متابعات

دورة جيدة من مهرجان كارلوفي فاري

كارلوفي فاري – محمد هاشم عبد السلام                                                                                                                                                                                                                                                                               

على امتداد أغلب فصول العام، وبخاصة فصل الصيف، يتوجه العديد من السائحين والمرضى من جميع أنحاء العالم، ومُدننا العربية أيضًا، لزيارة مدينة الأنهار المتعددة، ومئات الينابيع الحارة الصغيرة والكبيرة، وعشرات المنتجعات الصحية، كارلوفي فاري أو حمامات كارل، والتي تبعد عن براج، عاصمة جمهورية التشيك، قرابة الساعة ونصف الساعة. تلك المدينة الصغيرة الساحرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها الخمسين ألف نسمة، تزدحم بمقدار ضعفي عدد سكانها أو أكثر وقت انعقاد مهرجانها السينمائي السنوي، فلا تكاد تجد موضعًا بشوارع المدينة أثناء انعقاد المهرجان، من فرط تدفق عشاق السينما على المدينة من مختلف المدن التشيكية أو البلاد المجاورة، لا سيما أثناء عطلة نهاية الأسبوع.

على امتداد فترة انعقاد المهرجان، الذي يبدأ عادة مع نهاية شهر يونيو من كل عام، وينتهي مع الثلث الأول من شهر يوليو، يُبهجك ذلك الكم الهائل من عشاق السينما، الذين يصطفون بالمئات أمام دور العرض يوميًا في مشهد غاية في المتعة، لمتابعة أحدث أفلام المنطقة، وبعض الأفلام من أوروبا وأمريكا وآسيا. وفي مساء الثامن من هذا الشهر، اختتم مهرجان كارلوفي فاري السينمائي الدولي، أحد أشهر وأعرق المهرجانات الأوروبية دورته الثانية والخمسين، وذلك بتوزيع جوائزه المعتادة التي يمنحها كل عام في أقسامه المختلفة، بعد تسعة أيام من الأجواء السينمائية الصاخبة، حفلت بعرض العديد من الأفلام من جميع أنحاء العالم، سواء كعروض عالمية أولى أو عروض أوروبية أولى. وقد وصل عدد الأفلام المعروضة هذا العام قرابة المئتي فيلم طويل وقصير، روائي أو تسجيلي أو رسوم متحركة.

قاعة المهرجان الكبرى قبيل لحظات من حفل الافتتاح

أقسام المهرجان

تنقسم مسابقات المهرجان الرئيسية إلى "المسابقة الرسمية"، ويعُرض بها عادة 12 فيلمًا، وعلى هامش المسابقة الرسمية يُعرض عادة أربعة أفلام. وتليها مسابقة "شرق الغرب"، وهي غاية في الأهمية لإلقائها الضوء على سينما المنطقة، وقد عرض بها 12 فيلمًا. وأخيرًا، مسابقة "الفيلم التسجيلي"، التي عرض بها 11  فيلمًا. وبخلاف مسابقات المهرجان الرئيسية، ذات الجوائز المادية وتمثال الكرة البلورية، والمُكرسة بالأساس لاكتشاف سينما المنطقة ومخرجيها، تتعدد الفعاليات والأقسام بالمهرجان وتنفتح على جميع السينمات والدول. من أهم الأقسام والفعاليات التي تقام كل عام بالتوازي مع مسابقاته الرئيسية، قسم "آفاق"، وهو بالفعل بمثابة كنز المهرجان، فمن فاته مشاهدة أفلام المهرجانات الكبرى، برلين وكان وفينسيا، يجدها الكثير منها في ذلك القسم. وقد افتتح المهرجان بالفيلم الأميركي "المرض الأليم" للمخرج مايكل شووالتر، وعرض في حفل الختام الفيلم الأمريكي "الوصول" للمخرج دينيس فيلينوف، وكلاهما عرض بمهرجاني "صن دانس" و"فينسيا"، العام الماضي.

وبخلاف قسم "آفاق"، هناك قسم "مناسبات خاصة" وعرض قلة من أفلام النجوم الذين كرمهم المهرجان، وقسم "وجهة نظر أخرى" ويجمع بين الأفلام الروائية والتسجيلية التي عرضت بالعديد من المهرجان وحصلت على جوائز أو لفتت الأنظار، وقسم "تخيل" وعرضت فيه أفلام من أوروبا وأمريكا فقط. وفي قسم "اختيارات نقاد مجلة فارايتي" عرضت تشكيلة متنوعة بناء على الاختيارات والترشيحات الخاصة لنقاد المجلة. وهناك العديد من الأقسام الأخرى التي عرضت أحدث الأفلام أو حتى أقدمها، وذلك بخلاف قسم "التكريمات"، والذي اختص المخرج الياباني الكبير كينزو ميزوجوتشي هذا العام بعرض 11 فيلمًا من أهم أفلامه التي جرى ترميمها مؤخرًا.

المسابقة الرئيسية

بحكم طبيعة المهرجان المتخصصة التي فرضتها عليه جغرافيته، تركز أفلامه بشكل عام على منطقة وسط وشرق أوروبا، ونادرًا ما تخرج أفلامه كل عام عن تيمات بعينها، يغلب عليها مناقشة قضايا الحروب التي مرت بالمنطقة، وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية على السكان والأجيال الجديدة. أيضًا، المشكلات العرقية والإقليمية والإثنية تطل برأسها في أكثر من فيلم. كذلك، قضية اللاجئين التي طرأت على المنطقة خلال السنوات القليلة الفائتة لها مساحة لا بأس بها في العديد من الأفلام. وبخلاف ذلك، تناولت الأفلام موضوعات عامة ذات طابع إنساني معاصر، تدور على خلفيات اقتصادية وسياسية ودينية وعرقية يصعب تجنبها أو التغافل عن تأثيرها السابق والراهن في تلك المجتمعات، وعلى أفرادها ومعيشتهم اليومية. ورغم ذلك، فقد اتسمت أفلام مسابقة هذا العام بالتنوع إلى حد بعيد.

افتتحت المسابقة الدولية بالفيلم الروسي "أرثيما" للمخرج بوريس خليبنيكوف. وهو عن العلاقة بين مُسعف وزوجته طبيبة الطوارئ بإحدى المدن الروسية، وتأثير العمل وضغوطه والظروف المحيطة على علاقتهما بصفة خاصة كزوجين، وعلاقتهما بعملهما والمجتمع من حولها بصفة عامة كمهنيين. الفيلم جيد من حيث الدراما والبناء وكذلك التمثيل، وإن عابه الإطالة بعض الشيء، وهو من أفلام المسابقة الجيدة. الفيلم الروماني "أخبار عاجلة" للمخرجة يوليا روجينا، يضعنا منذ الدقيقة الأولى مع مأساة المراسل الصحفي الذي انهار سقف أحد المصانع على رأسه أثناء تغطيته لحادث وقع هناك. ترغب المحطة في إعداد وثائقي تكريمي عنه، وهنا تبرز لنا مأساة المراسل الذي توفي على الفور، من خلال أسرته المفجوعة، وبخاصة ابنته المراهقة التي كانت على علاقة وثيقة بوالدها. فيلم مؤثر إلى حد كبير، وأداء واعد من بطلته، وهو من أبرز أفلام المسابقة.

"العصافير تغني في كيجالي" للبولنديين يوانا وكشيشتوف كراوزة، يعود بنا على مدى ساعتين تقريبًا إلى عام 1994، حيث مذابح الهوتو والتوتسي، وإنقاذ عالمة بولندية لابنة أحد مساعديها الأفارقة في أبحاثها على الطيور هناك، عرفانًا بالجميل. تواجه الفتاة صعوبات التأقلم والحياة الأوروبية والعنصرية. تحاول العودة إلى ديارها لكن فقدانها كل شيء، وحتى استحالة العثور على جثث أسرتها، يحول دون ذلك. فيلم جيد من حيث التنفيذ في مزجه التقني بين التسجيلي والروائي، وكذلك أداء بطلتيه. يتناول الفيلم الأمريكي الرومانسي "احتفظ بالباقي" للمخرجة راشيل إسرائيل، قصة حب لطيفة بين اثنين من ذوي الاحتياجات الخاصة، تجمعهما الظروف، ويحاولان التغلب عليها والبقاء معًا. فيلم ممتع، لكنه غاية في التقليدية وليس به ما يميزه.

لقطة من الفيلم الفائز بجائزة المهرجان الكبرى - الصليبي الصغير.

من الأفلام التي انتظرت بشغف، "تشيبولا"، أحدث أفلام المخرج الجورجي المتميز جورج أوفاشفيلي. لكن مع الأسف فيلمه الأخير هذا لم يرق لمستوى فيلمه الرائع السابق "جزيرة الذرة"، الذي حاز جائزة المهرجان الكبرى قبل ثلاث سنوات. وليس هذا بسبب طابع الفيلم السياسي، لكن مرده لطريقة التنفيذ، إذ يسرد الفيلم وقائع هروب أول رئيس جورجي مُنتخب بعدما انقلب عليه العسكر هناك. والفيلم يتبع رحلة الهروب والتنقل تلك من مكان لآخر، دون أي تطور في أحداث الفيلم ولا تقديم أية مبررات لانتهائه بنفس الكيفية التي بدأ بها. من بين الأعمال التي برزت بالمسابقة على أكثر من مستوى، فيلم "صانع الكعك" للمخرج الإسرائيلي أوفير راؤول جرازير، وهو عن علاقة حب تنشأ بمحض الصدفة بين مهندس إسرائيل كان يعمل بألمانيا وشاب يصنع الفطائر بأحد المطاعم البرلينية، تتطور العلاقة، وبعدها يموت المهندس في حادث، فيذهب صانع الفطائر لتفقد حياته وأسرته وزوجته وابنه بإسرائيل، وحتى يعمل لدة زوجته وتعجب به، حتى يتم اكتشاف حقيقته، وحقيقة العلاقة بينه وبين زوجها الراحل، وتبقى النهاية مفتوحة على تأويلات عدة.

من بين أضعف الأعمال التي عرضت بالمسابقة الفيلم الهندي "طريق رالينج" للمخرج كارما تاكابا. والذي طمح لتناول حياة أربعة أفراد يعيشون بإحدى القرى النائية الفقيرة بالهند، والعمل على ربط حكايات هؤلاء الأربعة معًا، وخلطها بجريمة قتل وأخرى متعلقة بسرقة، الأمر الذي أدى إلى الكثير من التشوش والارتباك، وأضر الفيلم على جميع المستويات. ومن الأفلام القوية على مستوى الموضوع والطرح الصادم، الفيلم الفرنسي "الشركة" للمخرج نيكولا سيلول، والذي ينتقد استغلال الشركات الكبرى واحتيالها على القوانين كي تدفع موظفيها لتقديم استقالاتهم بعد سنوات طويلة من الخدمة، وبدون أية تكلفة أو مشاكل تقع على عاتقها. وذلك من خلال رصد الفيلم لإحدى المديرات المسئولات عن شؤون العاملين بشركة ما، والتي أدى قرارها إلى انتحار أحد الموظفين بعد فقده لوظيفته.

من الأفلام التي ألقت الضوء على مشكلة اللاجئين من زاوية مغايرة، الفيلم التركي "مزيد" للمخرج أونور سيلاك، والذي تناول العلاقة من منظور أحد المهربين الأتراك وابنه، اللذين يعملان في تهريب البشر عبر الحدود التركية البحرية إلى الجزر اليونانية، وكيف تنشأ بعض علاقات الصداقة الإنسانية بين الشاب الطموح المتفوق دراسيًا والرافض لواقعه، وبين المهاجرين العرب، لكن قسوة الوالد على الشاب تدفعه بالنهاية لأن يسلك نفس سلوكه الإجرامي، سواء مع المهاجرين أو فيما يتعلق بمستقبله، حتى بعد مقتل والده. الفيلم كان من الممكن أن يكون قويًا للغاية وشديد الإنسانية لو التفت المخرج لبعض الشخصيات واللمسات الإنسانية وعمل على تطويرها، لكن للأسف لم يحدث. وفي نوعية أخرى تنتمي أكثر لأفلام العصابات والجرائم، وإن على نحو فني رفيع إلى حد كبير، يرصد الفيلم السلوفاكي "الحدود" للمخرج بيتر بيبياك، أحد قادة التهريب على الحدود السلوفاكية، والذي لا يتورع عن العمل في كافة أنواع التهريب من البشر إلى السجائر، وعلاقته بأسرته والمجتمع المحيط من حوله، وطرق تصفية الصراعات بينه وبين غيره من المهربين، وعلاقاته بالشرطة الفاسدة.

من أقوى أفلام المسابقة هذا العام الفيلم البوسني الهرتزوجي الكرواتي السلوفيني "الرجال لا يبكون" للمخرج ألن درليفيتش. والذي يسلط الضوء على الصراع الديني العرقي الإثني في المنطقة، بعد عقدين من انتهاء الحرب اليوغسلافية وأزمة البلقان، إذ يتلقى مجموعة من الرجال الكبار في العمر، بمساعدة أحد الأطباء النفسيين، جلسات علاج نفسي وتأهيلي بأحد الفنادق المعزولة تحت رعاية الأمم المتحدة، كي يعودوا لممارسة حياتهم الطبيعة كأشخاص أسوياء، تصالحوا مع ماضيهم وما كابدوه من ويلات وعنف وإذلال وفقدان. الفيلم بالغ القوة والعمق، والأداء التمثيلي في غاية الرقي والإقناع، رغم غلبة المسرحة على مشاهد الفيلم. أما آخر أفلام المسابقة فقد جاء على نحو غاية في السينمائية، وقد ترواحت الآراء النقدية بين كراهيته منذ مشاهده الأولى أو الإعجاب الشديد به. يحمل الفيلم عنوان "الصليبي الصغير" من إخراج التشيكي فاكلاف كادرنكا. والفيلم غاية في البساطة، من حيث الأداء والحبكة والمعالجة، لكنه سينمائيًا وبصريًا شديد التميز والثراء. وعند مشاهدته لا يداخلك أدنى شك في أن أحداثه تدور بالفعل في القرون الوسطى، حيث يترك أحد الصبية منزل والده في بداية الفيلم، ويشرع والده الفارس النبيل، الكبير في العمر، في البحث ابنه والعودة به إلى المنزل كما وعد والدته. وعلى امتداد زمن الفيلم نتابع رحلة البحث هذه حتى العثور على الصبي.

كيسي أفليك يستلم جائزته التكريمية من رئيس المهرجان

جوائز المهرجان

ذهبت جائزة المهرجان الكبرى لأفضل فيلم، الكرة البلورية و25 ألف دولار، إلى الفيلم التشيكي "الصليبي الصغير"، وهو أول فيلم تشيكي يفوز بالجائزة منذ 15 عامًا. جائزة لجنة التحكيم الخاصة ذهبت للفيلم البوسني "الرجال لا يبكون"، الكرة البلورية و15 ألف دولار. أما بقية الكرات البلورية فتوزعت كالتالي: جائزة الإخراج للفيلم السلوفاكي "الحدود"، واقتسمت جائزة أحسن ممثلة كل من "يوفيتا بودنيك" و"إليان أوموهيري" عن دورهما في "العصافير تغني في كيجالي"، وذهبت جائزة أحسن ممثل لبطل فيلم "أرثيما" الروسي "ألكسندر ياتسنكو". كما أشادت لجنة التحكيم بفيلم "احتفظ بالباقي"، والممثلة "فويكا أولتين" بطلة فيلم "أخبار عاجلة" كأفضل موهبة واعدة.

أما مسابقة "شرق الغرب" ففاز بجائزتها الكبرى، الكرة البلورية و15 ألف دولار، الفيلم الروسي "كيف أخذ فيكتور "الثوم" ألكسي "المسمار" إلى دار المسنين" للمخرج ألكسندر هانت، وبجائزة لجنة التحكيم، الكرة البلورية و10 آلاف دولار، الفيلم الجورجي القطري "ديد" للمخرجة مريم ختشفاني. أما مسابقة "الفيلم التسجيلي" ففاز بجائزتها الكبرى، الكرة البلورية و5 آلاف دولار، الفيلم الإسباني "عدة أطفال، وقرد، وقلعة" إخراج جوستافو سالميرون، وبجائزة لجنة التحكيم الخاصة الفيلم النمساوي الفرنسي "ورشة حوار" للمخرج برنار برونشتاين.

التكريمات

كعادته كل عام، يمنح مهرجان كارلوفي فاري عدة جوائز تكريمية لأبرز الشخصيات، من مختلف أنحاء العالم، لدورها في إثراء الحياة السينمائية عبر مسيرتها المهنية. وعن مساهماتهم الفنية والسينمائية البارزة عبر حياتهم المهنية منح المهرجان كرته البلورية التكريمية لكل من: المخرج البريطاني الكبير "كين لوش" وهو غني عن التعريف، وكاتب السيناريو البريطاني "بول ليفرتي"، صاحب "الريح التي تهز الشعير" و"أنا دانيال بليك"، والمؤلف والملحن الموسيقي الأمريكي "جيمس نيوتن هاورد"، صاحب العديد من المؤلفات السينمائية لأفلام من بينها "الحاسة السادسة"، و"كينج كونج". أما الجائزة التكريمية الخاصة التي تُمنح باسم رئيس المهرجان فذهبت لكل من: الممثلة الأمريكية "إيما ثورمان"، والممثل الأمريكي "كيسي أفليك"، والممثل الأمريكي "جيريمي رينر"، وأخيرًا ذهبت جائزة رئيس المهرجان لأفضل مساهمة في السينما التشيكية للمخرج فاكلاف فورليتشيك.

أرقام

بإسدال الستار على الدور الثانية والخمسين من مهرجان كارلوفي فاري، تم الإعلان عن استقبال 617 صحفيًا من أنحاء العالم، أغلبهم من شروق ووسط أوروبا، وعرض 207 فيلمًا، بإجمالي عروض فاقت الخمسمائة، عبر 14 دار عرض مختلفة. واستضافة قرابة 400 مخرج، وما يزيد عن 1100 من العاملين بالصناعة. ومبيعات تذاكر بلغ عددها أكثر من 140 ألف تذكرة على امتداد أيام المهرجان.

قد ينال إعجابكم