهم أسلوب الدفع الموجود حالياً.
 
وعلى الرغم من جديّة المشكلتين السابقتين، إلا أن التحديات الأكثر صعوبة التي تواجهها شركات الإنترنت العالمية هي تفشّي ظاهرة القرصنة في مناطق عديدة في الشرق الأوسط، وغياب التشريعات الحكومية الواضحة التي تخصّ عمليات القرصنة بكل أنواعها ومنها القرصنة على المواد الإلكترونية. وهي المشاكل التي تواجهها هذه الشركات في مناطق أخرى من العالم، منها الهند ودول أخرى، حيث يعتبر الاشتراك الشهري (عشرة دولارات أمريكية بالشهر)، رقماً كبيراً، خاصة مع القدرة على قرصنة المواد ذاتها التي تقدمها هذه الشركات والتمتع بها دون مقابل.
 
مسلسل The Crown على نتفليكس
 
وعلاوة للعقبات السابقة، والثقل الدائم للوضع الاقتصادي المتردِّي في العديد من دول الشرق الأوسط، والرقابة المتشددة في بعض الدول العربية، يُعدّ معظم المحتوى الذي تقدمه شركات الإنترنت الغربية نخبوياً في المنطقة العربية، فجمهور الفيلم والمسلسل الأمريكي لم يبلغ أبداً حجم جمهور المواد الترفيهية العربية. ولن تساعد الأفلام الروائية والتسجيلية العربية القليلة المتوافرة اليوم على خدمة شركة "تنفليكس" في جذب جمهوراً واسعاً، لطابعها الفنيّ الجديّ. كما لا يبدو أن الشركة الأمريكية مهتمة كثيراً في في البحث عن الشعبي والمثير سواء في المعروف في النتاج العربي الفنيّ، او ما يدور في حواشي المشهد الرسمي، وبالتحديد التجارب التي تتطور بعيداً عن المؤسسات التجارية أو الحكومية المكرّسة.
 
"نتفليكس"
من شركة كانت تؤجر أفلام ومسلسلات مسجلة على أشرطة الفيديو وبعدها إسطوانات رقمية (دي.في.دي)، وترسلها لزبائنها الأمريكيين عبر البريد العادي، تحولت "نتفليكس" وبعد انتقالها إلى الإنترنيت إلى واحدة من أهم شركات العالم الإعلامية بحجمها وتأثيرها والمساحات الجغرافية الواسعة التي تتواجد فيها (تصل الشركة اليوم إلى 190 دولة). تأسست الشركة في عام 1997، لكن تاريخها الفعليّ بدأ في عام 2007 عندما انتقلت إلى البث عبر الإنترنت، وبدأت ببيع اشتراكات شهرية مقابل مشاهدة موادها الفنيّة التي تصل عن طريق تقنية "streaming".
 
تقدم الشركة الأمريكية برمجة خاصة لكل دولة، حيث يختلف المحتوى الذي تقدمه من دولة إلى أخرى، بسبب حقوق العرض للأفلام والمسلسلات التي تعرضها والتي يجب أن تحصل عليها في كل دولة على حدة. في حين تتوافر أعمالها الخاصة في جميع الدول التي تصل إليها. تعتمد الشركة على أرقام المشاهدة للأعمال التي تعرضها في خدمتها في خططها الإنتاجية المستقبلية، حيث تحاول أن تكون أعمالها منسجمة مع ما يفضله المشاهد من مواضيع ونجوم، وعلى هذا الأساس يقع إختيارها على القصص والنجوم في الأعمال التي تقوم بإنتاجها. 
 
 
 

قد ينال إعجابكم